في أروقة قصر الثقافة مفدي زكرياء، وبين جدرانه التي احتضنت العديد من المرات، أسماء بارزة في الساحة الفنية والثقافية الجزائرية، يتألق هذه المرة الفنان التشكيلي قرزيز معمر، في معرضه الجديد الذي حمل عنوان “فيلينون” ضم 40 عملا فنيا بأحجام كبيرة.
هذا المعرض، الذي يجمع بين الحلم والتأمل، وبين الرمز والفكرة، الفنان التشكيلي لا يعرض فقط لوحات فنية بقدر ما يفتح نافذة على عالم بصري خاص، يُلامس فيه الفنان قضية الوحدة الوطنية إنسانية، من خلال أسلوب تعبيري يتجاوز الشكل ليصل إلى الجوهر.
وفي مقابلة حصرية مع يومية “عالم الأهداف”، يعود بنا الفنان قرزيز معمر إلى بدايات العمل على هذا المشروع الفني، كاشفًا عن خلفيات اختياره لهذا العنوان، الألوان عن التقنيات التي استخدمها، وما يحمله من دلالات رمزية وفلسفية.
معرض فلنيون… فنٌ يوحّد الجزائر
يأخذنا هذا الحوار في رحلة داخل عقل فنان لا يكتفي برسم اللوحات، بل يسعى من خلالها إلى طرح فكرة وتوجيه رسالة.
بخصوص اختيار الفنان لعنوان “فيلينون”، أشار الى أن هذا الاسم اسم مركب “فيل” وتعني الخيط و “اونيون” وتعني الاتحاد، وأكد لنا أنه اختار هذا الاسم ليرمز الى الوحدة التي تربط الجزائريين، والذي اعتبره اتحادا يجمع كل الجزائريين.
في حديثه عن اللوحات المعروضة أكد لنا الأستاذ معمر أنه اختار أن يعبر في لوحاته عن أنماط التراث العمراني الإسلامي الذي يميز المدن الجزائرية، واختار بذلك أن يرسم المساجد والزوايا الموجودة عبر كافة أنحاء الوطن باختلاف أنماط العمارة فيها، مشيرا الى أنه
وبالرغم من اختلاف الثقافات واللهجات الموجودة في الجزائر الى ان هناك خط اعتبره قدسي يجمع حيث يؤمن بأن الإسلام والمساجد والزوايا باعتبارها أماكن مقدسة أحد العناصر التي يتحد ويتشارك فيها الجزائريون.
وعندما سألنا الفنان معمر عن اختياره لهذا النوع من العمران بالذات، أوضح لنا أنه اختاره باعتباره أحد الأنماط التي كانت موجودة قبل دخول المستعمر الفرنسي، الذي يزعم بأنه خلف طابع عمران جميل في الجزائر قبل الاستقلال ويتباهى بذلك، ليوجه بذلك رسالة بأن الجزائر قبل الاستعمار كانت تحمل طابعا عمرانيا جميلا وراقيا.
وفيما يتعلق بالتقنيات المستخدمة في اللوحات، ابرز الأستاذ معمر أنه اعتمد على توظيف تقنية الرسم بخط واحد مستمر، حيث أنجز الفنان كل عمل له بخط مستمر واحد لا ينقطع من نقطة البداية حتى النهاية، موضحا ان هذه التقنية هي تقنية فنية عالمية تتسم بالبساطة وتتطلب الدقة والسلاسة، وعبر الفنان عن هذه التقنية قائلا “يعتمد المعرض على تقنية الرسم بالخط الواحد، وهي تقنية دقيقة تقوم على مبدأ بسيط وعميق في آنٍ واحد أن ترسم دون أن ترفع القلم عن الورقة، هذه البساطة الظاهرة تخفي وراءها عمقًا فنيًا، لأنها تحاكي سريان الحياة وتواصل الذاكرة، وتُعبّر عن الاستمرارية التي لا تنقطع”.
وخلال حديثنا عن اختيار الألوان أكد الأستاذ معمر أنه قد استخدم الفنان التشكيلي عددا من الألوان الترابية فضلا عن اللونين الأسود والأبيض وعددا من الألوان التي تحمل أبعاد رمزية مهمة، حيث أشار الى أن هذه الألوان الترابية باعتبارها ألوان تعكس لون تربة الجزائر، موضحا أن اللونين الذهبي والفضي، المستخدم في رسم المنارات يعبر عن الرقي الروحي الذي يحمله المسجد.
وبخصوص تسمية اللوحات التي اختار الفنان ان يقلب أسماء لولايات، وهو استوحى هذه الفكرة من الجافنية وهي ثقافة كان يستخدمها الجزائريون في أحياء العاصمة حيث يقلبون فيها الحروف المنطوقة أي يقومون بعكس الأصوات الموجودة في الكلمات من اليسار الى اليمين لكيلا يفهمهم الغرباء على احيائهم، وقد برر لنا خلال اللقاء بأنه أراد ان يحي هذا الموروث اللامادي عن طريق لوحاته، حيث قلب الفنان أسماء مدن جزائرية عن طريق هذه اللغة كما جمع أسماء مدن جزائرية مع بعض، موضحا ذلك بأنه حاول عبر اللوحات أن يجمع مدينة بمدينة في حين حاولت لوحات أخرى أن تعبر عن انعكاس مدينة على مدينة أخرى، مشيرا بذلك الى أنه حاول أن يوحد مدنا جزائريا فرقتها الجغرافيا من خلال رسوماته .
وفي ختام حديثه دعا الفنانين التشكيلين والشباب خاصة طلابه بالجامعة الى اعتماد فن هادف يحمل دلالات نبيلة وهادفة، مشيرا الى أن الفن لا يمكن ان يسمى فن دون ان يحمل دلالات ورموز هادفة.
الجدير بالذكر ان الفنان التشكيلي معمر قرزيز، من مواليد عام 1978 بمدينة الشلف، وقد نهل من أصول هذا الفن أكاديميًا وعمليًا، فقد توّج مساره العلمي بحصوله على شهادة الدراسات العليا في الفنون من الدراسات العليا الفنية من مدرسة الفنون الجميلة بالعاصمة سنة 2003، ليبدأ الفنان حياته الأكاديمية كمدرس في المدرسة الجهوية للفنون الجميلة بوهران، و إلى جانب مسيرته الأكاديمية كمحاضر في الجامعات الجزائرية، ساهم الأستاذ معمر في تنشيط الحياة الثقافية من خلال مشاركته في معارض داخل وخارج الوطن، أبرزها في باريس، دمشق، القاهرة، الجزائر، وهران وغيرها، كما كان له حضور فعّال في لجان التحكيم، والمؤتمرات الثقافية، والفعاليات الفكرية التي ترسّخ للفن كوسيلة للتعبير والتغيير.
ما يميز هذا المعرض أن لوحاته لا تُجسّد فقط ملامح الجزائر الطبيعية والثقافية بل توحّدها، برغم اتساعها وتنوعها، لها روح واحدة ونبض مشترك.
يحمل هذا المعرض رسالة إنسانية سامية تدعو للتأمل فيما يجمعنا كبشر، أكثر مما يفرقنا، في عالم باتت فيه الفروقات تطغى على المشترك.
ما يميّز هذا المعرض ليس فقط جمالية لوحاته أو مهارة تنفيذها، بل قدرته على الذهاب أبعد من الشكل، إلى الجوهر.
يحمل هذا المعرض في طياته رسالة إنسانية راقية، تدعونا إلى إعادة النظر في طريقة قراءتنا للعالم من حولنا. ففي زمن تهيمن عليه الانقسامات والصراعات الهوياتية، تأتي هذه اللوحات كدعوة صامتة ولكن قوية للتأمل فيما يجمعنا كبشر. إنها تذكّرنا بأن الفن قادر على تجاوز اللغات واللهجات، العرقيات والحدود، ليصل إلى جوهر الإنسان، حيث تُصبح الأحاسيس لغةً عالمية، والخط رمزًا للوئام بدل الانقسام.
بلقيس بوزيان

























مناقشة حول هذا المقال