أشرف وزير المجاهدين وذوي الحقوق، عبد المالك تاشريفت، اليوم الأحد بالمتحف الوطني للمجاهد بالجزائر العاصمة، على فعاليات ندوة تاريخية موسومة بـ “القيم الكشفية وأثرها في تربية الأجيال”، وذلك في إطار إحياء الذكرى الخامسة والثمانين لاستشهاد مؤسس الكشافة الإسلامية الجزائرية، القائد محمد بوراس، تحت شعار “الكشافة مدرسة للوطنية”.
وتندرج هذه الندوة في سياق الحفاظ على الذاكرة الوطنية وتخليد مسيرة رجالاتها، إذ تسعى إلى إبراز الدور التربوي والوطني الذي اضطلعت به الكشافة الإسلامية الجزائرية في تنشئة الأجيال وتعزيز قيم الانتماء والتضحية في صفوف الشباب الجزائري عبر التاريخ.
وقد أضفى انعقاد الندوة في قاعة تحمل اسم الشهيد بوراس ذاته طابعا رمزيا استثنائيا على المناسبة، فيما قدم أطفال الكشافة الإسلامية الجزائرية عرضا تعريفيا مؤثرا حول مسيرة الشهيد القائد، استعرضوا من خلاله أبرز محطات حياته النضالية ودوره الريادي في تأسيس الحركة الكشفية وغرس قيم الوطنية في نفوس الشباب، في مشهد عكس عمق الوعي التاريخي لدى هذا الجيل وارتباطه الوثيق برموز الكفاح الوطني.
وزير المجاهدين:”الكشافة شعلة الثورة التي لن تنطفئ”
وفي كلمته الافتتاحية، أكد الوزير تاشريفت أن هذه المناسبة تحمل دلالات عميقة في مسيرة الذاكرة الوطنية، مبرزا أن اعتماد رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، يوم السابع والعشرين من ماي يوما وطنيا للكشافة الإسلامية الجزائرية، يعد التفاتة سيادية بالغة الدلالة، تخليدا لذكرى هذا الرمز الوطني، وتعزيزا لمكانة الكشافة وتشجيعا لمسيرتها المظفرة، وعرفانا بتضحيات جيل أسس بدماء الحرية والسيادة والمواطنة.
وتوقف الوزير عند المكانة التاريخية للحركة الكشفية، مشيرا إلى أنها كانت في زمن التأسيس مدرسة حقيقية للتكوين والوعي ومقارعة المستعمر، استطاعت أن تحفز الهمم وتذكي الحماس الوطني في الأفئدة والوجدان، فغدت بأبنائها الوقود والشعلة التي غذت الثورة التحريرية المباركة، والنبراس الذي أضاء دروب بعث الروح الوطنية في أوساط الشباب.
وأضاف أن الكشافة لم تكن مجرد عطاء عابر، بل كانت حصنا حصينا في الحفاظ على قيم الشعب الجزائري ومثله العليا وحماية هويته وشخصيته الوطنية، مؤكدا أنها لا تزال المرجع المستدام في ترسيخ سلوك المواطنة المسؤولة، وإشاعة ثقافة التطوع والتكافل الاجتماعي، وتوطيد أواصر الأخوة وحب الوطن.
وفي معرض حديثه عن رهانات المرحلة، أوضح الوزير أن الجزائر في عهد رئيس الجمهورية تولي الشباب عناية فائقة المقام، باعتبارهم العنصر الفعال والأساس لحركة التنمية وبوصلة التضامن وقاطرة ترقية المجتمع.
وأوضح أن الشباب الواعي وحده القادر على دفع الأمة نحو أهدافها السامية وإحداث النقلة النوعية المنشودة على طريق النهضة الشاملة، نهضة تتأسس على الأفكار البنّاءة وقيم الكفاءة والتفاعل الذكي مع تحديات العصر. وختم الوزير بتوجيه عبارات الشكر للأسرة الإعلامية، التي وصفها بالمرافق الوفي لقطاع المجاهدين في نشاطاته التاريخية والتذكارية.
وفي السياق ذاته، أشارت المستشارة والمكلفة بتسيير شؤون المتحف الوطني للمجاهد، سليمة ثابت، إلى أن انعقاد الندوة في قاعة تحمل اسم الشهيد محمد بوراس ليس اختيارا عابرا، بل هو استحضار مقصود لرمز وطني ارتبط اسمه بالكشافة والنضال، مؤكدة أن هذا الصرح العلمي والتاريخي هو المكان الأنسب لاستحضار مسيرة المناضلين أمام الجمع الغفير من الشباب الذي ملأ القاعة، متمنية أن تكون هذه الندوة لبنة صادقة في مسار استذكار التاريخ المجيد.
بوراس.. ابن مليانة الذي اقترض ثمن الطوابع ليوقد شعلة الكشافة
وعلى هامش الندوة، كشف الدكتور عبد الرحمان تونسي، أستاذ التاريخ المعاصر، في تصريح لجريدة عالم الأهداف، أن القائد محمد بوراس ولد عام 1908، وهو العام ذاته الذي نشأت فيه الكشافة العالمية، مما يجعل مسيرته مرتبطة بروح هذه الحركة منذ فجر تأسيسها.
وأوضح أن بوراس نشأ في بيئة تاريخية ثرية بمدينة مليانة، حيث تلقى تعليمه الأول في مدرسة الأهالي، غير أن المستعمر كان يحول دون تواصل الجزائريين في مسيرتهم التعليمية، وهو ما جعل بوراس ينظم أول مظاهرة احتجاجية في المدينة دفاعا عن حقوق أبناء شعبه.
وأضاف الدكتور تونسي أن بوراس عمل في منجم زكار العريق الذي استغله الأمير عبد القادر، قبل أن تضطره الظروف إلى الانتقال إلى العاصمة عام 1926، حيث واجه تحديات مالية جسيمة في مسيرته الكشفية، إذ كان يضطر أحيانا إلى الاقتراض لشراء الطوابع البريدية من أجل مراسلة الجزائريين ونشر فكرة الكشافة الإسلامية، في صورة تجسّد عمق إخلاصه لرسالته الوطنية.
وأكد ذات المتحدث أن بوراس أسس أول فوج كشفي عام 1935 بحي القصبة، مشيرا إلى أن عام 2026 يصادف الذكرى التسعين لهذا التأسيس، مما يضفي على المناسبة بعدا رمزيا مضاعفا يستوجب الاحتفاء والتأمل.
بثينة ناصري























مناقشة حول هذا المقال