الأديبة والصحفية الجزائرية سليمة مليزي واحدة من الأصوات الإبداعية البارزة في الساحة الأدبية والثقافية فقد جمعت بين شغف الكلمة الصحفية ووهج الكتابة الأدبية، لتصنع لنفسها مساراً مميزاً يزاوج بين الإبداع والالتزام.
من خلال مقالاتها قصصها ورواياتها، حملت هموم المجتمع الجزائري وعبرت عن آماله وتطلعاته، لتصبح بذلك نموذجاً للمرأة المثقفة التي آمنت برسالة الكلمة ودورها في التغيير في هذا الحوار، نقترب أكثر من تجربتها الغنية نتوقف عند أبرز محطاتها، ونستمع إلى رؤيتها حول واقع الأدب والإعلام في الجزائر، وما تحمله الأجيال الصاعدة من آمال وتحديات.
الأديبة سليمة مليزي، كيف كانت بداياتك مع الكتابة، وكيف تصفين تجربتك كأول أديبة تقتحم أدب الطفل في الجزائر ؟
كانت بوادر الإبداع عندي منذ طفولتي في قريتي الجميلة بني عزيز، حيث كنت أقضي وقتي بين المراعي والحدائق أقرأ القصص بشغف، وأعيد قراءتها بصوت عال وكأنني أحكيها للطيور والفراشات التي كانت تحيط بي هناك، وسط الطبيعة، تعلمت أن أرى العالم بعين الحالم، وأن أكتب لألون الواقع بخيالي.
حيث وجدت في القلم صديقا وفي الورق فضاء رحبا لأحلامي وأفكاري كتبت أولى نصوصي وأنا لا أزال على مقاعد الدراسة وكانت تلك اللحظات بمثابة الشرارة التي أشعلت شغفي بالأدب، مع مرور الوقت تطور قلمي وازدادت تجربتي ثراء، فكتبت الشعر والنصوص النثرية والمقالات، ثم وجدت نفسي أنجذب أكثر نحو عالم الطفولة، لما يحمله من براء.
كبرت وكبر معي حبي للكلمة، فكانت الكتابة متنفسا لأحلامي وملاذا لأفكاري، حيث كان لي الشرف أنني كنت أول أديبة شابة حالمة، تطبع لها قصة الأطفال سنة 1982، وفي عام 1984 اقتحمت عالم الإعلام الثقافي، وأسست أول مجلة للأطفال في الجزائر بعنوان “رياض”، وكانت تصدر عن مجلة ” الوحدة للشباب ” وكانت تجربة رائدة فتحت لي الطريق نحو أدب الطفل. كنت أرى أن الطفل الجزائري بحاجة إلى أدب يعكس هويته وثقافته ويروي عطشه للمعرفة بطريقة ممتعة وهادفة.
تجربتي كأول أديبة اقتحمت أدب الطفل في الجزائر كانت مسؤولية كبرى، لأنني شعرت أنني أضع اللبنة الأولى في بناء ثقافة أدب الطفل الجزائري، كتبت قصصا تحمل رسائل تربوية وإنسانية ولغة شاعرية بسيطة لأفتح أمام الطفل نافذة على الخيال وأزرع في قلبه حب القراءة والجمال.
اليوم، وبعد كل هذه السنوات، أشعر بالفخر لأنني أسهمت في ترسيخ هذا اللون الأدبي، وأعتبر كل قصة كتبتها بمثابة بذرة أمل غرستها في قلوب الأجيال القادمة لتزهر معرفة وحبا للحياة.
ماذا يميز كتاباتك عن غيرها من الكتاب؟
كل عمل كتبته يحمل جزءا من روحي، لكن هناك محطات تبقى الأقرب إلى قلبي لأنها شكلت منعطفا مهما في مسيرتي، أعتز كثيرا بإصداري أول قصة للأطفال سنة 1982 والتي كانت بوابة دخولي لعالم أدب الطفل، ومنذ ذلك الحين أصبح أدب الطفل رسالتي الأسمى، إذ كرست قلمي لبناء جسر بين الطفل الجزائري وعالم القراءة والخيال.
ومن الإنجازات التي أفخر بها تأسيسي أول مجلة للأطفال في الجزائر سنة 1984م ، والتي منحت الطفل الجزائري فضاء يعبر فيه عن نفسه ويتعلم بطريقة ممتعة. كما أعتز بإصداراتي المتنوعة مثل العصفور والضفدعة “، “البطة والحمامة”، وزهر الحرير في الغابة المحترقة”، إلى جانب دواويني الشعرية مثل “رماد الروح” و “نبض من وتر الذاكرة و على حافة القلب. التي تحمل بصمتي الخاصة وتمزج بين الشاعرية والعمق الإنساني.
وأعتبر مشاركتي في المهرجانات والملتقيات الدولية، وتمثيل الجزائر في أوروبا والعالم العربي من أجمل اللحظات في مساري فقد سمحت لي بنقل صوت الأدب الجزائري إلى العالم، وتعزيز صورة المرأة الكاتبة الجزائرية على الساحة الثقافية العالمية.
ما هو دور الإعلام الثقافي في الترويج للأدب الجزائري؟
الإعلام الثقافي يلعب دورا أساسيا في خدمة الثقافة والترويج لها، لكن للأسف لا يعطى هذا الدور الأهمية الكافية في كثير من مؤسساتنا الإعلامية، نلاحظ أن العديد من القنوات الفضائية لا تهتم بالأدب والثقافة بالشكل المطلوب، فنجد غيابا شبه تام لتغطية الأمسيات الشعرية، والمنتديات الفكرية والأنشطة الأدبية التي تقام في مختلف المؤسسات الثقافية. وهذا يعد خسارة كبيرة، لأن الثقافة والأدب هما من أهم الركائز التي تساهم في رفع وعي الشعوب وتطوير مستواها الفكري.
ومع ذلك، لا يمكننا إنكار وجود بعض المبادرات المميزة التي تستحق الإشادة من بين هذه المبادرات ما تقوم به جريدة الجمهورية من خلال ” النادي الأدبي ” الذي يزيد عمره عن 40 سنة ولا يزال نشطا في مجالات الأدب والمسرح والسينما، ولا أنسى دور الإذاعة الثقافية التي تفتح منابرها للمبدعين وتهتم بالثقافة الجزائرية، وهو ما نعتبره متنفسا مهما للمشهد الثقافي الوطني.
ولعل ما نطمح إليه اليوم هو أن يخصص الإعلام الجزائري مساحات أكبر للبرامج الثقافية الجادة، وأن يجعل من الأدب والفن رافعة للوعي والهوية الوطنية حتى تستعيد الثقافة مكانتها الحقيقية في حياة المجتمع.
كيف تقيمين حضور الأدب الجزائري في الساحة العربية والدولية؟
من خلال تجربتي الشخصية أرى أن حضور الأدب الجزائري اليوم مهم وفعال، لأنه يمثل نافذة حقيقية لانفتاحنا على العالم وإيصال صوتنا الثقافي إلى القارات الأخرى. أؤمن أن الأديب هو سفير استثنائي لوطنه، يحمل رسالته إلى الشعوب الأخرى بطريقة مؤثرة وراقية، ويعكس صورة الجزائر الحقيقية بلد الثقافة والحضارة والتاريخ العريق.
لقد كانت مشاركتي الأخيرة في مهرجانات کبری مثل مهرجان الشعر العالمي في بلغراد عاصمة صربيا، وملتقيات في مقدونيا تجربة فريدة كشفت لي مدى تعطش العالم للتعرف على أصواتنا وتجاربنا الإبداعية، هناك وجدت مجتمعات تعيش الفن والشعر بشغف استثنائي، وقدرت كثيرًا أن أكون بين هؤلاء، أحمل إليهم رسائلنا الثقافية وقيمنا الإنسانية.
كما أحرص دائما على تمثيل الجزائر بأبهى صورة، فأصطحب معي اللباس التقليدي الجزائري كالقفطان والكاراكو، ليكون رسالة صامتة عن هويتنا الأصيلة وتاريخنا الضارب في الجذور أشعر في كل مرة أنني لست فقط أديبة أو شاعرة، بل سفيرة لتراث وطني وجسر يربط بين الجزائر والعالم.
ولكي يكون حضور الأدب الجزائري أقوى وأكثر تأثيرًا، من الضروري أن تتكفل الدولة والهيئات الثقافية بمصاريف مشاركة الأدباء في مثل هذه الملتقيات والمهرجانات العالمية. فوجود الأديب الجزائري في الخارج ليس ترفا شخصيا، بل استثمار ثقافي وحضاري يسهم في تعزيز صورة الجزائر في المحافل الدولية ويمنح صوتنا فرصة أكبر للوصول إلى العالم، فالأديب حين يسافر إلى العالم يحمل وطنه في قلبه وكلماته ويعود محملاً بأحلام جديدة لوطن أجمل.
كلمة أخيرة توجهينها للقارئ الجزائري والعربي وأيضاً للأدباء الهاويين الجدد في المجال؟
رسالتي للقارئ الجزائري والعربي أن يجعل الكتاب صديقه اليومي ورفيق دربه، فالقراءة هي النافذة التي نطل منها على العالم، وهي التي تصنع وعينا وتغذي خيالنا وتمنحنا القدرة على فهم ذواتنا والآخرين كل كتاب تقرؤه يضيف لك عمرًا جديدًا ورحلة جديدة في دروب الحكمة والجمال.
أما للأدباء الجدد والموهوبين الذين يدخلون عالم الكتابة لأول مرة، فأقول لهم: الكتابة مسؤولية قبل أن تكون هواية، وهي رسالة قبل أن تكون شهرة.
اكتبوا بصدق بجرأة، ودعوا نصوصكم تعبر عن أرواحكم لا عن رغبات الآخرين، لا تيأسوا من البدايات الصغيرة ولا تخافوا من النقد، فهو سلّم يساعدكم على النضج والتطور واصلوا البحث والقراءة وصقل أقلامكم كل يوم، فالإبداع مثل النبتة يحتاج إلى صبر ورعاية حتى يزهر ويثمر. ولتكن كتاباتكم نوافذ للنور، وجسوزا نحو المحبة والسلام، فالكلمة قد تغير حياة إنسان وتبني وطنا بأكمله أنتم الأمل، وأنتم الجيل الذي سيحمل مشعل الثقافة العربية نحو مستقبل أكثر إشراقا.
نزيهة سعودي

























مناقشة حول هذا المقال