عرض وزير العدل حافظ الأختام، لطفي بوجمعة، يوم أمس مشروع القانون الأساسي للقضاء أمام نواب البرلمان، مؤكداً أن النص الجديد يندرج في إطار الرؤية الدستورية المستحدثة التي جاء بها دستور 2020، والذي منح السلطة القضائية مكانة متميزة ومختصة، وكرّس مبادئ استقلاليتها وفاعليتها.
وشدد الوزير على أن القانون الأساسي الحالي، الصادر سنة 2004، قد صيغ في سياق مختلف، وتحديداً ضمن منظومة دستور 1996، وبالتالي أصبح غير متلائم مع المستجدات القانونية والمؤسساتية والسياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال العقود الأخيرة.
وأشار الوزير إلى أنّ النصوص العضوية التي صدرت خلال السنوات الماضية أسست لمرحلة جديدة من عمل السلطة القضائية، قائمة على التخصص والنجاعة، وهذا ما يؤكد الحاجة إلى قانون أساسي للقضاء قادر على مواكبة هذه التحولات، وضمان انسجام المنظومة القضائية برمتها.
وأوضح بوجمعة أن مشروع القانون، المتضمن 110 مواد، يهدف إلى تعزيز احترافية القاضي، وتحسين سير العدالة، وتكريس الاستقلال المؤسساتي للمجلس الأعلى للقضاء.
صلاحيات جديدة للمجلس الأعلى للقضاء وتوسيع ضمانات القضاة
ووفق عرض الوزير، يقترح المشروع منح المكتب الدائم للمجلس الأعلى للقضاء صلاحية توزيع القضاة الجدد عبر الجهات القضائية، بالتنسيق مع وزارة العدل، التي تتولى تحديد الاحتياجات الفعلية لكل جهة.
كما ينص المشروع -حسب الوزير- على مصادقة المجلس الأعلى للقضاء على برامج التكوين المستمر والمتخصص، التي تعدّها وزارة العدل، باعتبار أن تطوير القدرات المهنية للقضاة يمثل ركيزة أساسية لتحسين جودة الأحكام وتسريع وتيرة الفصل في القضايا.
ويمنح المشروع المجلس الأعلى للقضاء صلاحيات جديدة تتعلق بإصدار التراخيص المتعلقة بمختلف المهام والنشاطات المهنية للقضاة، فضلاً عن اتخاذ الإجراءات اللازمة في حال تعرض القاضي لاعتداءات أو تهديدات أثناء أداء مهامه.
كما يشدد النص على منع انتماء القاضي لأي حزب سياسي أو ممارسة أي نشاط سياسي أو انتخابي، إضافة إلى منع ممارسة أي نشاط ربحي خارج مهنة القضاء، باستثناء التعليم والتكوين بعد الحصول على ترخيص مسبق.
وفي الجوانب التأديبية، أبرز الوزير أن المشروع يتضمن تحديداً دقيقاً لضمانات القاضي، عبر ضبط إجراءات المتابعة التأديبية، وبيان الأخطاء المهنية الجسيمة التي تؤدي إلى العزل، وتحويل صلاحية توقيف القاضي إلى المجلس الأعلى للقضاء، بما يعزز الفصل بين سلطات المتابعة والفصل.
كما يمنح المشروع المفتشية العامة لوزارة العدل صلاحية مباشرة الدعوى التأديبية باسم وزير العدل، مع الحفاظ على ضمانات الدفاع في كل مراحل المسار التأديبي.
أما فيما يتعلق بالتقاعد، فيرسخ المشروع استفادة القضاة من نظام التقاعد الخاص بالوظائف العليا للدولة، مع إمكانية تمديد الخدمة إلى 70 سنة بالنسبة لقضاة المحكمة العليا ومجلس الدولة، و65 سنة بالنسبة لباقي القضاة، إضافة إلى إمكانية الاستفادة من خبراتهم بعد التقاعد عبر التعاقد.
لجنة الشؤون القانونية تشرع في دراسة المشروع وتفتح باب الاستشارة الموسعة
وفي سياق موازٍ لعرض الوزير، شرعت لجنة الشؤون القانونية والإدارية والحريات بالمجلس الشعبي الوطني في دراسة مشروع القانون العضوي المتضمن القانون الأساسي للقضاء، باعتباره إحدى أهم المحطات التشريعية في مسار إصلاح العدالة.
وفي إطار توسيع دائرة الاستشارة، استمعت اللجنة إلى ممثلين عن المحكمة العليا ومجلس الدولة والمجلس الأعلى للقضاء، إضافة إلى النقابة الوطنية للقضاة، الذين ثمنوا هذا النص وقدموا ملاحظات تقنية بناءة، معتبرين أن المشروع يشكل خطوة مهمة نحو تعزيز استقلال القضاء، وحماية حقوق القضاة، وتحسين أداء المرفق القضائي بما يتوافق مع روح دستور 2020.
وقد أفضت المناقشات داخل اللجنة إلى إدراج تعديلات مست خمس مواد من المشروع، فضلاً عن إضافة تأشيرة جديدة متعلقة بالقانون العضوي الخاص باختصاصات محكمة التنازع وتنظيمها وعملها، بما يعزز التناغم التشريعي بين مختلف القوانين ذات الصلة.
وفي ختام النقاش، أجمع النواب المتدخلون على أن مشروع القانون يمثل محطة تشريعية أساسية في مسار إصلاح العدالة، لما يتضمنه من أحكام تعزز استقلالية السلطة القضائية، وتحديث المؤسسات القضائية، وترقية المسار المهني للقضاة، بما ينسجم مع تطلعات المجتمع نحو قضاء أكثر فعالية وشفافية، وتماشياً مع المبادئ التي كرسها دستور 2020.
وأكد المتدخلون على ضرورة تحديد المصطلحات القانونية الواردة في المشروع بأمثلة واقعية، بما يضفي عليها طابع الدقة والوضوح، ويزيل أي لبس محتمل أثناء التطبيق العملي، ضماناً لانسجام النص وسهولة تفسيره من قبل القضاة والفاعلين في المنظومة القضائية.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال