في سياق عالمي يشهد تسارعا غير مسبوق في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تشهد الجزائر انطلاقة فعلية نحو هذا التحول ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى تحديث البنية التحتية الرقمية بوصفهما أداة رئيسية للنهوض بالاقتصاد الوطني.
من بين أهداف الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي تحديث الخدمات العمومية، وذلك تجسيدا للالتزام رقم 25 لرئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون الذي ينص على “تحقيق تحول رقمي لتحقيق الاتصال وتعميم استخدام تكنولوجيات الاعلام والاتصال، خاصة في إدارة المرفق العمومي وتحسين حوكمة القطاع الاقتصادي”.
تسعى الحكومة وفقا لتعليمات رئيس الجمهورية إلى رقمنة المدارس، المراكز الصحية، ومختلف المرافق العمومية، في مسعى لتجسيد التحول الرقمي كمشروع تنموي حقيقي يخدم المواطن.
وهو ما أكده رئيس الجمهورية، مثمننا تقدم عملية تعميم الرقمنة وإدراج الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، مؤكدا أن الجزائر تسير بخطى “ثابتة ومؤمنة” في مجال الرقمنة والأمن السيبراني.
وتجسيدا لهذا التحول، قطعت العديد من القطاعات أشواطا كبيرة في مسار الرقمنة، حيث تم إطلاق منصات رقمية تعمل على تقريب الخدمات من المواطن، من بينها التعليم العالي، التربية، الداخلية، العدالة، الصحة والضمان الاجتماعي.
كما تشهد الجزائر استثمارات ضخمة في تطوير البنية التحتية الرقمية، حيث ارتفع طول شبكة الألياف البصرية إلى أكثر من 265 ألف كيلومتر، وربط 5,74 مليون أسرة بالأنترنت الثابت.
وفي نقلية نوعية في هذا المسار، تستعد الجزائر لإطلاق شبكة الجيل الخامس للهاتف النقال، هذه التقنية التي تعتبر حجر الزاوية في التحول الرقمي، تمتاز بسرعات اتصال فائقة، حيث تصل سرعات الجيل الخامس إلى 10 جيغابت في الثانية، إلى جانب زمن استجابة منخفض يقل عن ملي ثانية، وهو الذي يسمح بتنزيل الملفات الكبيرة وتدفق الفيديو بدقة عالية وبسرعة، وهو ما يسمح بالتحكم السريع والألي للمركبات ذاتية القيادة وإجراء الجراحة عن بعد، فضلا عن التحكم عن بعد بالآلات.
كما تدعم تقنية الجيل الخامس عددا أكبر من الأجهزة المتصلة في نفس الوقت، وهو ما يرفع تدفق الأنترنت، ناهيك عن تحسين كفاءة الطاقة، حيث تقلل التقنية من استهلاك الطاقة مقارنة بالأجيال السابقة.
الزراعة الطاقة والنقل.. قطاعات واعدة للذكاء الاصطناعي في الجزائر
وفي لقاء جمعنا بخبير تكنولوجيا الاتصالات، الأستاذ ملعب عبد الكريم، أكد لنا بأن من القطاعات الأكثر قابلية للاستفادة من الذكاء الاصطناعي في الجزائر، تبرز الزراعة الذكية التي يمكن أن تحدث فيها ثورة في طرق الري، التسميد، ورصد الأمراض النباتية.
كما يعتبر قطاع الطاقة مجالًا خصبًا لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، خاصة فيما يتعلق بالصيانة التنبؤية والتسيير الذكي للموارد.
أما قطاع النقل، فيُعد من المجالات الحيوية التي يمكن أن تستفيد من خوارزميات تنظيم حركة المرور وتحسين التنقل داخل المدن الكبرى، فضلا عن تحسين خدمات القيادة الذاتية.
وفي ذات الخصوص أكد الخبير، أنه من الضروري أن يكون توظيف الذكاء الاصطناعي في الجزائر مرتبطا بالحاجات الحقيقية للمجتمع، فيجب أن تتناسب التقنيات المتبناة مع السياق المحلي، فيجب أن تكون الرقمنة حل للمشاكل الوطنية، سواء في الأمن الغذائي، أو التسيير الحضري، أو الخدمات العمومية.
وفيما يخص الفرص الاقتصادية التي يمكن أن يفتحها الذكاء الاصطناعي للجزائر، أشار الأستاذ عبد الكريم بأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحول إلى محرّك حقيقي للنمو الاقتصادي، حيث يمكنه تحسين إنتاجية المؤسسات، تقليص التكاليف، وتطوير خدمات جديدة في الصحة، الطاقة، النقل، والتعليم.
بدوره، أكد خبير الرقمنة والذكاء الاصطناعي يزيد اقدار، أنه يجب النظر في الذكاء الاصطناعي كوسيلة تكنولوجية مثلها مثل الانترنت ومحركات البحث، التطبيقات، البرامج وغيرها، وليس كمجال قائم بحد ذاته، مشيرا إلى أن كل القطاعات تقريبا بدون استثناء، يمكنها الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، باختلاف درجة الاستفادة منه حسب مدى تأهيل هذا القطاع وقربه من النضج الرقمي، أي بتوفر الأنظمة الرقمية اللازمة، والمعلومات الكافية في القطاع.
كما أشار ذات المتحدث إلى أن نجاح التحول الرقمي والاستغلال الجيد لتقنيات الذكاء الاصطناعي مرتبطة بمدى قابلية القطاع لاستخدام هذه التقنيات باعتبار أنه يجب اتباع مراحل مهمة في هذه العملية،على غرار تعلم البرمجة، توفير النماذج، بالإضافة إلى توفر الحواسيب و الخوادم.
لذا دعا الخبير كل القطاعات لفتح نقاش داخلي، يتمحور حول أدوات الذكاء الاصطناعي التي يحتاجها القطاع، بما يخدم ويحسن كفاءة الأنظمة المعلوماتية، مشددا من جهة أخرى على انه “يحب ان تحدد الجوانب القانونية والتنظيمية، التي ترسم حدود هذا الاستخدام”.
تمكين الشباب… وتحفيز ريادة الأعمال التكنولوجية
في طريقها لتحقيق ذات الهدف، أطلقت الدولة سلسلة من المبادرات الاستراتيجية، كان أبرزها تأسيس ثلاث جامعات متخصصة في الذكاء الاصطناعي، الروبوت، والرياضيات، إلى جانب إنشاء اللجنة الوطنية للذكاء الاصطناعي التي أطلقت بدورها استراتيجية وطنية تهدف إلى تطوير البحث، الابتكار، والبنية التحتية التكنولوجية، والتي تُعدّ خطوة غير مسبوقة على المستوى المغاربي، فضلا عن إنشاء مراكز “Scale Centers”، للتكوين المجاني في مجالات الأمن السيبراني، الحوسبة السحابية، وتحليل البيانات، وذلك لفائدة آلاف الشباب، خصوصًا من غير الملتحقين بالجامعة.
كما تم إطلاق صندوق استثماري بقيمة 1.5 مليار دينار لدعم الشركات الناشئة في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، بالإضافة إلى صندوق الشركات الناشئة الجزائري وحاضنة “الجزائر فنتشر”، اللذان يقدمان دعما ماليا يصل إلى 1.2 مليار دينار لكل ولاية، ويدعمان أكثر من 2000 شركة ناشئة معتمدة.
بهذا الخصوص، ثمن الأستاذ ملعب عبد الكريم هذه المبادرات، مؤكدا أن الانطلاقة الحقيقية لأي مسار وطني في الذكاء الاصطناعي تمر عبر منظومة التعليم، حيث يتطلب تكوين جيل من المهندسين والمبتكرين في هذا المجال يتمتعون بقاعدة علمية أكاديمية متينة، خصوصا في المواد العلمية الدقيقة كالرياضيات، الفيزياء، والبرمجة مشيرا الى أن “مناهج التعليم الحالية تحتاج إلى تحديث لتتلاءم مع متطلبات العصر الرقمي”.
وفي حديثه عن التحديات التقنية التي تواجه تطوير هذا المجال في البلاد، أشار ذات المتحدث أنه لا تزال التخصصات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والروبوتيك قليلة وغير كافية لتغطية الطلب المتزايد في السوق، ويضاف إلى ذلك نقص في الكوادر المؤهلة لتدريس هذه التخصصات، وهو ما يستدعي الاستثمار في التكوين المستمر للأساتذة، سواء عبر بعثات تدريبية في الخارج أو من خلال الدورات الرقمية المفتوحة التي تتيحها الجامعات والمنصات العالمية.
ورغم هذه التحديات، إلا أن الجزائر يمكنها أن تجعل من الذكاء الاصطناعي رافعة تنموية قوية، بفضل الطاقات الشبابية المؤهلة، والمؤكد أن النجاح الحقيقي لهذا المسار يقاس على الاستفادة من هذا التحول في الحياة اليومية للمواطن، وذلك بالموازاة مع حماية بياناته الشخصية.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال