نظمت اليوم السبت، المؤسسة الجزائرية لصناعة الغد، الندوة الوطنية الشهرية الكبرى، تحت عنوان «اليقظة الروحية: الإسلام حامل شروط نهضة المسلمين»، بالمركز الثقافي لجامع الجزائر، في مقاربة استشرافية لسؤال النهضة وشروطها.
وتناولت الندوة موضوع اليقظة الروحية بوصفها مدخلًا لنهضة المسلمين، وطرحت الإسلام باعتباره حاملًا لشروط هذه النهضة، من خلال رؤية استشرافية تنظر إلى الواقع وتستشرف آفاق المستقبل.
وفي كلمته الافتتاحية، دعا رئيس المؤسسة الجزائرية لصناعة الغد، بشير مصيطفى، إلى إعادة النظر في الدور الحضاري للإسلام، من خلال الانتقال من حصره في الممارسات والشعائر الدينية إلى تفعيل دوره في قيادة الحياة والمساهمة في إدارة شؤون المجتمع ومعالجة تحدياته، مؤكدًا أهمية بناء رؤية استشرافية تستجيب للتحولات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها العالم.
وأوضح المتحدث، في كلمة تناولت مستقبل المجتمعات الإسلامية، أن دور الإسلام لا ينبغي أن يظل محصورًا في نطاق ضيق من الممارسات الدينية، بل يتعين أن يمتد إلى مختلف مجالات الحياة، من خلال المساهمة في حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، وتعزيز القيم التي تدعم بناء الإنسان وترسيخ مسؤولية الفرد تجاه مجتمعه.
وفي هذا السياق، تطرق بشير مصيطفى إلى دور الإسلام في صناعة النهضة، مشددًا على أهمية تجاوز الأدوار التقليدية نحو الإسهام الفعلي في توجيه التحولات المجتمعية.
كما تناول المتحدث التحديات التي تواجه العالم الإسلامي في مجالات الثقافة والاقتصاد والتعليم والبحث العلمي، مشيرًا إلى أهمية امتلاك القدرة على استشراف التحولات المستقبلية، بدل الاكتفاء بالتفاعل مع المستجدات بعد وقوعها، خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وإنتاج المعرفة.
وانتظمت، بعد الجلسة الافتتاحية، المداخلات العلمية التي قدمها كل من الدكتور محمد العربي الشايشي، الفقيه وعضو لجنة الفتوى بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، والدكتور سعيد بويزري، المختص في القانون والشريعة وعضو المجلس الإسلامي الأعلى ورئيس لجنة الصلح، والدكتور بشير مصيطفى، رئيس المؤسسة، والأستاذ بوحفص بن الشحم، معتمد أئمة العاصمة والمنتج الإعلامي في مجال الشريعة بإذاعة القرآن الكريم.
ليتم بعدها إطلاق «خلية اليقظة الروحية»، التي شكلت إحدى أبرز محطات هذا الموعد، وهي الخلية العاشرة ضمن سلسلة خلايا اليقظة الاستراتيجية للمؤسسة، والتي جاءت في إطار رؤية استشرافية لرصد التحولات واستباق التحديات، واختزلت المؤسسة فلسفتها في عبارة: «وعيٌ بالتحولات.. واستشرافٌ للنهضة.. وصناعةٌ للمستقبل».
مصيطفى: اليقظة الروحية مشروع لتحويل القيم الإسلامية إلى حلول عملية تخدم المجتمع
وفي تصريح حصري ليومية عالم الأهداف، أكد بشير مصيطفى أن اليقظة الروحية تمثل إحدى منظومات اليقظة التي أطلقتها المؤسسة الجزائرية لصناعة الغد، بهدف نقل الدين الإسلامي من دائرة الشعائر والطقوس إلى مجال الممارسة اليومية، من خلال إدماج قيمه ومبادئه في مختلف مناحي الحياة، بما يسهم في معالجة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والتربوية.
وأوضح المتحدث أن هذه المنظومة تأتي ضمن رؤية استشرافية أوسع تشمل عشرين منظومة لليقظة، من بينها اليقظة الثقافية والتربوية والإعلامية والفنية والرياضية والصحية والمرورية والبيئية والمائية، مشيرًا إلى أن الهدف من اليقظة الروحية يتمثل في تحويل الهدي الإسلامي من الخطاب إلى الميدان، ومن الشعارات إلى الممارسات الفعلية داخل المؤسسات التربوية والصحية والإعلامية والاقتصادية والإدارية، فضلًا عن الأسواق والشركات والبنوك ومنظومة العدالة.
وفي هذا السياق، كشف مصيطفى عن إطلاق خطة طريق استشرافية تمتد إلى غاية سنة 2044، ترمي إلى تجسيد هذا التوجه عبر مجموعة من المنتجات والمبادرات العملية، في مقدمتها إنشاء خلية لليقظة الروحية تضم خبراء في الشريعة الإسلامية، برئاسة الدكتور محمد العربي الشايشي، تتولى التفكير في الآليات الكفيلة بتفعيل القيم الإسلامية في حياة الأفراد والمجتمع، باعتبارها أحد محاور النهضة الحضارية.
وأضاف أن مهام الخلية ستشمل إعداد النشريات الموجهة إلى السلطات العمومية، وإنتاج الكتب والبحوث المتعلقة بالنهوض الديني والهدي الإسلامي والاستشراف الديني، إلى جانب جمع المعطيات والإحصائيات وتحليل المؤشرات المرتبطة بتطور الإسلام في العالم، بما في ذلك واقع البحث العلمي والجامعات ومعدلات القراءة ومختلف التحديات التي تواجه المجتمعات المسلمة.
كما ستعمل الخلية على رصد أبرز الإشكاليات التي تعاني منها هذه المجتمعات، على غرار الفقر والبطالة والأمية والتبعية الاقتصادية وضعف الصناعة والعنف والمخدرات والطلاق، مع البحث عن حلول عملية ومؤشرات قابلة للقياس تسمح بتقييم مدى التقدم في معالجتها.
وشدد مصيطفى على أن الرهان الأساسي يتمثل في الانتقال من تشخيص الاختلالات إلى اقتراح حلول ملموسة، من خلال رفع مستويات القراءة، وتحسين أداء الجامعات، وتعزيز البحث العلمي، ومواجهة الأمية، وتطوير مختلف المؤشرات التي تعكس واقع المجتمعات المسلمة، مؤكدًا أن اليقظة الروحية لا تقتصر على التذكير بالقيم الدينية، بل تسعى إلى تحويلها إلى مشاريع وممارسات ذات أثر ملموس في حياة الناس.
وتندرج هذه المبادرة، حسب ما جاء في التصريح، ضمن مسعى أوسع لربط المرجعية الإسلامية بمتطلبات التنمية والنهضة، عبر توظيف المعارف والخبرات والبيانات في صياغة حلول تستجيب للتحديات الراهنة وتستشرف التحولات المستقبلية.
بوزري: النهوض بالأمة الإسلامية يبدأ ببناء الإنسان وفق المنهج القرآني والنبوي
بدوره، أكد سعيد بوزري ليومية عالم الأهداف أن النهوض بواقع الأمة الإسلامية يبدأ بتشخيص الاختلالات التي تواجهها في مختلف المجالات، والعمل على بناء الإنسان وفق منهج متكامل يستمد أسسه من القرآن الكريم والسيرة النبوية، بما يعزز قدرته على الإسهام في تحقيق النهضة وممارسة دوره في إعمار الأرض.
وأوضح بوزري أن مداخلته خلال الندوة تناولت واقع الأمة الإسلامية وآفاق النهوض بها، مشيرًا إلى أن الأمة التي أراد الله لها الريادة، كما جاء في قوله تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ»، تواجه اليوم جملة من التحديات والاختلالات التي تمس حياتها الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والثقافية، ما يستدعي مراجعة واقعها والبحث عن سبل معالجة هذه المشكلات.
وفي هذا السياق، أبرز المتحدث أهمية الاستفادة من المنهج النبوي في بناء الإنسان، مشيرًا إلى أن السيرة النبوية تقدم نموذجًا عمليًا لتجسيد الوحي في مختلف جوانب الحياة، من خلال بناء الإنسان عقديًا وإيمانيًا، وتربيته أخلاقيًا، وتعزيز دوره الاجتماعي والاقتصادي والعلمي والدعوي.
وأضاف أن بناء الإنسان يمثل أساس تحقيق الاستخلاف في الأرض، باعتباره المسؤول عن إعمارها وفق المنهج الذي جاء به الوحي، مستشهدًا بقوله تعالى في سورة الإسراء: «إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ»، ومؤكدًا أهمية استلهام الهدي القرآني والتطبيق العملي الذي جسدته السيرة النبوية في معالجة تحديات الواقع.
وشدد بوزري على أن تغيير واقع الأمة نحو الأفضل يقتضي البدء بإصلاح الإنسان وتغيير ما بنفسه، من خلال ترسيخ القيم الإيمانية والأخلاقية، وتطوير السلوك الفردي والجماعي، وتحويل المبادئ إلى ممارسات عملية تنعكس على حياة المجتمع، مستحضرًا قوله تعالى في سورة الرعد: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ».
وأشار المتحدث إلى أن النهوض المنشود لا يتحقق بمجرد تشخيص المشكلات، بل يتطلب استثمار المنهج القرآني والنبوي في بناء الإنسان وإصلاح المجتمع، بما يسمح للأمة باستعادة دورها الحضاري والإسهام الفاعل في مختلف مجالات الحياة.
بوزيان بلقيس























مناقشة حول هذا المقال