الأطفال في واجهة التداعيات الرقمية والإلكترونية
في الأول من شهر جوان، تحتفل الجزائر باليوم العالمي للطفولة، وهي مناسبة سنوية للتذكير بأهمية الطفولة وحقوق الأطفال، وكذا للتأكيد على دور الأسرة والمجتمع والدولة في حماية هذه الحقوق ورعاية أجيال المستقبل.
لقد بات الاهتمام بالطفل في الوقت الراهن من أهم المعايير التي يقاس بها تقدم المجتمع وتطوره، فرغم المكتسبات الكبيرة التي حققتها الجزائر في مجال حقوق الطفل
إلا أن التداعيات الرقمية و الإلكترونية تشكل انشغالا بالغ الاهمية، لحمايته من آثارها السلبية.
في هذا الإطار تواصلت يومية “عالم الأهداف” مع بعض المختصين في مجال الطفولة للحديث عن هذه التداعيات و التشريعات القانونية الخاصة بحماية الطفولة مع الإشارة إلى حقوق الطفل الغزاوي المنتهكة.
ما تم إنجازه في مسار حقوق الأطفال مهم جداً
رئيس الشبكة الجزائرية للدفاع عن حقوق الاطفال عبد الرحمان عرعار صرح لجريدة “عالم الأهداف” ، أن الاحتفال باليوم العالمي لحقوق الطفل بناءاً على الاتفاقية التي صادقت عليها المجموعة الدولية و لكن للأسف ما يحدث في غزة تم إسقاطها و الهروب منها أمام بشاعة التجويع و القتل و الحصار في أبناءنا في غزة و هي جريمة إنسانية تعاقب عليها كل التشريعات و الاتفاقيات.
وقال عرعار أنه في هذا المشهد نحن نستمر في مساندة أطفال وشعب غزة والقضية الفلسطينية، لكن كل الاتفاقيات مهما حدث لها يجب الدفاع عنها لأن “الحق حق” مهما كان ونستعمل هذه الآليات و الاتفاقيات ضد الاحتلال الإسرائيلي و كل ظالم يمس بالطفولة على غرار الأطفال التي تعاني في مناطق النزاع في افريقيا، فهذه الاتفاقية هي نتاج للإنسانية و ملك لها و لحقوق الأطفال مهما كانت الانتهاكات من الظالمين.
بالنسبة للجزائر، أوضح ذات المتحدث أن موقفها واضح لهذا استثمرت كثيراً في التشريع الوطني بداية من الدستور الذي تم تعديله سنة 2020 وجعل من مسرح الأطفال قضية دستورية، ثم جهة تكييف التشريعات مؤخرا مس قانون العقوبات و التأمينات و قبلها تم إصدار قانون حماية الأشخاص من الاختطاف بما فيهم القصر و الوقاية من الإتجار بالبشر بقانون يعزز موقف الجزائر من خلال الاتفاقية الدولية إلى الآليات التي وضعتها الدولة فيما يخص الاستماع و التبليغ و المرافقة لكل الأطفال الذين يعانون في صمت.
أما بالنسبة للتحديات التي تصادف الطفل اليوم بالنظر لتداعيات الرقمنة و التكنولوجيا، اعتبر عرعار أن ما تم إنجازه مهم جداً في مسار حقوق الأطفال و لكن أول تحدي يواجه المجتمع الجزائري هو مسألة العنف، فأكثر من 16 ألف ضحية و مرتكب للعنف من القصر هو رقم كبير، و الانتهاكات تعرف ارتفاعا للأسف داخل الأسرة، لاسيما مسألة التسول و الاستغلال الاقتصادي للأطفال في السوق الموازية و التسرب المدرسي و المخدرات و العنف العائلي للأطفال، بالإضافة إلى مسألة المولودين خارج إطار الزواج الذين يعانون من مشاكل إدارية و إجراءات ثقيلة.
مضيفاً في ذات السياق أن كلها مسائل يجب تكاثف الجهود للتغلب عليها و فتح النقاش و إعطاء الأجوبة للحفاظ على ما هو منجز من آليات و قوانين و برامج، و نواجه هذه التحديات للمضي إلى رؤية شاملة في المستقبل تجمع الجميع و تحقق بها المصلحة الفضلى للأطفال.
الإدمان الرقمي… دعوة لوقاية شاملة ودعم نفسي
أهمية الوعي العاطفي والحوار في تربية أطفال اليوم
من جهتها، أكدت الأستاذة في علم الاجتماع، ريم نواري، أنه حسب هيئة الأمم المتحدة و اتفاقية سنة 1989، كانت هناك مجموعة حقوق حددت لحماية الطفل كالحق في التعليم و الهوية و التربية و الحق في بيئة سليمة و الأمن و عدم التمييز و غيرها من الحقوق التي وضعت للطفل من الناحية التشريعية و الاجتماعية و الثقافية، لكن فيما يحدث اليوم، وحسب تجليات و متطلبات اجتماعية، قد تأخذ هذه الحقوق بعدا جديدا نوعا ما، و هو البعد السيكولوجي في الحماية.
اليوم “تضيف محدثتنا” قد يكون الطفل متوفرا على كل هذه الحقوق من أسرة و تعليم و غيرها، لكن قد يتعرض لنوع من الهتك النفسي بمجرد أن ينشأ في أسرة غير واعية و مسؤولة و لا تراقبه من الناحية الأمنية في علاقاته مع الهاتف الذكي و مواقع التواصل الاجتماعي و غيرها من الشاشات.
و في هذا الشأن، تؤكد نواري على أن الطفل اليوم يتعرض إلى نوع من التهديد الخطير الذي قد ينشأ من إهمال الأبوين، خاصة في المجتمعات التي يعمل فيها الوالدان، ما قد يؤدي إلى الإهمال بسبب العمل الخارجي و الذي يحدث تأثيرات خطيرة سواء في الجانبين،: العاطفي والأمني للأطفال.
كما نوهت ذات المختصة، إلى أن الطفل يملأ أوقات فراغه في لعب الألعاب أو عن طريق التطبيقات الموجودة اليوم على غرار : تيكتوك إنستغرام،وغيرها..، ويسعى من خلال ذلك للبحث عن الإجابة لأن لديه الوسائل السهلة عبر الإنترنت و هذا ما يشكل خطورة كبيرة على تفكيره، وصحته النفسية والجسدية.
العاطفة و الوعي الأسري و الحوار … حقوق وجب التركيز عليها
و عن الحقوق التي يجب التركيز عليها، أشارت محدثتنا إلى العاطفة و الوعي الأسري و التوافق والحق في الحوار، وأضافت :”اليوم نقول أن الحق الذي يجب أن يتمتع به الطفل هو الحق في الوعي و الحوار و الإشباع العاطفي لأنه يتميز بالفطنة و الذكاء و الفضول”.
من جهة أخرى أيضاً، أفادت الأستاذة نواري إلى أن الحرمان قد يؤدي إلى عدم التوازن النفسي و الاجتماعي للطفل، خاصة في مرحلة التنشئة الاجتماعية، لهذا “نطالب الوالدين بالاهتمام و الوعي و الصبر مع أبنائهم لإشباع حاجاتهم، و الأمر غير المقبول في المجتمع أنه لا يعطي قيمة للطفل، بحيث أنه دائما يراه صغيرا و نحن من نتحكم فيه، و هذا الخطأ الذي يقع في معظم العائلات الجزائرية رغم أن الطفل يحتاج إلى الإستماع و الحديث و الطريقة المميزة التي تتماشى مع الأبناء اليوم.
و على صعيد آخر، تقول ذات الأستاذة أن ، عدم وجود الأسرة الممتدة، اليوم، يجعل المرأة مضطرة إلى تكثيف مسؤوليتها مع الزوج، و في هذا الشأن قد يؤدي الحرمان إلى بعض الاضطرابات السيكولوجية مثل القلق الحاد و اضطراب الحركة المفرطة و الخوف و العزلة الاجتماعية و غيرها.
أما بخصوص المشكل الذي تتعرض له معظم الأسر، فهو يتمثل في كونهم يعيشون صراعا مع أبنائهم و هذا أمر طبيعي، لأن الجيل السابق كان من السهل التحكم فيه نتيجة سهولة السيطرة على الأطفال و الأسرة الممتدة، بخلاف ماهو الحال عليه اليوم.
كما دعت إلى ضرورة التحلي بالوعي لدى الأسرة و الاهتمام أكثر بالأطفال و فتح مجال الحوار معهم من دون تعجرف بعض الأمهات، اللواتي تواجهن صعوبة في التقارب بينهن و بين الأبناء في تربيتهم و مواجهتهم و شرح الاختلافات و التحديات، مطالبة بتدخل النخبة و القيام بنوع من المحاضرات لفائدة الأمهات بمشاركة علماء النفس و الأرطفونيا لتقديم عمل واسع في إطار الخدمة الاجتماعية.
أما عن التربية السليمة، فقد نهوت إلى أنها تواجه تحديات كبيرة سببها الإهمال و التباعد العاطفي و عدم التوافق الأسري و الإهتمام و انعدام المسؤولية الوالدية اتجاه الابناء، مشيرة إلى أن النداء يوجه للوالدين بغية تحقيق الخدمة الاجتماعية، كما أن هذه المسؤولية تقع على عاتق الجمعيات و الإطارات و المؤسسات التي وضعتها الدولة لتحقيق هذا الأمر و لكنها للأسف لا تقوم بمهمتها على أكمل وجه.
الإدمان الرقمي : تحد جديد يهدد رفاهية أطفالنا ومستقبلهم
المستشارة التربوية نايت مسعود فاطمة تشيد بحقوق الطفل باعتباره رجل المستقبل، و من جانب آخر تواصلت جريدة “عالم الأهداف” مع المستشارة التربوية و الأسرية نايت مسعود فاطمة، و المختصة في تعديل سلوك الطفل و الأسرة، والتي صرحت بأن الجزائر تحتفل باليوم العالمي للطفل للإشادة بحقوقه باعتباره رجل المستقبل، بهدف جعله يتمتع بحقوقه المشروعة التي تضمن له في كل لحظة الحياة الكريمة الخالية من كل خطر يهدده، فمرحلة الطفولة على حسب قولها هي مرحلة مهمة من مراحل العمر الإنساني، ففيها تبنى أسس شخصيته و تنمو قيمه و اتجاهاته و يتعلم فيها مهارات حياتية لينسجم مع مجتمعه و حياته مستقبلاً.
كما استعرضت المستشارة الأسرية وضع الطفل الجزائري اليوم و إن عرف تحسناً بفضل ترسانة من القوانين التي كرستها الدولة لحمايته من كل أشكال الاستغلال بكل انواعه، وقالت في هذا الصدد:” في الميدان نجد واقعا خطيرا لهذا يجب دق ناقوس الخطر على اعتبار أن بعض الأطفال اليوم وقعوا بالإدمان الرقمي و الالكتروني جراء استخدام اللاعقلاني للفضاء الازرق بسبب الساعات الطويلة التي يقضونها أمام الأجهزة اللوحية دون أي حركة جسدية.
يشكل الإدمان الالكتروني “حسب ذات المتحدثة” اليوم ظاهرة متنامية تهدد التوازن النفسي و الاجتماعي و الإنمائي للطفل، فهذا الأخير يجلس أمام هذه الأجهزة مما يعرضه للإدمان الالكتروني، و الملاحظ، أنه كلما زاد عدد ساعات جلوسه أمام هذا الأجهزة، زاد اضطرابه النفسي و الجسدي،
كما أفادت بأن لهذا الإدمان آثار سلبية مع مرور الوقت، على غرار تحفيز العنف والخروج عن سلطة الوالدين و عن ثقافة الطفل المجتمعية، بسبب الأفلام الكرتونية المتشبعة بمظاهر العنف والقسوة، ليجد الطفل نفسه خارج أطره الاجتماعية مما يسبب له أزمات نفسية حادة .
لهذا، اعتبرت المتحدثة أن أغلب أطفال هذا الجيل لديهم انسحاب من العلاقات الاجتماعية الواقعية، واتجاه مباشر للعيش في الواقع الافتراضي، حيث أنهم لا يجيدون الحوار و التواصل و لا الاجتماع، ويتسمون بسلوكيات عدوانية و تقليد لمحتوى عنيف مؤذي لهم و لغيرهم .
ومن بين النتائج أيضا، معظم الأطفال لديهم قصر النظر، ألم في الرقبة و الظهر نتيجة الجلوس الخاطئ أمام الأجهزة و كذا السمنة نتيجة قلة الحركة بالإضافة لتفاقم التنمر الالكتروني الذي يترك آثار عاطفية سلبية لدى الأطفال، ممثلة في عدم القدرة على معالجة مشاكلهم، فهؤلاء فقدوا براءتهم بسبب المحتويات التي تعرض عليهم و التي لا تناسب سنهم .
ومن بين الأسباب التي دفعت الأطفال للبقاء أمام هذه الأجهزة، لفتت المستشارة التربوية إلى غياب الأهل الذين قد يعانون من ضغوطات عديدة اجتماعية، اقتصادية وغيرها..، و انشغالهم و عدم تواجدهم مع الأطفال،إضافة إلى غياب البدائل التربوية في المنزل و عدم توفر بعض المساحات للعب و التفاعل، دون أن ننسى أن التكنولوجيا الرقمية اليوم وضعت ألعاب و تطبيقات مبرمجة لإبقاء الطفل لساعات طويلة مشدودا إليها بغرض مقصود،وهو التحكم في نفسية الطفل من خلال ما تقدمه من تحفيزات و مكافآت رمزية، فينهمك هذا الأخير، و يعيش في هذا الفضاء معزولاً عن عائلته.
كما أشارت المتحدثة إلى أطفال غزة، فأغلبهم تعرضوا لإضطرابات نفسية نتيجة ما يعيشونه من اضطهاد وتشريد وتجويع …،، متسائلة عن مستقبل هؤلاء الأطفال بعد كل هذا !، ناهيك عن المأساة النفسية و الإهانات و حرمانهم من التعليم الذي سيؤثر على تطوير مهاراتهم المستقبلية و سيعرقل طموحاتهم .
نزيهة سعودي

























مناقشة حول هذا المقال