ناقش المجلس الشعبي الوطني، اليوم الاثنين ، مشروع قانون المرور الجديد، في جلسة خُصصت لعرض النص من قبل وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، السعيد سعيود، والاستماع إلى مداخلات النواب، الذين ثمّنوا في مجملها المقاربة الشاملة التي اعتمدها المشروع، مع تسجيل جملة من الملاحظات والمقترحات الرامية إلى تعزيز فعاليته ميدانيًا وضمان نجاحه في الحد من حوادث المرور.
وأكد وزير الداخلية، خلال عرضه، أن مشروع القانون جاء ثمرة عمل معمق للجنة المختصة، استند إلى الإحصائيات الوطنية وأفضل التجارب الدولية في مجال السلامة والأمن المروري، في ظل الارتفاع المقلق لحوادث الطرق وما تخلفه من خسائر بشرية ومادية جسيمة.
وشدد على أن الدولة تسعى من خلال هذا النص إلى إرساء إطار قانوني متكامل يضمن حق المواطن في التنقل الآمن، تنفيذًا لتعليمات رئيس الجمهورية الرامية إلى تشديد التدابير الكفيلة بحماية الأرواح.
وأوضح سعيود أن مشروع القانون يضع إطارًا صارمًا لتنظيم حركة المرور، عبر حزمة من الإجراءات العملية التي تهدف إلى تحسين سلوك مستعملي الطريق، وتعزيز آليات الوقاية والردع، ومعالجة الأسباب الحقيقية للحوادث، من خلال مقاربة شمولية تشمل الإنسان والمركبة والطريق ومحيطها.
تشديد شروط السياقة وتكريس الرقمنة والرقابة التقنية
وأبرز الوزير أن النص أولى أهمية بالغة لمسألة رخصة السياقة، من خلال تشديد شروط الحصول عليها، ولا سيما فرض شهادة طبية تثبت الأهلية البدنية والعقلية، وإجراء تحاليل للكشف عن تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية، إلى جانب إخضاع السائقين لفحوصات دورية وفجائية.
كما خص المشروع السياقة المهنية بعناية خاصة، عبر إعادة النظر في شروط توظيف السائقين المهنيين، واشتراط شهادة الكفاءة المهنية، واحترام أوقات السياقة والراحة، وتجهيز المركبات بأجهزة قياس السرعة، مع إخضاع السائقين لفحوصات طبية منتظمة، خصوصًا في النقل لمسافات طويلة.
وفي محور الرقابة، أعلن سعيود عن تعزيز الوسائل التقنية لأجهزة الأمن، من خلال الدفع الإلكتروني للغرامات، واعتماد أجهزة كشف تعاطي المخدرات والمهلوسات، ووسائل مراقبة الحمولة والأوزان، بما يسمح بمراقبة أدق لاحترام المقاييس القانونية.
وفي جانب التجريم، أوضح سعيود أن المشروع يصنف الجرائم المرورية، لأول مرة، إلى مخالفات وجنح وجنايات حسب خطورتها، مع تحديد العقوبات المناسبة، وإقرار عقوبات تكميلية، منها تعليق أو سحب رخصة السياقة، ومصادرة المركبة، وإلزام المخالف بمتابعة دورات تكوين في السلامة المرورية.
القانون نقاش حول حق دستوري ونطالب بإلزام الإدارة
من جهته، اعتبر النائب البرلماني محمد مير أن مشروع قانون المرور لا يمثل نقاشًا تقنيًا فقط، بل نقاشًا عميقًا حول حق دستوري أصيل، يتمثل في الحق في الحياة والسلامة، مؤكدا أن الدعم الذي يحظى به وزير الداخلية يعكس اختيارًا دقيقًا من رئيس الجمهورية في إطار إرادة إصلاح حقيقية تستجيب لتطلعات المواطن.
وثمّن مير الإيجابيات التي تضمنها المشروع، خاصة إرساء استراتيجية وطنية ومحلية للأمن المروري، والانتقال من منطق العقوبة إلى منطق الوقاية والاستشارة، واستحداث مجلس وطني للأمن في الطرق ومندوبية وطنية، بما يكرّس تنسيقًا مؤسساتيًا طال انتظاره.
كما أشاد بتشديد العقوبات الواردة في المواد من 42 إلى 48، المتعلقة بالسياقة تحت تأثير الكحول والمخدرات والمناورات الخطيرة، معتبرًا أنها خطوة جدية لحماية الأرواح، إلى جانب توسيع دائرة المسؤولية لتشمل مدارس السياقة ومراكز المراقبة التقنية.
الوقاية والتنسيق شرطا نجاح القانون
وبدورها، أكدت النائبة غمرة فريدة أن مشروع القانون يُعد من أكثر النصوص شمولًا في مجال السلامة المرورية، ما يعكس تحولها إلى هاجس حقيقي للدولة، غير أنها شددت على أن نجاحه مرهون بتكريس الوقاية قبل الردع.
ودعت المتحدثة إلى إخراج بعض التدابير في صيغ عملية مرفقة بأدلة تنظيمية، وتنظيم حملات تحسيسية واسعة بمشاركة المجتمع المدني ووسائل الإعلام، مع توضيح العلاقة الوظيفية بين المجلس الوطني للسلامة المرورية والمندوبية الوطنية والخلية المحلية لتفادي التداخل في الصلاحيات.
وأكدت غمرة فريدة أن تدهور البنية التحتية للطرقات يُعد من أبرز أسباب الحوادث، مطالبة بإشراك قطاع الأشغال العمومية بفعالية، ومعالجة إشكاليات جودة الإنجاز والمتابعة بعد الاستلام، إضافة إلى مراقبة الحمولة الزائدة للشاحنات ورداءة المركبات وقطع الغيار.
كما دعت إلى إنشاء بنك وطني موحد للإحصائيات، لتفادي تضارب الأرقام، معتبرة أن التقييم الدقيق هو المدخل الحقيقي لمعالجة الخسائر التي تتراوح بين 3 و5 بالمائة من الناتج القومي الخام.
وفي ختام مداخلتها، تطرقت النائبة إلى اختناقات مرورية محلية، داعية إلى حلول استعجالية، وإعادة بعث مشاريع نقل كبرى، معتبرة أن تحسين البنية التحتية والنقل ركيزة أساسية لتحقيق السلامة المرورية والتنمية العادلة.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال