يتميز الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة بإرادة و عزيمة أكثر من الأشخاص الأسوياء، فمن خلالها يثبت الشخص لنفسه ولأسرته وللمجتمع عامة أنه قادر على العطاء، و نلمس ذلك أكثر في مجال الرياضة، حيث تجدهم يحاولون إثبات إمكانياتهم أكثر من غيرهم، و الرياضة تساعدهم من الناحية النفسية على اكتساب الثقة في النفس وتشكل لهم هدفا، يستطيعون من خلاله تجاوز المصاعب وتحدي الضغوطات والارتقاء إلى أفضل المستويات وتحقيق نتائج وإنجازات تستحق الاعتراف بوجودهم كعنصر وطني له كامل الحقوق في الانتماء والمشاركة الاجتماعية، أما من الناحية الجسدية فتعد الرياضة نوع من العلاج وتقويم العظام خاصة بالنسبة لمن يعانون من مشاكل حركية.
الرياضة الأكثر تتويجا في الجزائر
تعد رياضة ذوي الاحتياجات الخاصة الرياضة الأكثر تتويجا في الجزائر، وعلى سبيل المثال لا الحصر، احتلت الجزائر في بارالمبياد لندن 2012 المرتبة 26 عالميا، حيث توجت النخبة الوطنية بـ 19 ميدالية، منها 4 ذهبية، 6 فضية و9 برونزية، فيما جاءت في المركز 27 كما في بارالمبياد ريو 2016، حيث أحرز الوفد الجزائري 16 ميدالية منها 4 ذهبية، 5 فضية و7 برونزية.
عوائق اجتماعية كثيرة تقف حاجزا في طريقهم
ومهما استطاع الرياضيون من ذوي الاحتياجات الخاصة تحدي إعاقاتهم والانتصار عليها من خلال ممارسة الرياضة والبروز فيها كأبطال ونجوم عالميين، إلا أن العوائق الاجتماعية التي تعترضهم تعد التحدي الأكبر بالنسبة لهم، حيث تعتبر الرياضة بوابة لإثبات الذات وإيصال رسالة للناس وللمسؤولين مفادها أن هاته الفئة تستطيع أن تكون سفيرة للوطن في المجال الرياضي وعدة مجالات أخرى، وبإمكانها المنافسة وتحقيق الإنجازات عالميا وبالفعل كان لها ذلك خلال عدة فعاليات دولية.
لكن تحقيق هذه الإنجازات ليست بالسهولة التي يعتقدها البعض، حيث تصادف هاته الفئة الكثير من العراقيل الاجتماعية، فالبيئة المؤهلة (الممرات الخاصة بهم في الطرقات والأماكن العمومية ووسائل النقل)، مازالت غير كافية في بلادنا وتعد من الأساسيات بالنسبة لهم، ولا شك بأن العمل يجري حاليا على تذليل العوائق، ما يتيح لهذه الفئة ممارسة دورها في المجتمع كما يسهل عليهم ممارسة النشاطات الرياضية.
الأسرة والمجتمع المدني… المحرك الأساسي لدعمهم
و لكي يتمكنوا من طرق أبواب النجومية في المجال الرياضي، يحتاج الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة إلى قوة تدفع بهم إلى الأمام وإلى من يؤمن بقدراتهم ويشجعهم على ممارسة الرياضة ويدعمهم ماديا ومعنويا، لكي يحققوا طموحاتهم في عالم الرياضة، ففي المقابل تعد نظرة المجتمع القاصرة والأفكار الخاطئة اتجاه هاته الفئة من المجتمع، السبب الرئيسي في رفض هذه المبادرات، غير أن الوعي الاجتماعي بدأ يتطور وتغيرت النظرة السلبية لهم، حيث تعالت أصوات تدافع عن حقوقهم وتدعوا إلى تحفيزهم وتشجيعهم وإعطائهم الفرصة لإبراز إمكانياتهم، وخوض التجارب وكسر حاجز الخجل والعزلة لديهم، وبدأ المجتمع بالتضامن معهم ومساندتهم لإثبات قدراتهم ومهاراتهم التي تفوق أحيانا الأشخاص الأصحاء، والأسرة لها دور فعال في تشجيع ابنها المعاق منذ البداية، كما تلعب مؤسسات المجتمع المدني المتمثلة في الجمعيات والأندية الرياضية دورا مهما في استقطاب الأفراد من ذوي الاحتياجات الخاصة وتحفيزهم على الانضمام للأندية الرياضية بوسائل متعددة، و يسهل انتشار الأندية الرياضية في كل بلديات الوطن التنقل إليها، ويجب أن تكون مجهزة بمرافق وأجهزة إدارية وفنية ذات كفاءة عالية، إضافة إلى ضرورة توفير مراكز التأهيل الحركي للمعاقين.
واقع رياضة ذوي الاحتياجات الخاصة في الجزائر
من واجب الأندية الرياضية الخاصة بفئة ذوي الاحتياجات الخاصة أن توفر جميع الإمكانيات الخاصة بالتدريب من أجهزة وعتاد رياضي مهيأ خصيصا لهم وعلى القائمين على رياضة ذوي الاحتياجات الخاصة تخصيص خدمات مجانية لأعضائه من هاته الفئة، نظرا لظروفهم المادية الصعبة حيث يعاني معظمهم من البطالة، ويجب أن يتم دعم الأنشطة الرياضية الخاصة بهم لتشمل الألعاب الجماعية مثل كرة القدم للإعاقة السمعية وكرة السلة للكراسي المتحركة والألعاب الفردية مثل السباحة والرماية ورفع الأثقال وألعاب القوى وكرة الطاولة والريشة الطائرة، وتوفير الكوادر الفنية على أعلى المستويات وتوفير معسكرات أوروبية، خاصة خلال المشاركة في البطولات الدولية والفعاليات البارالمبية.
وعن واقع رياضة ذوي الاحتياجات الخاصة في الجزائر يمكن القول أنها تحولت من مجرد رياضة علاجية وترفيهية، إلى رياضة تنافسية مشرفة للوطن وأصبحت الرياضة الأكثر تتويجا في الوطن حيث جلبت الكثير من الميداليات في العديد من المناسبات، وتقف وراءها منظومة عمل واسعة بحيث أصبح الاحتراف ضرورة ملحة للرياضيين من ذوي الاحتياجات الخاصة وأصبح تفرغ اللاعبين أساسا من أجل الوصول إلى العالمية ورغم وجود عدة مشاكل مادية وعراقيل كثيرة تواجهها إلا أن هذه الرياضة في الجزائر تسير نحو إنجاح تطبيق تجربة الاحتراف المطبقة في الدول المتقدمة في رياضة المعاقين، على أمل أن تتم معالجة كل النقائص وتذليل العراقيل التي تواجههم، و يطالب الرياضيين من ذوي الإعاقة في كل مناسبة، بتحقيق العدالة بينهم و بين الرياضيين الأسوياء، و للأسف- نلحظ أن المكافآت المالية التي تقدمها الوزارة لهم بعد تتويجهم بالميداليات الأولمبية و العالمية، يكون دائما أقل بكثر عن التحفيزات المالية والتكريمات التي تمنح للرياضيين الأسوياء، و يستغرب هؤلاء هذا التمييز، خاصة و أنهم ساهموا في تشريف الوطن ورفع الراية الوطنية في المحافل الدولية.
وسائل الإعلام الجزائرية مقصرة في حقهم
وعن دور الإعلام في المجال الرياضي الذي يعد أحد أهم الوسائل في إبراز الأبطال وصناعة النجوم، سواء الأصحاء أو ذوي الاحتياجات الخاصة، وبحكم تجربتي في هذا الميدان فإن رياضة ذوي الاحتياجات الخاصة ما زالت تحتاج للمزيد من الاهتمام الإعلامي في الجزائر، وضرورة استثمار الطاقات الإعلامية للتوعية بأهمية رياضة المعاقين، وإعطائها المساحة اللازمة أو على الأقل تخصيص جزء للحديث عنها ولا نقول بنفس القدر الذي يهتم فيه الإعلام برياضة الأصحاء أو بكرة القدم التي تستحوذ على الاهتمام الأكبر من قبل وسائل الإعلام، و بالنسبة لهاته الفئة فإن الإعلام يتحدث عنهم فقد في المناسبات، رغم أن الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة هم من رفعوا رؤوسنا عاليا في المحافل الدولية وكم كنا نفخر بهم ونعتز بإنجازاتهم العديدة و نسعد لنجاحاتهم، وهم من أثبتوا في كل مرة، أنهم لا يذهبون للمحافل الرياضية الدولية، من أجل المشاركة فحسب بل من أجل التتويج ورفع الراية الوطنية، ويبقى الأمل قائما في تحسين المنظومة الرياضية الخاصة بهم، وتفعيل التوصيات التي تساهم في دعم مسيرة رياضة المعاقين وتذليل كافة العراقيل التي تواجههم لتحقيق المساواة ومستقبل يرضيهم وأسرهم وكافة أفراد المجتمع الذين يفخرون بهم وبإنجازاتهم.
كريمة بندو

























مناقشة حول هذا المقال