تحت الرعاية السامية لوزير الصحة، الدكتور محمد الصديق آيت مسعودان، نظمت المؤسسة الجزائرية لصناعة الغد، امس السبت ،بالمقرّ المركزي للمعهد الوطني للصحة العمومية بالجزائر العاصمة، أشغال الندوة العلمية الشهرية الكبرى لليقظة الصحية.
وبالمناسبة، أوضح رئيس المؤسسة الجزائرية صناعة الغد الدكتور بشير مصيطفى في المداخلة المعنونة بـ: المفارقة الصحية التي يشهدها المجتمع الجزائري خلال الشهر الفضيل، الذي من المفروض أن يكون فيه الصيام فرصة للاستشفاء الجسدي والروحي لكن بحكم العادات الغذائية الصحية بات من أكثر الفترات التي تعرف ضغطا متزايدا على مصالح الاستعجالات وارتفاعا في بعض المؤشرات المرضية.
مشيرا في ذلك الى انعكاسات هذه الظاهرة التي جعلت من الاستعجالات الاستشفائية مزدحمة في شهر رمضان مع تسجيل تزايد حالات الإصابة بأمراض القولون والمعدة، إضافة إلى اختلالات السكري وارتفاع ضغط الدم.
وفي ذلك قال مصيطفى” هذه الوضعية تمثل مشكلة حقيقية ، لأن الصيام في جوهره يفترض أن يساهم في تطهير الجسم لا في إرهاقه.
وفي هذا الشأن أكد أن معظم المشاكل الصحية المرتبطة بالصيام تعود إلى نمط الاستهلاك الغذائي، خاصة الإفراط في تحضير الأطباق الدسمة والحلويات والعجائن فور حلول الشهر الفضيل.
تبعا لذلك، نبّه رئيس المؤسسة الجزائرية صناعة الغد إلى خطورة إصرار بعض المرضى الذين يُنصحون طبيا بعدم الصيام على خوض التجربة دون متابعة دقيقة، ما يفاقم وضعهم الصحي ويضاعف الضغط على المؤسسات الاستشفائية.
وفي سياق مواز عرج مصيطفى في منحى حديثه عن منظومات اليقظة، إلى أن المؤسسة تتبنى نحو عشرين منظومة يقظة، جرى تفعيل عدد منها، على غرار اليقظة التجارية بالتنسيق مع وزارة التجارة، واليقظة المدنية لحماية المواطنين، ويقظة قانون المرور، إضافة إلى يقظة الطفل تحت إشراف الهيئة المختصة.
وعلى ضوء ذلك أعلن عن التنصيب الرسمي لخلية “اليقظة الصحية”، التي تجسد الايمان الراسخ بأن المجتمع الصحي هو مجتمع قادر على التقدم والإنجاز، في حين أن المجتمع المريض يعجز عن تحقيق أهدافه التنموية.
وختم مداخلته بالدعوة إلى الاطلاع على مطويات وكتاب صناعة الغد، الذي يشرح آليات تحويل الفكرة إلى مشروع واقعي، والمتوفر باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية.
اليقظة الصحية… ثقافة مؤسساتية ومسؤولية جماعية
من جهته، أكد البروفيسور بوعمرة عبد الرزاق، المدير العام لـلمعهد الوطني للصحة العمومية، أن انعقاد هذه الندوة في أجواء شهر رمضان يمنحها بعدا قيميا خاصا، حيث تتقاطع مبادئ الانضباط والتضامن وتعزيز المسؤولية الجماعية مع أسس نظام اليقظة الصحية.
موضحا أن اليقظة ليست مجرد آلية تقنية للرصد، بل هي ثقافة مؤسساتية متكاملة تقوم على الاستباق والدقة وسرعة الاستجابة لحماية صحة المواطن وصون الأمن الصحي القومي.
وفي حديثه عن التحديات الصحية العالمية الراهنة، على غرار التغيرات المناخية وانتقال الأمراض عبر الحدود فضلا عن تجربة جائحة كوفيد 19 شدد على ضرورة تعزيز منظومة الإنذار المبكر، وتطوير أدوات التحليل الوبائي، وتكريس مبدأ العمل المشترك بين مختلف القطاعات لتسريع الاستجابة الميدانية.
كما أشار إلى خصوصية شهر رمضان من حيث العادات الغذائية والسلوكية، ما يستدعي يقظة استثنائية في مجالات الوقاية من الأمراض المزمنة وتسييرها، وضمان السلامة الغذائية، ورفع جاهزية مصالح الاستعجالات.
الصيام ودوره في محاربة الاخطار الاجتماعية
بدوره تطرق البروفيسور رشيد بلحاج رئيس مصلحة الطب الشعري بمستشفى مصطفى باشا الجامعي، للمعطيات الميدانية التي تم استقاؤها من مصلحة الاستعجالات الطبية والجراحية، في إطار تحديد الاخطار الاجتماعية في شهر رمضان، والتي تكشف عن تصاعد حدة العنف الجسدي والإصابات، إذ تسجل يوميا ما بين 12 إلى 14 حالة اعتداء جسدي بليغ على مستوى الوجه والفكين.
كما تم رصد في مصلحة جراحة العظام إصابات خطيرة نتج عنها بتر للأصابع وعاهات مستديمة، وهي ظواهر باتت تتكرر سنويا وتحتاج إلى تحليل اجتماعي عميق، لاسيما في فترة الصيام.
منوها بأن الجرائم الكبرى مثل القتل أو الانتحار تشهد انخفاضا ملحوظا خلال الشهر الفضيل، لكنها تُستبدل بـ الاعتداءات اليومية والجنح.
ولفت البروفيسور بلحاج، من خلال ما عرضه الى ان ثقافة التكفل؛ سواء بالنسبة لضحايا العنف الذين يحتاجون رعاية نفسية، أو حتى بالنسبة للجناة الذين يعانون من اضطرابات سلوكية واضحة خلال الصيام. يؤثر بشكل كبير على مؤسساتنا الاستعجالية التي تظل في الواجهة لمواجهة هذه التحولات السلوكية المعقدة.
وفي ختام الأشغال، تم تكريم البروفيسور مرزاق غرناوط رئيس جامعة العلوم الصحية بالجزائر ورئيس الجمعية العربية للأمراض التنفسية، وذلك كشخصة وطنية لسنة2025/2026.
الجذير بالذكر ان الندوة شكلت محطة تقييمية هامة لإثراء النقاش بمقترحات عملية تسهم في رسم خارطة طريق لتطوير نظام اليقظة الصحية في الجزائر، بما يعزز جاهزية المنظومة الوطنية أمام مختلف التحديات الصحية.
شيماء منصور بوناب

























مناقشة حول هذا المقال