من ساحة إلى غابة، ومن شارع إلى مسبح، تتحول الجزائر العاصمة هذه الأيام إلى فسيفساء نابضة بالحيوية. مهرجان الرياضات في طبعته الثانية هو احتفال جماهيري بامتياز، يعيد تجسير العلاقة بين المواطن، والفضاء العام، والرياضة.
في قلب العاصمة، وتحديدًا من أمام مقر الولاية، انطلقت الشرارة الأولى: سباق العمال، في يوم يتزامن مع إحياء اليوم العالمي للشغل. الألوان، الهتافات، الضحكات… كلها كانت جزءًا من مشهد لا تمل العين من تأمله.
صوت المسؤولين… دعم واضح ورسائل قوية
منذ لحظة الافتتاح، بدا واضحًا أن الطبعة الثانية من مهرجان العاصمة للرياضات لا تسير بخطى عادية. القاعة كانت تعجّ بحضور ثقيل: وزير الداخلية السيد إبراهيم مراد، والي ولاية الجزائر العاصمة السيد محمد عبد النور رابحي، رفقة عدد من أعضاء الحكومة وممثلي هيئات أمنية واستشارية، اجتمعوا حول هدف مشترك: ترسيخ الرياضة كثقافة يومية ورافعة تنموية.
وزير الداخلية، السيد إبراهيم مراد في كلمته، ، بدا حريصًا على توصيل رسالة واضحة: “يجب تعميم هذه التظاهرة على كل ولايات الوطن، فالجزائر تملك مواقع وإمكانات هائلة، تحتاج فقط لمن يفعّلها لصالح المواطن”.
الوالي محمد عبد النور رابحي في كلمته هو الآخر لم يخفِ فخره بما تحقق، مؤكدًا أن هذا المهرجان أصبح “موعدًا سنويًا منتظرًا من قبل عشاق الرياضة وسكان العاصمة وزوارها، لما يحمله من تنوع في النشاطات وسط أجواء من البهجة وروح المشاركة”.
وفي إشادة واضحة قال: “أتوجه بخالص الشكر إلى السيد وزير الداخلية على تجديد رعايته الكريمة لهذا الحدث، وهو دعم معنوي لمبادرة ترسّخ قيم العيش المشترك وتعكس التزام الدولة بمرافقة المبادرات المجتمعية الهادفة.”
أما عن الطموح، فقد لخصه في عبارة واحدة: “هدفنا هو الاتساع والشمول”، موضحًا أن عدد المواقع ارتفع من 5 في الطبعة الأولى إلى 14 موقعًا هذا العام، تشمل فضاءات حضرية، غابية، بحرية ومائية، إلى جانب 14 مسبحًا.
ولم يغب البعد الإنساني عن الخطاب، حيث أكد السيد الوالي على إدماج ذوي الهمم إدماجًا كاملاً، والاهتمام بالرياضة المدرسية، التزامًا بتوجيهات رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، لمنح العاصمة مكانتها كإحدى كبريات العواصم المتوسطية..
وزير الداخلية، السيد إبراهيم مراد، بدا حريصًا على توصيل رسالة واضحة: “يجب تعميم هذه التظاهرة على كل ولايات الوطن، فالجزائر تملك مواقع وإمكانات هائلة، تحتاج فقط لمن يفعّلها لصالح المواطن”.
المواطنون… أبطال الصورة وصنّاع البهجة
في ساحة عمومية بضاحية المدنية، كانت مجموعة من الأطفال تمارس الكاراتيه، بينما بالقرب منهم كان شاب من ذوي الهمم
يتحدى كرسيه المتحرك في مباراة كرة الطاولة، مشهد مؤثر يجسّد أحد أجمل أهداف المهرجان: الإدماج الشامل.
وبخطوات استثنائية حين يركض الأمل بثلاث صبغيات لم يكن انطلاق مهرجان العاصمة للرياضات احتفالية تقليدية فحسب، بل كان بداية لمسار من التمكين والدمج الحقيقي، تجسدت بانطلاق سباق الجري الخاص بفئة المصابين بالثلاثي الصبغي (متلازمة داون)، حيث تحوّل الخطّ الأبيض في ساحة مارينا الصابلات إلى منصة للتحدي.
العيون تراقب والقلوب تخفق. لم يكن الهدف هو الوصول أولًا، بل إثبات أن هؤلاء الأبطال يمتلكون ما يكفي من الشجاعة والحماس ليكونوا جزءًا من المشهد الرياضي، لا على الهامش، بل في قلب الفعل.
في زاوية أخرى من فضاءات المهرجان، بعيدًا عن صخب الملاعب وحماسة السباقات، كانت فرشاة الألوان تخوض سباقًا من نوع خاص. شباب وفتيات التفوا حول لوحات بيضاء، يرسمون بألوانهم ملامح الجزائر التي يحلمون بها: مدينة نابضة بالحياة، شوارعها تبتسم، وساحاتها مفتوحة لكل أشكال التعبير.
إلى جوارهم، فئة شبابية أخرى خاضت معركة صامتة… على رقعة شطرنج. أنامل صغيرة تنقل القطع بخفة، فيما العقول تشتعل بحسابات دقيقة. لا مكان للضجيج هنا، فقط تركيز وانضباط، وكأن هذه الرقعة الصغيرة اختزلت فلسفة الحياة والرياضة معًا: التريّث، الحنكة، والذكاء في اتخاذ القرار.
تلك المشاهد المتنوعة جسدت بوضوح روح مهرجان الجزائر العاصمة للرياضات: تظاهرة تتسع للعضلات والفكر، للحركة والإبداع، وتمنح لكل شاب وشابة مساحة للتعبير عن طاقاتهم، أيا كانت أدواتهم.
أكثر من 100 نشاط… والرسالة واحدة
على مدار ثلاثة أيام، ينتشر النشاط الرياضي كالنور في 14 بلدية، من التنس إلى الزومبا، من كرة القدم إلى المشي العائلي، بمشاركة مدارس، جمعيات، أفراد، وأسر.
مهرجان متعدد الأوجه، لكنه موحد في هدفه: إحياء الروح الرياضية، وتجميل الحياة الحضرية، وتعزيز قيم التعايش والمواطنة.
حتى المؤسسات التعليمية كان لها نصيب من الفعالية، حيث تم التركيز على الرياضة المدرسية، في مسعى لترسيخ عادات صحية في الجيل الصاعد.
الرياضة بصمة مدينة… لا ترف
هذا ليس مجرد مهرجان ترفيهي. إنه فلسفة مدينة. هكذا يراه المنظمون، وهكذا يسوّقه المسؤولون، وهكذا يعيشه المواطن. العاصمة، تُعطي مثالًا على كيف يمكن للرياضة أن تكون أداة إدماج، تنمية، وسعادة جماعية.
ويبدو أن هذه التجربة ستتحول قريبًا إلى برنامج وطني دوري في كل سنة، في خطوة ستنقل هذا “النموذج العاصمي” إلى باقي ولايات الوطن.
عسلون فاطمة الزهراء.

























مناقشة حول هذا المقال