- الشباب يريد نتائج ملموسة وشفافية أكبر وفرصاً أوسع للمشاركة في صناعة القرار
- كل تجربة مشاركة إيجابية تزرع لدى الفرد الإحساس بأنه قادر على التأثير في محيطه
تتجه الأنظار مع اقتراب تشريعيات 2 جويلية إلى محطة سياسية بارزة، باعتبارها موعداً حاسماً لإعادة تشكيل المشهد البرلماني وتجديد هياكله وفق تطلعات الناخبين.
ويكتسي هذ العرس الانتخابي أهمية خاصة كونه يمثل إحدى أبرز آليات التعبير الديمقراطي، وفرصة لاختيار ممثلين جدد قادرين على نقل انشغالات المواطنين والمساهمة في صياغة السياسات العامة للبلاد.
كما تُعد هذه الاستحقاقات اختباراً لمدى نضج الممارسة السياسية، وحجم الثقة بين المواطن والمؤسسات، في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية متسارعة وتغيرات تفرض نفسها على الساحة الوطنية.
هذا وتعد المشاركة في الانتخابات إحدى الركائز الأساسية للحياة الديمقراطية. وفي هذا السياق، يسلط الباحث والمحلل السياسي رائد ناجي الضوء على العوامل التي تدفع بعض المواطنين إلى الابتعاد عن صناديق الاقتراع.
حيث أكد رائد ناجي أن العزوف الانتخابي ظاهرة مركبة لا يمكن تفسيرها بسبب واحد، موضحاً أن فقدان الثقة في النخب السياسية والمؤسسات المنتخبة يمثل أحد أهم الأسباب، خاصة عندما يشعر المواطن أن صوته لا ينعكس بصورة ملموسة على تحسين ظروفه المعيشية أو على جودة الخدمات العمومية.
وأضاف أن المسألة لا تتوقف عند حدود الثقة فقط، إذ توجد عوامل اجتماعية واقتصادية لا تقل تأثيراً، فالبطالة والهشاشة الاجتماعية وصعوبات الحياة اليومية قد تدفع بعض الأفراد إلى الاعتقاد بأن الانشغال بالسياسة ترف لا يغير من واقعهم شيئاً، كما أن ضعف الثقافة السياسية وغياب التواصل المستمر بين المنتخبين والمواطنين يوسعان دائرة اللامبالاة ويعززان الشعور بعدم الجدوى.
وفي حديثه عن الفئات الأكثر عزوفاً عن التصويت، أوضح ناجي أن التجارب الانتخابية في كثير من الدول تشير إلى أن الشباب يمثلون الفئة الأكثر ميلاً للعزوف، خاصة فئة الشباب الجامعي أو الباحث عن العمل، ويرجع ذلك إلى شعور بعضهم بأن المؤسسات السياسية لا تعبر عن اهتماماتهم الحقيقية، أو أن الخطاب السياسي التقليدي لا يواكب تطلعاتهم.
وأضاف أن نسب عزوف مرتفعة تظهر كذلك لدى بعض الفئات الهشة اجتماعياً واقتصادياً، والتي تنظر إلى الانتخابات من زاوية النتائج المباشرة على حياتها اليومية، فإذا غابت القناعة بوجود أثر حقيقي للمشاركة تراجعت الرغبة في التصويت، وفي المقابل، تميل الفئات الأكبر سناً إلى المشاركة أكثر بحكم تراكم الخبرة السياسية والشعور بأهمية الاستقرار المؤسساتي.
الشباب لا يعيش القطيعة مع الشأن العام
وحول نظرة الشباب الجزائري إلى العمل السياسي والانتخابات، أكد الباحث والمحلل السياسي أن الشباب الجزائري اليوم لا يعيش القطيعة مع الشأن العام كما يُشاع أحياناً، لكنه يعيش تحولاً في طريقة الاهتمام به. فالكثير من الشباب يتابع القضايا الوطنية ويناقش السياسات العامة ويعبر عن آرائه بصورة مستمرة عبر الفضاء الرقمي.
وأضاف أن جزءاً من هذا الجيل ينظر إلى السياسة التقليدية بعين نقدية، ويرى أن الأحزاب والمؤسسات مطالبة بتجديد خطابها وآليات عملها، مشيراً إلى أن المشكلة ليست في غياب الاهتمام بالسياسة، بل في اختلاف تصورات الشباب حول كيفية ممارستها. فالشباب يريد نتائج ملموسة وشفافية أكبر وفرصاً أوسع للمشاركة في صناعة القرار، لا مجرد حضور رمزي داخل المشهد السياسي.
وعن العوامل التي تدفع الشباب إلى المشاركة أو المقاطعة، أوضح ناجي أن المشاركة ترتفع عندما يشعر الشاب بأن صوته يمكن أن يحدث فرقاً حقيقياً، وأن المرشحين يتحدثون عن قضاياه الفعلية مثل التشغيل والسكن والتعليم والابتكار وريادة الأعمال.
أما المقاطعة فتزداد عندما تسود قناعة بأن النتائج محسومة مسبقاً، أو عندما يغيب التجديد في الخطاب السياسي، أو عندما يشعر الشباب بأن الفاعلين السياسيين لا يفهمون انشغالاتهم اليومية، وأضاف أن الشباب لا يقاطع السياسة بقدر ما يقاطع الأنماط السياسية التي لا تمنحه الإحساس بالتأثير والفاعلية.
وسائل التواصل الاجتماعي ساحة سياسية موازية
وفيما يتعلق بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، يرى رائد ناجي أنها أصبحت إلى حد بعيد أكثر تأثيراً من الحملات الانتخابية التقليدية، بعدما تحولت إلى ساحة سياسية موازية، بل وأحياناً إلى الساحة الأكثر تأثيراً خاصة لدى فئة الشباب.
وأوضح أنه في الماضي كانت التجمعات الشعبية والملصقات واللقاءات المباشرة هي الوسائل الأساسية للتأثير في الناخبين، أما اليوم فإن فيديو قصيراً أو منشوراً واسع الانتشار قد يصل إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات قليلة.
غير أن هذه القوة تحمل جانبين؛ جانباً إيجابياً يتمثل في توسيع الوصول إلى المعلومات وتعزيز النقاش العام، وجانباً سلبياً يتمثل في انتشار الإشاعات والمعلومات غير الدقيقة والاستقطاب الحاد، ما يجعل المعركة الانتخابية الحديثة معركة على كسب العقول داخل الفضاء الرقمي بقدر ما هي معركة داخل الميدان.
وأكد ناجي أن المشاركة الانتخابية تعد أحد أهم مؤشرات الوعي المدني، لكنها ليست المؤشر الوحيد، فالمواطن الواعي هو الذي يدرك حقوقه وواجباته ويتابع الشأن العام ويمارس الرقابة المجتمعية ويسهم في النقاش العمومي.
وأضاف أن ارتفاع نسب المشاركة يعكس عادة شعوراً عاماً بالانتماء والمسؤولية الجماعية، ويؤكد أن المواطنين يعتبرون أنفسهم جزءاً من عملية صناعة القرار، بينما قد يكون العزوف الواسع مؤشراً على وجود أزمة ثقة أو ضعف في الاندماج السياسي، ما يستدعي قراءة أعمق للأسباب الكامنة وراءه.
وفي سياق حديثه عن تعزيز ثقافة المواطنة لدى الأجيال الجديدة، أوضح أن ذلك يبدأ من تحويلها من شعارات نظرية إلى ممارسات يومية، فالمواطنة ليست مجرد معرفة بالنصوص القانونية، بل هي شعور بالانتماء والمسؤولية تجاه المجتمع والدولة.
وأشار إلى أن هذا الهدف يتحقق عبر تشجيع الشباب على المشاركة في المبادرات التطوعية والأنشطة الثقافية والعمل الجمعوي والحوارات العامة، لأن كل تجربة مشاركة إيجابية تزرع لدى الفرد الإحساس بأنه قادر على التأثير في محيطه.
كما شدد على أن ربط الحقوق بالواجبات وإبراز أهمية المشاركة في بناء المؤسسات يسهم في تكوين مواطن أكثر وعياً وأكثر استعداداً للانخراط في الحياة العامة.
وعن دور الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني في ترسيخ السلوك الانتخابي، أكد الباحث والمحلل السياسي أن الأسرة هي المدرسة السياسية الأولى، فمن داخلها يتعلم الفرد قيم الحوار واحترام الرأي الآخر وتحمل المسؤولية، وعندما ينشأ الطفل في بيئة تشجع النقاش والمشاركة يصبح أكثر استعداداً للانخراط في الشأن العام مستقبلاً.
بناء ثقافة انتخابية راسخة عملية تربوية واجتماعية
وأضاف أن المدرسة تمثل الفضاء الذي يحول هذه القيم إلى معرفة وممارسة، فمن خلال التربية المدنية والأنشطة الطلابية والمحاكاة الديمقراطية يتعرف التلميذ على معنى المؤسسات والانتخابات والمشاركة.
أما المجتمع المدني، فيكمل هذا الدور عبر الجمعيات والمنظمات والنوادي التي تتيح للأفراد فرصاً عملية للمشاركة والتطوع وخدمة الصالح العام.
وفي ختام حديثه، شدد رائد ناجي على أن بناء ثقافة انتخابية راسخة لا يتحقق عشية موعد الاقتراع، بل هو عملية تربوية واجتماعية طويلة تبدأ داخل الأسرة وتتعمق في المدرسة وتترسخ في المجتمع. وعندما تتكامل هذه الأدوار، تتحول المشاركة الانتخابية من سلوك موسمي إلى ثقافة مواطنة دائمة تعكس نضج المجتمع وحيوية مؤسساته.
تبقى تشريعيات جويلية محطة مفصلية في مسار الحياة السياسية، لا تقاس أهميتها فقط بنسبة المشاركة أو النتائج النهائية، بل بمدى قدرتها على إحداث تجديد حقيقي في النخب وتعزيز الثقة بين المواطن وصنّاع القرار، وبين رهانات التغيير وتحديات الواقع، يبقى “العرس الانتخابي” فرصة لإعادة بعث الحيوية في المشهد السياسي وترسيخ ثقافة المشاركة باعتبارها أساس بناء مؤسسات قوية وتمثيل ديمقراطي فعّال يعكس تطلعات المجتمع.
حاورته بوزيان بلقيس























مناقشة حول هذا المقال