في حوار معمّق مع يومية عالم الأهداف بمناسبة يوم العلم، قدّم الأستاذ الجامعي في علم الاجتماع زبيري حسين قراءة سوسيولوجية موسعة حول مكانة العلم في بناء الحضارات وتطور المجتمعات، مؤكدًا أن العلم يظل المعيار الأساسي والأكثر حسمًا في تصنيف قوة الأمم وتماسكها عبر التاريخ.
يرى الأستاذ أن التاريخ الإنساني برمته يثبت أن الحضارات التي امتلكت إنتاجًا معرفيًا وعلميًا كانت هي الحضارات الأكثر تأثيرًا واستمرارية، موضحًا أن هذا المبدأ ينطبق على مختلف التجارب التاريخية، سواء في الحضارة الإغريقية أو الرومانية أو المصرية أو حتى في التاريخ العربي الإسلامي.
ويشير في هذا السياق إلى أن التحول الذي عرفه العرب تاريخيًا من كيانات مشتتة إلى قوة حضارية مؤثرة ارتبط بشكل وثيق بتبنيهم للعلم كقيمة مركزية في بناء المجتمع والدولة.
ويواصل الأستاذ تحليله معتبرًا أن مؤشر قوة أي مجتمع لا يقاس فقط بقدراته الاقتصادية أو العسكرية، بل بمدى إنتاجه العلمي والمعرفي، موضحًا أن المجتمعات التي تضع العلم في صدارة أولوياتها هي وحدها القادرة على تحقيق التقدم والاستقرار.
وفي المقابل، يلاحظ أن تراجع مكانة العلم في بعض المجتمعات المعاصرة لصالح أولويات أخرى مثل المال والاستهلاك والرفاه المادي، ساهم في إضعاف موقعها الحضاري وتأخرها النسبي.
ويؤكد أن إنتاج المعرفة ليس عملية معزولة داخل المدارس والجامعات فقط، بل هو عملية اجتماعية شاملة ترتبط ببنية المجتمع ككل، من الأسرة إلى المؤسسات التربوية إلى الفضاء العام. فالتقدم العلمي، حسبه، لا يمكن فصله عن تقدم المجتمع نفسه، لأن البيئة الاجتماعية هي التي تنتج أو تعيق المعرفة.
ويستحضر الأستاذ تجربة جائحة كورونا كنموذج حيّ على مركزية العلم في حياة المجتمعات الحديثة، حيث يوضح أن مواجهة الأزمة لم تكن ممكنة دون تدخل العلماء والأطباء والباحثين.
ويؤكد أن الفئات العلمية كانت في الخط الأمامي لمواجهة الجائحة، من خلال تطوير الحلول الطبية والمخبرية، في وقت تعطلت فيه العديد من القطاعات الأخرى، مما يبرز أن العلم كان ولا يزال عنصر النجاة الأساسي في الأزمات الكبرى.
ويضيف أن هذه التجربة أبرزت كذلك أهمية البحث العلمي المحلي، حيث تمكنت بعض الدول من تطوير حلول داخلية، مثل إنتاج أجهزة التنفس والأكسجين، وهو ما يعكس قدرة العلم على تحويل التحديات إلى فرص عندما تتوفر الإرادة والإمكانات.
وينتقل الأستاذ في تحليله إلى الحديث عن طبيعة المعرفة في العصر الرقمي، حيث يطرح رؤية نقدية لوسائل التواصل الاجتماعي، معتبرًا أنها رغم كونها منتجًا تقنيًا وعلميًا في حد ذاتها، إلا أنها لا يمكن أن تعوض المعرفة الأكاديمية القائمة على المنهج العلمي.
ويوضح أن هذه الوسائط توفر تدفقًا كبيرًا للمعلومات والخبرات، لكنها تظل في معظمها معارف جزئية وغير مؤطرة بمنهجية علمية دقيقة.
ويشدد في هذا السياق على أن العلم الحقيقي يقوم على عنصرين أساسيين، هما الموضوع والمنهج، وأن اكتساب المنهج العلمي لا يتم إلا داخل المؤسسات الأكاديمية من مدارس وجامعات ومعاهد. أما التعلم الذاتي عبر الفضاء الرقمي، فرغم أهميته في توسيع المدارك، إلا أنه يظل غير كافٍ لبناء معرفة علمية متكاملة.
كما يشير إلى أن إنتاج المعرفة العلمية الحقيقية يتم أساسًا داخل المخابر ومراكز البحث، حيث تخضع النتائج للتجربة والتحقق العلمي، وليس فقط عبر التفاعل الاجتماعي أو المحتوى الرقمي المتداول. ومع ذلك، يعترف بأن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم مصدرًا مساعدًا للمعلومة والخبرة، لكنها لا ترقى إلى مستوى الإنتاج العلمي المنهجي.
ويخلص الأستاذ زبيري حسين إلى أن أزمة العديد من المجتمعات المعاصرة تكمن في تراجع مكانة العلم داخل سلم الأولويات، داعيًا إلى إعادة الاعتبار للمعرفة العلمية داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، باعتبارها السبيل الوحيد لتحقيق التنمية والتقدم والخروج من حالة التأخر الحضاري. فالعلم، حسبه، ليس مجرد أداة معرفية، بل هو أساس بناء الأمم ومفتاح نهضتها عبر التاريخ.
وفي خاتمة حديثه، يؤكد أن أي مشروع تنموي حقيقي لا يمكن أن ينجح دون استثمار فعلي في العلم والبحث العلمي، باعتبارهما الركيزة الأساسية لبناء مجتمع قوي، متوازن، وقادر على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال