تفتح القطيعة الدبلوماسية بين الجزائر والإمارات العربية المتحدة صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، في ظل سياق إقليمي شديد التعقيد تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والجيوسياسية والاقتصادية. وبينما يرى المحلل السياسي عز الدين نيمري أن القرار الجزائري كان منتظرا في ضوء ما يعتبره تراكمات تمس الأمن القومي والاستقرار الإقليمي، يقرأ المحلل السياسي نبيل كحلوش الخطوة من زاوية أوسع ترتبط بتوازن القوى وتأمين العمق الاستراتيجي الجزائري، لا سيما في منطقة الساحل والصحراء، وبين القراءتين، تبرز تساؤلات حول تداعيات القطيعة على المصالح الاقتصادية، ومستقبل الاستثمارات الإماراتية والجالية الجزائرية، فضلا عن قدرة الطرفين على إدارة مرحلة جديدة قد تعيد رسم بعض التوازنات في المنطقة.
عز الدين نيمري: القطيعة الجزائرية الإماراتية كانت منتظرة.. والجزائر تملك البدائل لحماية مصالحها

يرى المحلل السياسي عز الدين نيمري أن قرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات العربية المتحدة كان خطوة منتظرة، بالنظر إلى ما يعتبره تراكما من الخلافات والتوترات المرتبطة بالأمن القومي الجزائري، مؤكدا أن التطورات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة عززت قناعة الجزائر بضرورة حماية أمنها ومصالحها الاستراتيجية.
وأوضح نيمري، في أن ما وصفه بـ”المحاولات المتكررة للمساس بالأمن القومي الجزائري” شمل، بحسب تقديره، التحرك داخل فضاء الساحل والصحراء، وتمويل جماعات مسلحة بالسلاح والمال بهدف زعزعة استقرار المنطقة، خصوصا في ظل التوجه الجزائري نحو تعزيز التنمية الاقتصادية في دول الجوار.
وأضاف أن الجزائر تواجه، وفق قراءته، محاولات لخلق بؤر توتر في الدول المحيطة بها وإشعال حدودها الجنوبية، معتبرا أن هذه التطورات تتعارض مع المساعي الجزائرية الرامية إلى إصلاح الأوضاع وتعزيز الاستقرار والتنمية في منطقة الساحل.
اتهامات بتجارة المخدرات وزعزعة استقرار دول المنطقة
وفي سياق متصل، أشار نيمري إلى ما وصفه بـ«تقارير دولية» تتحدث عن تورط الإمارات في قضايا مرتبطة بتجارة المخدرات وتمويل أنشطة تمس أمن واستقرار عدد من الدول، معتبرا أن تراكم هذه الملفات جعلها، بحسب رأيه، مصدر قلق بالنسبة إلى الأمن والسلم الدوليين.
كما اتهم الإمارات بالتدخل في عدد من الأزمات الإقليمية، خاصة في ليبيا والصومال والسودان، وقال إن هذه التدخلات ساهمت، من وجهة نظره، في تعميق الانقسامات الداخلية وإضعاف مؤسسات بعض الدول.
وأضاف أن ما يعتبره استخداما للقدرات المالية في التأثير على الأنظمة والنخب السياسية أدى إلى تكريس حالة من عدم الاستقرار في عدد من الدول، معتبرا أن ما وصفه بـ«التقارير والتحقيقات الدولية» ساهم في كشف طبيعة هذه الأدوار.
وأكد أن الدلالات السياسية لهذه التطورات، بحسب قراءته، تتمثل في وجود ما يعتبره محاولة مستمرة للحد من الدور الجزائري إقليميا وتطويق نفوذها، خصوصا في محيطها الإفريقي.
المصالح الاقتصادية لن تكون بمنأى عن القطيعة
وبشأن التداعيات الاقتصادية المحتملة للقرار الجزائري، توقع نيمري أن تتأثر العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ولا سيما حجم الاستثمارات الإماراتية في الجزائر، لكنه شدد في المقابل على أن الجزائر، حسب تقديره، تمتلك البدائل والقدرات التي تسمح لها بتعويض أي تراجع في مستوى التعاون مع الجانب الإماراتي.
وقال إن العلاقات الاقتصادية، رغم أهميتها، لن تكون العامل الحاسم في تحديد الموقف الجزائري، إذا ما تعلق الأمر بحماية الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية للبلاد.
أما بشأن أفراد الجالية الجزائرية في الإمارات، فشدد نيمري على ضرورة ألا تتحول هذه الفئة إلى طرف متضرر من الخلاف السياسي بين البلدين، معتبرا أن الجالية الجزائرية تمثل “طبقة شغيلة”، وداعيا إلى معالجة أي تداعيات محتملة على وضعها بالحكمة والحنكة، وفي إطار حماية مصالح الجزائريين.
تراجع الدور الإماراتي في الإقليم
وفي قراءته لمستقبل الدور الإماراتي، يرى نيمري أن أبوظبي “فقدت الكثير” من موقعها الإقليمي، خاصة في ظل تزايد الخلافات بينها وبين عدد من الدول، متوقعا أن تتسع قائمة الدول التي تتخذ مواقف أكثر تشددا تجاهها.
واعتبر أن التحولات الجارية في المنطقة قد تعيد رسم موازين القوى العربية، مشيرا إلى وجود قوى إقليمية وازنة، على غرار الجزائر ومصر والسعودية، قادرة على التأثير في مستقبل التوازنات العربية.
وأضاف أن ما وصفه بـ”التقارير الدولية” حول التدخلات الإماراتية في عدد من الملفات الأمنية وتجارة المخدرات أثر، بحسب تقديره، على صورة الإمارات ومكانتها لدى المجتمع الدولي.
القطيعة قد تستمر.. والعلاقة مرهونة بتغير السياسات
وبخصوص مستقبل العلاقات الجزائرية الإماراتية، رجح نيمري أن تستمر القطيعة الدبلوماسية لفترة طويلة في حال استمرار النهج السياسي الحالي في أبوظبي، معتبرا أن جوهر الخلاف، من وجهة نظره، لا يرتبط فقط بإجراءات أو مواقف ظرفية، وإنما بطبيعة الخيارات السياسية التي تتبناها القيادة الإماراتية.
وقال إن أي تغيير في طبيعة النظام أو في توجهاته الخارجية قد يفتح الباب أمام إعادة النظر في العلاقات الثنائية، موضحا أن وصول قيادة أكثر توازنا ومرونة يمكن أن يؤدي إلى تغيير طبيعة العلاقة بين البلدين.
وختم عز الدين نيمري بالتأكيد على أن الجزائر، وفق تقديره، تنطلق في قرارها من اعتبارات مرتبطة بأمنها القومي واستقرار محيطها الإقليمي، وأن إعادة بناء العلاقات مستقبلا ستظل مرتبطة بمدى حدوث تحولات حقيقية في السياسات التي كانت وراء التوتر بين البلدين.
المحلل السياسي نبيل كحلوش: تأمين العمق الاستراتيجي الجزائري يعزز قدرة الجزائر على مواجهة التداعيات الإقليمية

بدوره يرى المحلل السياسي نبيل كحلوش، في حوار مع يومية “عالم الأهداف”، أن فهم تداعيات القطيعة يقتضي اعتماد منظور “توازن القوى”، من خلال التوقف عند مدى تأمين الجزائر لعمقها الاستراتيجي، وفرص التصعيد الإماراتي المحتملة، فضلا عن التقاطعات بين الموقف الجزائري ومواقف عدد من القوى الإقليمية.
تأمين العمق الاستراتيجي.. أولوية جزائرية في منطقة الساحل
يؤكد نبيل كحلوش أن مالي والنيجر تمثلان فضاء أمنيا بالغ الأهمية بالنسبة إلى الجزائر، بالنظر إلى موقعهما في الصحراء الكبرى وارتباطهما المباشر بالأمن الحدودي الجزائري، فضلا عن العلاقات التجارية والاجتماعية التي تجمع سكان المناطق الحدودية، ومن بينهم الطوارق الجزائريون.
ويشير المحلل السياسي إلى أن الأزمات التي نشبت بين الجزائر وكل من مالي والنيجر كان لها تأثير عميق على أمن الحدود والمبادلات التجارية، معتبرا أن اختلاف المقاربات الجزائرية والإماراتية في التعامل مع أزمات المنطقة أسهم في تعقيد هذه العلاقات.
وفي هذا السياق، يوضح كحلوش أن الجزائر تفضل، في الحالة المالية، التوصل إلى اتفاق سياسي يجمع مختلف أطراف الأزمة، بما يسمح بمعالجة جذورها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، بينما يرى أن المقاربة الإماراتية تقوم، بحسب تقييمه، على إدارة الأزمة من خلال تقديم الدعم المالي والعسكري لأطراف معينة، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار الصراع بدل معالجة أسبابه الأساسية.
ويضيف أن الاختلاف لا يقتصر على آليات حل الأزمات، بل يمتد إلى طبيعة النظرة إلى دول الساحل. فالجزائر، وفق تحليله، تنظر إلى هذه الدول باعتبارها دولا مجاورة وجزءا لا يتجزأ من محيطها الإفريقي، وتسعى إلى تعزيز التقارب معها وإبقائها ضمن فضائها الجيوسياسي الطبيعي.
في المقابل، يرى كحلوش أن الإمارات تتبنى مقاربة مختلفة تجاه “كونفدرالية دول الساحل الثلاث”، التي تضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو، من خلال التعامل معها كفضاء إقليمي يمكن أن يكتفي بذاته بعيدا عن محيطه الجيوسياسي.
ويحذر المحلل من أن عزل هذه الدول عن محيطها الإقليمي، في ظل هشاشتها الأمنية والاقتصادية، قد يؤدي إلى تفاقم الاضطرابات وانعكاسات أمنية تتجاوز حدودها، بما يمس الدول المجاورة، وفي مقدمتها الجزائر.
استعادة العلاقات مع دول الجوار.. خطوة لتعزيز الأمن القومي
ويرى كحلوش أن التحدي الاستراتيجي الذي واجهته الجزائر قبل قرار قطع العلاقات مع الإمارات تمثل في تحقيق هدفين أساسيين: أولهما إعادة الاعتبار للحل السياسي في مالي، وثانيهما استعادة دول الساحل وتعزيز اندماجها ضمن محيطها الإقليمي، بما يحد من تنامي أدوار القوى الخارجية في المنطقة.
ويعتبر أن الغاية الأساسية من هذه التحركات تتمثل في تأمين العمق الاستراتيجي الجزائري، وتقليص هامش أي دور إماراتي محتمل على الحدود الجنوبية للجزائر.
وفي هذا الإطار، يربط المحلل بين ما يصفه بفشل المقاربة العسكرية في مالي، ولا سيما في مواجهة الحركات الأزوادية، وبين عودة العلاقات بين الجزائر وكل من مالي والنيجر، فضلا عن التزام الجزائر، بحسب تقديره، بتجسيد برامج عسكرية واقتصادية مشتركة مع دول الجوار.
ويخلص إلى أن هذه التطورات أسهمت، وفق قراءته، في تعزيز موقع الجزائر داخل محيطها الإقليمي وتأمين عمقها الاستراتيجي، قبل الانتقال إلى خطوة قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات.
فرص التصعيد الإماراتي.. أدوات متاحة وقيود استراتيجية
وفيما يتعلق باحتمالات التصعيد الإماراتي ضد الجزائر، يرى نبيل كحلوش أن دراسة بؤر التوتر التي شهدت تدخلا إماراتيا تسمح، بحسب تقديره، برصد ثلاث آليات متكررة، تتمثل في التحريض الإعلامي ضد طرف معين، وتقديم الدعم المالي لأحد أطراف النزاع، فضلا عن توفير الدعم اللوجيستي والعسكري.
غير أن المحلل يشدد على أن تفعيل هذه الأدوات يتطلب توفر بيئة مناسبة، تتميز بالفوضى أو الانهيار المؤسساتي أو الانقسام الداخلي، وهي ظروف لا يرى أنها تنطبق على الوضع الداخلي في الجزائر، لكنها قد تكون حاضرة في بعض دول الجوار.
ويحدد كحلوش، في هذا السياق، بعض أوجه التصعيد المحتملة في دعم وتمويل الجماعات المسلحة في دول مجاورة، إلى جانب توظيف الحملات الإعلامية ضد الجزائر.
ومع ذلك، يعتبر أن قدرة الإمارات على التصعيد تبقى مرتبطة بجملة من القيود الإقليمية والدولية، مشيرا إلى استمرار الحرب الإيرانية، واتساع الخلافات بين السعودية والإمارات، وصمود جماعة أنصار الله «الحوثيين» في غرب وشمال اليمن، فضلا عن التطورات الميدانية التي يرى أنها تصب في صالح الجيش السوداني.
ويرى أن هذه العوامل مجتمعة تضع الإمارات، وفق تقديره، في وضع استراتيجي صعب، وتجعل الدخول في مواجهة مع دولة بحجم الجزائر خيارا غير عقلاني من منظور حسابات القوة.
الموقف الجزائري.. تقاطعات مع التحولات الإقليمية
وفي المحور الأخير من الحوار، يربط المحلل السياسي قرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات بالسياق الجيوسياسي العام الذي تشهده المنطقة، معتبرا أن الخطوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن مواقف عدد من القوى والأطراف الإقليمية تجاه السياسات الإماراتية.
ويشير كحلوش إلى أن مواقف أطراف تشهد نزاعات وحروبا، مثل السودان واليمن وإيران وليبيا، تعكس، بحسب تقييمه، حجم التوتر الذي يحيط بالدور الإماراتي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ويرى أن القرار الجزائري يندرج ضمن سياق إقليمي أوسع، ويعكس، من وجهة نظره، تقاطعات مع مواقف عدد من الأطراف الرافضة للسياسات الإماراتية، وهو ما يمنحه ما يسميه “شرعية جيوسياسية”.
ويخلص المحلل السياسي نبيل كحلوش إلى أن قراءة القطيعة الجزائرية الإماراتية من منظور توازن القوى تقتضي ربطها بتحولات المشهد الإقليمي، وبمدى قدرة الجزائر على حماية عمقها الاستراتيجي، والحفاظ على علاقاتها مع دول الجوار، والتعامل مع التداعيات المحتملة لهذه القطيعة في ظل بيئة إقليمية متغيرة.
بوزيان بلقيس
























مناقشة حول هذا المقال