يمثل خروج الجزائر من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولية “غافي” محطة مفصلية في مسار الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي باشرتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، إذ يعكس هذا القرار اعترافا دوليا بتطور منظومة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وبتعزيز معايير الشفافية والامتثال داخل النظام المالي الوطني.
وقد اعتبر خبراء أن هذا التحول لا يقتصر على كونه إجراء تقنيا، بل يحمل دلالات أوسع تتعلق بإعادة تموقع الاقتصاد الجزائري ضمن المنظومة المالية العالمية، وفتح آفاق جديدة أمام الاستثمار والتعاون الدولي.
ويأتي هذا القرار ليعكس تحولا نوعيا في صورة الاقتصاد الجزائري على المستوى الدولي، ويبعث بإشارات ثقة مهمة للمستثمرين والشركاء الماليين، في وقت تتجه فيه الجزائر إلى ترسيخ بيئة أعمال أكثر انفتاحا واستقرارا، قادرة على الاندماج بفعالية أكبر في المنظومة الاقتصادية العالمية.
وفي هذا السياق كان ليومية عالم الأهداف لقاء مع الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي و خبير القانون الدولي إسماعيل خلف الله، لنتباحث دلالات هذا الحدث الهام و نناقش انعاكساته المستقبيلة على مناخ الاستتثمار قفي الجزائر .
حيث يؤكد الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن خروج الجزائر من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولية (GAFI) يمثل محطة اقتصادية واستراتيجية بالغة الأهمية، باعتباره اعترافا دوليا صريحا بالتقدم الذي أحرزته البلاد في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، ونتيجة مباشرة لسلسلة الإصلاحات التي باشرتها الدولة خلال السنوات الأخيرة بهدف تعزيز الشفافية وترسيخ الامتثال للمعايير الدولية.

ويعتبر تيغرسي أن هذا القرار لا يمكن قراءته فقط من زاوية تقنية مرتبطة بالتصنيفات المالية، بل يتجاوز ذلك ليعكس تحولا في صورة الجزائر على المستويين المالي والاقتصادي الدوليين. فحسب تصوره، فإن خروج البلاد من هذه القائمة يعكس تطورا في منظومتها الرقابية والتشريعية، ويؤكد أن المؤسسات المالية الوطنية أصبحت أكثر نجاعة في تتبع وتقييم العمليات المالية، بما ينسجم مع المعايير المعتمدة عالميا.
ويضيف الخبير الاقتصادي أن هذا التطور يبعث برسالة طمأنة واضحة إلى المستثمرين والشركاء الاقتصاديين الدوليين، مفادها أن الجزائر تتجه نحو بيئة اقتصادية أكثر شفافية وانفتاحا، وهو ما يساهم في تقليص مستوى المخاطر المرتبطة بالمعاملات المالية والتجارية، ويعزز في المقابل من جاذبية السوق الوطنية.
وفيما يتعلق بالعوامل التي سمحت بتحقيق هذا الإنجاز، يشير هواري تغرسي إلى أن الأمر جاء نتيجة حزمة إصلاحات هيكلية شملت تحديث الإطار التشريعي المتعلق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وتعزيز دور خلية معالجة الاستعلام المالي والهيئات الرقابية، إضافة إلى تطوير آليات الرقابة على المعاملات المشبوهة، ورفع مستوى امتثال البنوك والمؤسسات المالية، فضلا عن تسريع مسار الرقمنة في القطاع المالي، وتكييف التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية الحديثة.
ويرى المتحدث أن هذه الإصلاحات لم تكن معزولة، بل جاءت ضمن رؤية أوسع تهدف إلى تحسين صورة الاقتصاد الوطني ومواءمته مع متطلبات النظام المالي العالمي، مع تعزيز التعاون الدولي وتبادل المعلومات المالية بما يضمن فعالية أكبر في مكافحة الجرائم المالية العابرة للحدود.
انعكاسات مباشرة على الاستثمار وجاذبية السوق الوطنية
وحول الانعكاسات الاقتصادية لهذا القرار، يوضح هواري تغرسي أن مناخ الاستثمار في الجزائر مرشح للاستفادة بشكل مباشر من هذا التطور، من خلال تعزيز ثقة المستثمرين الأجانب في السوق الوطنية، وتحسين تصنيف الجزائر لدى المؤسسات المالية الدولية ووكالات التقييم، بما قد يساهم في تقليص علاوة المخاطر المرتبطة بالاستثمار. كما يشير إلى أن هذا الوضع الجديد قد يشجع على تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ويدعم مسار تنويع الاقتصاد الوطني خارج قطاع المحروقات.
القطاع البنكي أمام مرحلة جديدة من الاندماج الدولي
ويؤكد الخبير الاقتصادي أن القطاع البنكي سيكون من بين أبرز المستفيدين من هذا التحول، حيث يُتوقع أن تتحسن علاقاته مع البنوك المراسلة في الخارج، وأن تنخفض تكاليف المعاملات المالية، إضافة إلى تسهيل عمليات التحويلات البنكية الدولية. كما من المنتظر أن ينعكس ذلك إيجابا على مستوى التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وصناديق التمويل، بما يعزز قدرة النظام المصرفي على الاندماج في السوق المالية العالمية.
وفي السياق ذاته، يشير هواري تغرسي إلى أن هذا القرار قد يسهم في تسهيل تمويل المشاريع الكبرى، وتشجيع الشركات الأجنبية على دخول السوق الجزائرية، فضلا عن تحسين شروط التمويل وتقليص كلفة المخاطر، وهو ما من شأنه دعم الحركية الاقتصادية وفتح آفاق أوسع أمام الشراكات الدولية.
غير أن الخبير الاقتصادي يشدد في الوقت نفسه على أن هذا الإنجاز، رغم أهميته، لا يمثل سوى مرحلة ضمن مسار طويل من الإصلاحات، مؤكدا أن الحفاظ على هذا المكسب يتطلب مواصلة الجهود في مجالات متعددة، من بينها تعزيز فعالية المنظومة البنكية، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتسريع الرقمنة، وتحسين مناخ الأعمال، وضمان استقرار الإطار القانوني والتشريعي، إلى جانب تطوير السوق المالية.
ويختم هواري تغرسي بالتأكيد على أن القيمة الحقيقية لخروج الجزائر من القائمة الرمادية تكمن في القدرة على تحويل هذا الاعتراف الدولي إلى نتائج اقتصادية ملموسة، من خلال استقطاب الاستثمارات الفعلية، ودعم المشاريع المنتجة، وتحقيق نمو اقتصادي مستدام، باعتبار أن الأسواق الدولية لا تكتفي بالإشارات الإيجابية، بل تقيس نجاح الدول بمدى قدرتها على تحويل الإصلاحات إلى أثر اقتصادي حقيقي على أرض الواقع.
بدوره يرى خبير القانون الدولي إسماعيل خلف الله إن سحب الجزائر من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (غافي) يُعد بمثابة “صك براءة دولي” يعيد تموضع الاقتصاد الجزائري داخل منظومة الاستثمارات الدولية.

وأوضح أن وجود الجزائر سابقا ضمن هذه القائمة كان يعني تطبيق إجراءات تدقيق إضافية ومشددة على جميع التحويلات المالية الصادرة والواردة، ما كان ينعكس على سرعة ومرونة العمليات المالية والتجارية.
وأضاف أن رفع اسم الجزائر من هذه القائمة من شأنه أن يساهم في تخفيف هذه الإجراءات تدريجيا، بما قد يعزز من سهولة حركة رؤوس الأموال وتسريع العمليات التجارية الدولية، الأمر الذي قد ينعكس إيجابا على جاذبية الاقتصاد الوطني أمام المستثمرين الأجانب.
في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن خروج الجزائر من القائمة الرمادية لـ(GAFI) لا يُعد مجرد تصنيف مالي جديد، بل هو مؤشر على تحول نوعي في بنية المنظومة الاقتصادية والمالية الوطنية، وعلى نجاح مسار إصلاحي طويل استهدف تعزيز الشفافية والامتثال للمعايير الدولية.
غير أن الخبراء يجمعون على أن القيمة الحقيقية لهذا المكسب تكمن في القدرة على استثماره بفعالية، من خلال مواصلة الإصلاحات، وتحسين مناخ الأعمال، وتطوير النظام البنكي، بما يضمن تحويل هذا الاعتراف الدولي إلى نتائج اقتصادية ملموسة، تعزز الاستثمار، وتدعم النمو، وتكرس موقع الجزائر كفاعل اقتصادي موثوق داخل النظام المالي العالمي.
بوزيان بلقيس























مناقشة حول هذا المقال