أشرف اليوم عميد جامع الجزائر، الشّيخ محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ، بالمدرسة الوطنيّة العليا للعلوم الإسلاميّة “دار القرآن”، على افتتاح الملتقى وطني الموسوم بـ: “نحو التّكامل المعرفيّ بين العلوم الكونيّة والعلوم الشّرعيّة”.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد المأمون القاسمي الحسني، أن التكامل المعرفي بين العلوم الكونية والعلوم الشرعية لم يعد خيارًا فكريًا، بل أصبح ضرورة تفرضها تعقيدات العصر وتحدياته المتسارعة، داعيًا إلى استعادة الرؤية الحضارية التي تجعل مختلف العلوم تتكامل في خدمة الإنسان والعمران.
وأوضح، أن الأزمة التي تعيشها المعرفة اليوم لا تتمثل في نقص العلم أو ضعف الاكتشافات، وإنما في اتساع الفجوة بين التخصصات العلمية، بما جعل كل علم يجيب عن أسئلته الخاصة دون القدرة على الإحاطة بالقضايا الكبرى التي تمس الإنسان والمجتمع.
وفي استعراضه للنموذج الحضاري الإسلامي، أبرز القاسمي الحسني أن علماء المسلمين لم ينظروا إلى العلوم الشرعية والكونية باعتبارها مجالات منفصلة، وإنما انطلقوا من رؤية تعتبر الحقيقة واحدة، وأن النظر في الوحي والنظر في الكون مساران متكاملان لفهم الإنسان والوجود، واستشهد بأعلام الحضارة الإسلامية، مثل ابن الهيثم وأبو الريحان البيروني وابن النفيس، الذين جمعوا بين التخصص العلمي والمرجعية الإسلامية دون تعارض.
وفي هذا السياق، أوضح أن مشروع دار القرآن بالمدرسة العليا الوطنية للعلوم الاسلامية يقوم على رؤية تجعل العلوم الشرعية تتفاعل مع تخصصات مثل الرياضيات، وتاريخ العلوم، والمالية الإسلامية، والعمارة، وعلم النفس وغيرها، بما يسهم في تكوين باحث يمتلك عمق الاختصاص والقدرة على الربط بين المعارف وتحويلها إلى مشروع حضاري يخدم الإنسان.
واختتم عميد جامع الجزائر كلمته بالتأكيد على أن النهضة تبدأ دائمًا بطرح الأسئلة الصحيحة ومراجعة الأسس التي يقوم عليها التفكير، معربًا عن أمله في أن يسهم الملتقى في ترسيخ ثقافة جامعية جديدة تنفتح على منجزات العصر، وتستلهم في الوقت نفسه الرؤية الحضارية الإسلامية، بما يجعل دار القرآن منارة للعلم الرصين وفضاءً لتلاقي المعارف وبناء جسور المستقبل خدمةً للجزائر والأمة والإنسانية.
بدوره أكد رئيس المجلس العلمي لجامع الجزائر، الدكتور موسى إسماعيل، أن التكامل المعرفي بين علوم الوحي والعلوم التطبيقية والإنسانية يمثل ركيزة أساسية لبناء الإنسان وإصلاح العمران، مشددًا على أن جميع العلوم تتكامل لتحقيق سعادة الإنسان وخدمة المجتمعات.
وأشار إلى أن الإسلام أولى العلم مكانة سامية، ورفع من شأن العلماء في مختلف المجالات، سواء في العلوم الشرعية أو اللغوية أو الطبية أو الطبيعية والإنسانية، مؤكدًا أن القرآن الكريم أرسى منذ نزول أولى آياته مبدأ عدم التعارض بين الوحي والعلم، وبين النقل والعقل.
وأكد أن هذا الملتقى يشكل فضاءً لتلاقي الباحثين وتبادل الخبرات وتكامل الرؤى، بما يسهم في تطوير البحث العلمي وخدمة قضايا المجتمع، مشيرًا إلى أن علماء الحضارة الإسلامية لم يعرفوا الفصل بين العلوم، بل جمعوا بين مختلف المعارف في إطار رؤية موحدة.
من جهته أكد مدير المدرسة الوطنية العليا للعلوم الإسلامية “دار القرآن”، الدكتور عبد القادر بن عزوز، أن التكامل بين العلوم الكونية والعلوم الشرعية يمثل مشروعًا معرفيًا وحضاريًا يعيد التأكيد على وحدة المعرفة في التصور الإسلامي، ويعزز دور الجامعة في إنتاج معرفة رصينة قادرة على الاستجابة لمتطلبات العصر.
وأشار إلى أن التكامل بين العلوم ليس مجرد شعار أكاديمي، بل رؤية علمية تقوم على مبدأ عدم التعارض بين الوحي الصحيح والعلم النافع، باعتبارهما مسارين متكاملين لفهم الإنسان والكون والحياة، وهو ما يستدعي إعادة بناء جسور التواصل بين مختلف التخصصات العلمية لإنتاج معرفة متوازنة تحافظ على ثوابت الأمة وتواكب التحولات المعاصرة.
هذا و شهد اليوم الأول للملتقى الوطني، أربعة جلسات علمية أطرها استاذة وباحثون من مختلف جامعات الوطن شملت محاور عدة تناولت التعريف بالتكامل المعرفي ، العلاقة بين العلوم في الحضارات و في الرؤى الكونية ، بالاضافة الى التعرف على واقع التكامل المعرفي وواقعه.
كما يشهد الملتقى الوطني في الفترة المسائية تنظيم ورشات تعليمية يؤطرها أساتذة و مختصون لفائدة المشاركين.
هذه و يهدف الملتقى الوطني إلى إرساخ الرؤية التكاملية للمعرفة القائمة على وحدة المصدر: الوحي والكون و تعزيز الحوار العلمي بين المتخصصين في العلوم الشرعية والعلوم الكونية .
بالاضافة إلى دراسة التطبيقات المعاصرة للتكامل المعرفي بين العلوم المختلفة : التخصصات البينية، و مواجهة التصورات الخاطئة حول التعارض بين العلوم الشرعية والعلوم الحديثة.
وكذا الإسهام في بناء أنموذج معرفي وطني تكاملي ، يجمع بين الأصالة والمعاصرة لحل المشكلات المطروحة في شتى المجالات.
























مناقشة حول هذا المقال