احتفلت القمة العالمية لمجتمع المعلومات الأسبوع الماضي بمرور عشرين عاما على إطلاقها، حيث انطلقت فعالياتها في مدينة جنيف السويسرية بمشاركة دولية واسعة، تحت شعار “تقييم التقدم المحرز واستشراف آفاق مجتمع المعلومات في المستقبل”.
وتعد هذه القمة، التي انطلقت على مرحلتين بجنيف عام 2003 وتونس عام 2005، الإطار المرجعي العالمي للتعاون الدولي في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
في هذا السياق، جاءت مشاركة الجزائر، ممثلة بوفد رفيع يقوده وزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، سيد علي زروقي، كإشارة واضحة إلى انخراط الدولة الجزائرية في الفعاليات الدولية للتكنولوجيا والرقمنة.
خلال مداخلته في جلسة رفيعة المستوى خصصت لموضوع “البنية التحتية للمعلومات والاتصال كأساس للولوج الشامل والميسور”، استعرض الوزير زروقي الخطوط العريضة لاستراتيجية الجزائر في التحول الرقمي، مؤكداً أن هذا المسار ليس خياراً تقنياً ظرفياً، بل توجّه استراتيجي مدعوم بإرادة سياسية واضحة، يجسّدها التزام رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بالتحول الرقمي وبناء اقتصاد المعرفة.
وقد استثمرت الجزائر بشكل مكثف في البنية التحتية الرقمية، سواء من خلال تعزيز سعة النطاق الترددي الدولي، أو تعميم شبكة الألياف البصرية، أو توسيع تغطية شبكة الجيل الرابع، إلى جانب إطلاق خدمات الجيل الخامس كمرحلة مفصلية في هذا التحول، كما اتجهت إلى حلول الربط بالأقمار الصناعية لتغطية المناطق النائية، ما يعكس حرص الدولة على أن يكون النفاذ الرقمي حقاً متاحاً لكل المواطنين، دون تمييز جغرافي.
التحول الرقمي في الجزائر، وفق ما قدمه الوفد الرسمي، يتجاوز المفهوم التقني البحت، فالدولة تعتمد مقاربة شاملة تدمج البعد البشري والاجتماعي، من خلال برامج وطنية لتكوين الكفاءات الشابة في البرمجة، الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، مع التركيز على دعم المرأة وتمكينها رقمياً، وقد أُنشئت مراكز تدريب مجانية في مختلف الولايات، تُعد بمثابة مشاتل للمهارات الرقمية الحديثة.
إلى جانب ذلك، تراهن الجزائر على ريادة الأعمال الرقمية كقاطرة للنمو الاقتصادي الجديد، من خلال بيئة قانونية محفّزة، وتمويلات مبتكرة، ودعم مباشر للمؤسسات الناشئة، إنها محاولة لإعادة هندسة النسيج الاقتصادي الوطني، عبر ما يُعرف بـ اقتصاد الرواد الرقميين، حسب ما أفاد به وزير البريد.
وفي إطار بناء منظومة رقمية متكاملة، تسعى الجزائر إلى رقمنة القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم والخدمات العمومية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن التحول الرقمي لا يكتمل دون إدخال التكنولوجيا إلى صلب الحياة اليومية للمواطن.
هذه الاستراتيجية لا تهدف فقط إلى تحسين الأداء الإداري، بل إلى إعادة بناء علاقة جديدة بين المواطن والدولة، قائمة على الكفاءة والشفافية.
على هامش القمة، حرص الوفد الجزائري على تفعيل الديبلوماسية الرقمية، من خلال سلسلة من اللقاءات الثنائية رفيعة المستوى، أبرزها مع الأمينة العامة للاتحاد الدولي للاتصالات، دورين بوغدان مارتن، حيث جدد الوزير زروقي التزام الجزائر بتعزيز التعاون مع هذه الهيئة الأممية، والمساهمة في بناء فضاء رقمي عالمي أكثر عدلاً وشمولاً.
كما عقد لقاءات مع نظرائه من السعودية، جنوب إفريقيا، زيمبابوي وماليزيا، حيث تم استعراض فرص التعاون الثنائي، واستكشاف آفاقه المستقبلية، خاصة في مجالات الابتكار الرقمي، السياسات التنظيمية، وبناء القدرات.
إن مشاركة الجزائر في القمة العالمية لمجتمع المعلومات ليست مجرد حضور رمزي أو بروتوكولي، بل تعكس تحوّلاً عميقاً في فهم الدولة لأهمية الرقمنة كخيار استراتيجي متعدد الأبعاد.
اللقاءات الثنائية التي عقدها الوزير زروقي على هامش القمة لا يمكن فصلها عن طموح الجزائر لتعزيز تموقعها في النظام الرقمي العالمي.
فهذه اللقاءات تعكس توجها ديبلوماسياً جديداً، تسعى من خلاله الجزائر إلى لعب أدوار قيادية في التعاون في مجال الرقمنة، ومواجهة التحديات المشتركة.
في العالم الراهن، لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة تنمية، بل تحوّلت إلى ميدان صراع جيواستراتيجي من يمتلك المعرفة، والسيادة على البيانات، ووسائل الاتصال الحديثة، يتحكم في مفاصل الاقتصاد والسياسة والثقافة.
إن التحدي الأكبر الآن لا يكمن فقط في توفير الإنترنت عالي السرعة أو إطلاق تطبيقات ذكية، بل في ترسيخ ثقافة رقمية وطنية تُعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة، وتفتح آفاقًا جديدة للاقتصاد والمعرفة والسيادة في عصر متسارع التحول.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال