أكد وزير الصناعة فريد كورتل، أن 96.4 بالمائة من اعتمادات الدفع ك المخصصة للاستثمار، ضمن مشروع ميزانية القطاع لسنة 2027، ستوجه لتسوية العمليات الجارية واستكمال المشاريع التي انطلقت بالفعل، في إطار توجه يقوم على إعطاء الأولوية للإنجاز والتسليم قبل إطلاق مشاريع جديدة، بما يسمح بتثمين الاستثمارات المدرجة وتسريع دخولها حيز الاستغلال.
وأوضح الوزير، خلال عرضه مشروع ميزانية قطاع الصناعة أمام لجنة المالية والميزانية بالمجلس الشعبي الوطني اليوم الإثنين، في إطار دراسة مشروع قانون المالية لسنة 2027، أن إعداد الميزانية تم في ظرف يستدعي التوفيق بين مواصلة ديناميكية الإنعاش والتنويع والاندماج الصناعي، والحفاظ على استدامة المالية العمومية، مشيرا إلى أن الأولوية في نفقات الاستثمار، وفقا لتوجيهات وزير المالية، خُصصت لتسوية العمليات الجارية.
وفي هذا السياق، كشف كورتل أن الميزانية الإجمالية للوزارة تبلغ 7.138 مليار دينار جزائري في رخص الالتزام، مقابل 40.539 مليار دينار في اعتمادات الدفع، مسجلة انخفاضا بنسبة 13.9 بالمائة في اعتمادات الدفع مقارنة بسنة 2026، التي بلغت 47.105 مليار دينار. وأرجع هذا التراجع أساسا إلى انخفاض اعتمادات الاستثمار مع تقدم المشاريع الجارية، مقابل الحفاظ على نفقات التسيير ضمن إطار مرشد وتعزيز التحويلات الموجهة لدعم الجودة والابتكار والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
دعم الاستثمار وتعزيز التنافسية الصناعية
وأشار الوزير إلى أن استراتيجية قطاع الصناعة للفترة 2027-2029 تقوم على ثلاثة برامج رئيسية، تتمثل في التنافسية والتنمية الصناعية، ودعم الاستثمار، والإدارة العامة، موضحا أن هذه البرامج تندرج ضمن التوجهات العامة للحكومة الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال، وإنعاش الاستثمار، وتحرير إمكانات المبادرة الخاصة، وتشجيع تدفقات رؤوس الأموال، وتثمين الخبرة والتكنولوجيا، وخلق مناصب العمل.
وأضاف أن برنامج القطاع يترجم توجيهات رئيس الجمهورية الرامية إلى جعل الإصلاح الجبائي والإنعاش الصناعي والاكتفاء الذاتي الغذائي ركائز للسيادة الاقتصادية الوطنية، بهدف رفع مساهمة الصناعة في الناتج الداخلي الخام إلى 13 بالمائة في أفق 2027، مع إعطاء أهمية خاصة للشعب الاستراتيجية، لا سيما الصناعات الغذائية والكيميائية والصيدلانية.
وأوضح كورتل أن برنامج التنافسية والتنمية الصناعية يستهدف تعزيز الجودة والمطابقة والابتكار في جهاز الإنتاج الوطني، من خلال متابعة تطبيق التشريعات المتعلقة بالتقييس والقياسة القانونية والملكية الصناعية والسلامة الصناعية، وتسهيل وصول المتعاملين الاقتصاديين إلى الابتكارات والأسواق، بما فيها الأسواق الخارجية، عبر اعتماد هيئات تقييم المطابقة وشهادة المؤسسات وفق معايير إيزو والاعتراف الدولي بالمخابر الجزائرية.
كما يهدف البرنامج، حسب الوزير، إلى ترقية قدرات الابتكار الصناعي، من خلال تطوير مراكز دعم التكنولوجيا والابتكار، والتكوين في المهن الصناعية، وإعداد التنظيمات التقنية وأدلة الممارسات الجيدة بحسب كل شعبة صناعية.
أما برنامج دعم الاستثمار، فيستحوذ على 85.8 بالمائة من اعتمادات الدفع، بالنظر إلى ارتباطه ببرامج تهيئة العقار الصناعي ومناطق النشاطات. وأكد الوزير أن هذا البرنامج يهدف إلى تعبئة الاستثمارات ذات الأهمية الخاصة للاقتصاد الوطني أو الموجهة للتصدير، وزيادة العرض العقاري المخصص للاستثمار، وتحسين مناخ الأعمال، وتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتوسيع نشاطها، فضلا عن تعميق المناولة والاندماج الصناعي المحلي، لا سيما في صناعات المركبات والميكانيك والكهرباء والإلكترونيك والسكك الحديدية والصلب.
استكمال المشاريع الجارية أولوية في ميزانية2027
وفي عرضه لتوزيع الميزانية، أوضح الوزير أن الباب الثالث المتعلق بنفقات الاستثمار، يستحوذ على 85.5 بالمائة من إجمالي اعتمادات الدفع، بقيمة 34.652 مليار دينار، مقابل رخص التزام بقيمة 1.250 مليار دينار.
وأكد أن 96.4 بالمائة من اعتمادات الدفع المخصصة لهذا الباب ستوجه لتغطية العمليات الجارية، مقابل 0.5 بالمائة فقط للعمليات الجديدة، التي تقتصر أساسا على الدراسات وتحضير المشاريع المستقبلية، مشددا على أن هذا التوجه يترجم الالتزام بمبدأ تسوية العمليات الجارية قبل إطلاق عمليات جديدة.
وفي هذا الإطار، أوضح الوزير أن المقاربة المعتمدة لا تعني تجميد المشاريع، بل تقوم على تسيير صارم يستهدف إعطاء الأولوية للعمليات الأكثر تقدما من أجل تسليمها ووضعها تحت تصرف المستثمرين، ورفع العوائق التي تؤخر الورشات، سواء تعلق الأمر بنزع الملكية أو تعبئة العقار أو الربط بالشبكات أو الوضعيات التعاقدية.
كما تشمل هذه المقاربة، وفق العرض، حصر إعادة تقييم المشاريع في العمليات التي تبرر مواصلتها جدواها الاقتصادية وكلفة إتمامها، والإغلاق المالي للعمليات المنجزة لتحرير الفوائض والاعتمادات غير المستهلكة وإعادة توزيعها على المشاريع الأكثر استعجالا، إلى جانب تعزيز المتابعة مع الولاة من خلال نقاط مرحلية منتظمة ولوحات قيادة مشتركة لمراقبة التقدم المادي والمالي.
ولفت الوزير إلى أن البرامج اللامركزية، المنفذة على مستوى الولايات، تستوعب قرابة 78 بالمائة من اعتمادات الاستثمار، ما يجعل التنسيق مع الجماعات المحلية والولاة عاملا أساسيا في تسوية العمليات الجارية وتسريع إنجاز المشاريع.
وفيما يتعلق بالعمليات الجديدة، كشف العرض عن تخصيص غلاف إجمالي قدره 180.8 مليون دينار، يوجه أساسا إلى الدراسات المتعلقة بالمناطق الصناعية ومناطق النشاطات، بقيمة 150.8 مليون دينار، وإلى دراسات إنجاز مقرات مديريات الصناعة بثلاث ولايات، بقيمة 30 مليون دينار، بهدف تحضير مشاريع ناضجة يمكن إطلاقها عندما تسمح الإمكانات الميزانياتية بذلك.
كما أشار كورتل إلى أن إعادة التقييم الوحيدة المقترحة تخص مشروع إنجاز منطقة صناعية بالعريشة، بولاية تلمسان، على مساحة 300 هكتار، بغلاف قدره 1.07 مليار دينار في رخص الالتزام واعتمادات الدفع، موضحا أن الهدف هو تمكين استكمال عملية انطلقت بالفعل، وليس توسيع البرنامج.
رفع المساحات الصناعية المهيأة إلى 738.5 هكتار
وفي ما يتعلق بالأهداف المنتظرة من الميزانية، أكد الوزير أن ميزانية البرامج تربط الاعتمادات المالية بمؤشرات أداء قابلة للقياس، بما يسمح بتقييم النتائج الفعلية عند دراسة قانون تسوية الميزانية.
وأوضح أن أبرز الأهداف المسطرة لسنة 2027 تتمثل في رفع المساحة الصناعية المهيأة من 443.1 هكتار إلى 738.5 هكتار، أي بزيادة قدرها 295.4 هكتار، تعادل 66.7 بالمائة، معتبرا أن هذه النتيجة ترتبط مباشرة باستكمال المناطق الصناعية التي بلغت مراحل متقدمة من الإنجاز.
كما تستهدف الوزارة، حسب العرض، مضاعفة عدد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المنضمة إلى برنامج الدعم، من 100 إلى 200 مؤسسة، ورفع عدد المؤسسات المناولة من 25 إلى 50 مؤسسة، مع الحفاظ على نسبة تنفيذ الميزانية عند 95 بالمائة، وتقليص مؤشر التحكم في النفقات بنحو 4.7 بالمائة.
وفي مجال الجودة والمطابقة، أشار الوزير إلى استهداف الانتقال من 8 إلى 25 هيئة معتمدة، ومن 33 إلى 62 مؤسسة معتمدة، بما يعزز قدرة المنتجات الجزائرية على استيفاء المعايير المطلوبة في الأسواق الخارجية، ويدعم فرص التصدير، خاصة نحو الأسواق الإفريقية.
وأكد في هذا السياق أن تطوير البنية التحتية للجودة، بما يشمل التقييس والقياسة القانونية والاعتماد والشهادة، يمثل شرطا أساسيا لتعزيز تنافسية المنتجات الوطنية وضمان الاعتراف بها في الأسواق الخارجية، لا سيما في ظل الفرص التي تتيحها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
تعزيز التحويلات لدعم الجودة والابتكار
وفي ما يتعلق بنفقات التسيير والتحويل، أوضح الوزير أن اعتمادات نفقات المستخدمين تبلغ 4.013 مليار دينار، بارتفاع قدره 101.681 مليون دينار، أي بنسبة 2.6 بالمائة مقارنة بسنة 2026، وتمثل 9.9 بالمائة من الميزانية الإجمالية.
وتبلغ اعتمادات تسيير المصالح 295.6 مليون دينار، بزيادة قدرها 74.649 مليون دينار مقارنة بالسنة السابقة، فيما تصل نفقات التحويل إلى 1.579 مليار دينار، مسجلة ارتفاعا قدره 249.741 مليون دينار، أي بنسبة 18.8 بالمائة.
وأشار الوزير إلى أن إعانة الديوان الجزائري للقياسة تبلغ 991.112 مليون دينار، وتمثل 62.8 بالمائة من نفقات التحويل، بهدف ضمان استمرارية الخدمة العمومية للقياسة القانونية التي ترتبط بها ثقة المستهلكين والمتعاملين الاقتصاديين.
كما تشمل التحويلات مساهمة بقيمة 330 مليون دينار لفائدة وكالة تطوير المؤسسة الصغيرة والمتوسطة وترقية الابتكار، بما يدعم عصرنة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وترقية الابتكار، إلى جانب اعتمادات موجهة إلى هيئات أخرى في إطار برامج القطاع.
وأكد كورتل أن هذه التوزيعات تهدف إلى ربط كل إعانة بالبرنامج الذي يخدم أهدافه، بما يحسن وضوح الميزانية ويسهل تقييم الأداء، مع مواصلة التحكم في نفقات التسيير وتحسين نسبة تنفيذ الاعتمادات.
إعفاءات جبائية لتطوير المناولة الصناعية
وعلى صعيد التدابير التشريعية والجبائية، أوضح الوزير أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يتضمن إجراء يهدف إلى دعم المناولة الصناعية، من خلال إعفاء المكونات والمواد الأولية المستوردة أو المقتناة محليا من الحقوق الجمركية والرسم على القيمة المضافة، لفائدة المتعاملين من الباطن الناشطين في إنتاج المكونات والمجموعات والمجموعات الفرعية الموجهة للصناعات الميكانيكية والإلكترونية والكهربائية، وفقا للشروط والكيفيات التي يحددها التنظيم.
وأشار إلى أن هذا التدبير يرمي إلى تحقيق الانسجام بين النظام التفضيلي للحقوق الجمركية والرسم على القيمة المضافة واستراتيجية تطوير المناولة والاندماج الصناعي، من خلال حصر الاستفادة من الامتيازات في المتعاملين من الباطن الناشطين في الشعب المعنية، وتوضيح أن النظام يشمل إنتاج المكونات، مع إلغاء تسقيف الاستفادة لمدة سنتين قابلة للتجديد، وفق ما ورد في عرض أسباب التدبير.
وأضاف أن هذه الإجراءات من شأنها خفض تكاليف الإنتاج وتحسين تنافسية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المناولة أمام الواردات، وجعلها أكثر جاذبية لأصحاب الطلبات الباحثين عن موردين محليين، بما يساعد على رفع حصة القيمة المضافة الوطنية في الإنتاج.
كما أشار إلى تكامل هذه التدابير مع المكاسب التي تضمنها قانون المالية لسنة 2026، لا سيما إمكانية تمديد الإعفاءات الضريبية، وفق شروط محددة، لفترة تصل إلى سنتين لفائدة الاستثمارات والمؤسسات الناشئة، فضلا عن إصلاح الشباك الوحيد للاستثمار، الذي يشمل رقمنة الإجراءات وتحديد آجال لمعالجة الملفات والرد على طلبات العقار الاقتصادي.
وأكد الوزير أن هذه التدابير تتجه نحو تقليص التكاليف ورفع العوائق الإدارية والعقارية، بما يضمن أن تترجم الاستثمارات العمومية الموجهة للعقار الصناعي والبنية التحتية للجودة إلى استثمارات إنتاجية فعلية.
تحديات تتعلق بآجال الإنجاز والاندماج الصناعي
وفي تقييمه للرهانات المطروحة أمام القطاع، أكد الوزير أن التحدي الأول يتمثل في الانتقال من مرحلة إطلاق عمليات التجهيز إلى مرحلة الإنجاز والتسليم، مشيرا إلى أن نجاح المقاربة الميزانياتية الجديدة يرتبط بقدرة الوزارة على إتمام المشاريع الجارية في الآجال المحددة، خاصة مع توقع تراجع اعتمادات الدفع بنسبة 13.9 بالمائة في سنة 2027، ثم بنسبة 8.8 بالمائة في سنة 2028، وفق المعطيات الواردة في العرض.
وأوضح أن أي تأخير في الإنجاز قد يؤدي إلى تكاليف إضافية وإعادة تقييم المشاريع، بما يحد من الموارد المتاحة لتلبية احتياجات أخرى، وهو ما يفرض تسريع وتيرة الإنجاز وتحسين المتابعة الميدانية.
كما شدد على ضرورة جعل العقار الصناعي متاحا ومهيأ ومسنَدا للمستثمرين في آجال مناسبة، من خلال معالجة وضعية المناطق التي تقل نسبة تقدمها عن 10 بالمائة، وتسريع تهيئة المناطق المتقدمة، والعمل بالتنسيق مع الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار والجماعات المحلية لبلوغ الهدف المسطر بشأن المساحات المهيأة.
وأضاف أن تعميق الاندماج الصناعي يمثل رهانا أساسيا لتقليص الاعتماد على الواردات ورفع القيمة المضافة الوطنية، خصوصا في فروع الصناعات الميكانيكية والسيارات والسكك الحديدية والصلب والصناعات الكهربائية والإلكترونية، مؤكدا ضرورة تحويل الامتيازات الممنوحة للمناولين إلى قدرات إنتاجية ومناصب عمل مؤهلة وعقود فعلية بين المؤسسات الجزائرية وأصحاب الطلبات.
كما تطرق إلى أهمية تكثيف نسيج المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وعصرنته وتحسين وصوله إلى التمويل، إلى جانب ترقية الابتكار وحماية الملكية الصناعية، في ظل ارتفاع طلبات براءات الاختراع بنسبة 20 بالمائة خلال سنة 2025، بما يستدعي مرافقة المؤسسات الناشئة والجامعات والمؤسسات الاقتصادية لتثمين ابتكاراتها.
وفي ختام عرضه، جدد وزير الصناعة التزام القطاع بتقديم تقارير عن تقدم العمليات الجارية، وإعطاء الأولوية للمناطق الصناعية الأكثر تأخرا، وعدم إطلاق أي عملية جديدة ذات غلاف مالي كبير خارج الاعتمادات المقررة.
وأكد أن ميزانية سنة 2027 تقوم على مبدأ الإنجاز قبل المبادرة بمشاريع جديدة، والتوطيد قبل التوسيع، من خلال استكمال الاستثمارات القائمة وتوفير العقار الصناعي المهيأ وتعزيز البنية التحتية للجودة وتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المناولة، بما يمهد لاستقبال استثمارات منتجة ورفع تنافسية الصناعة الوطنية وتعزيز مساهمتها في الاقتصاد الوطني.
بوزيان بلقيس
























مناقشة حول هذا المقال