في الرابع من أوت من كل عام، تقف الجزائر وقفة فخر واعتزاز لتحتفي باليوم الوطني للجيش الوطني الشعبي، وهو التاريخ الذي يعيد إلى الذاكرة الوطنية لحظة تحول تاريخية: انتقال جيش التحرير الوطني، الذي خاض معركة التحرير المجيدة، إلى الجيش الوطني الشعبي، سليل الثورة المجيدة.
ترسيم هذا اليوم، بقرار من رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، لم يكن مجرد إحياء رمزي، بل هو وفاء لذاكرة وطنية حية، واعتراف بالدور المحوري الذي اضطلعت به المؤسسة العسكرية في رسم معالم الدولة الحديثة، وفي ضمان أمن واستقرار الجزائر عبر مراحلها المفصلية.
من رحم الثورة… ولادة جيش الأمة
تعود الجذور الأولى للجيش الوطني الشعبي إلى الفاتح من نوفمبر 1954، يوم أعلن بيان الثورة الجزائرية عن تأسيس جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني، ليخوض المجاهدون معركة الاستقلال ضد الاستعمار فرنسي.
ومن عمق المجتمع الجزائري، استمد جيش التحرير قوته وإرادته، فخاض حرب تحرير طويلة وشرسة، أذهلت العالم، وأسفرت عن استرجاع السيادة الوطنية بعد كفاح مرير، قدم فيه الجزائريون أرواحهم عربونا للحرية.
وبعد الاستقلال، وتحديدا في الرابع من أوت 1962، تقرر تحوير جيش التحرير الوطني إلى الجيش الوطني الشعبي، إيذانًا بانطلاق مرحلة جديدة في مسيرة الوطن، وكان التحدي آنذاك كبيرًا: بناء دولة مستقلة، وإعادة إعمار بلد خرج مثقلا بالجراح.
تكوّنت النواة الأولى للجيش الوطني الشعبي من حوالي 50 ألف مجاهد وإطار متعلم، نُقلت إليهم شعلة الدفاع عن السيادة الوطنية، والمشاركة في عمليات البناء والتشييد، وتكريس الحضور الفاعل للمؤسسة العسكرية في المجتمع.
مؤسسة ولدت من الشعب ولم تُؤسس بمرسوم
بعكس العديد من جيوش العالم التي نشأت بقرارات إدارية أو قوانين تنظيمية، وُلد الجيش الوطني الشعبي من رحم الثورة والشعب، دون الحاجة إلى مرسوم تأسيسي، وهذه الخصوصية تمنحه طابعًا وطنيا استثنائيا، إذ لم يكن مجرد أداة دفاع، بل امتدادا شعبيًا لقيم التضحية والنضال، وهو ما تجسد لاحقًا في أدواره الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، كما منحته المادة الثامنة من دستور 1963 تلك الصلاحيات تقديرًا لمكانته الجوهرية في بناء الدولة.
وبالوتيرة ذاتها، ظهرت هياكل عسكرية جديدة، أبرزها الدرك الوطني في أوت 1962، ليتم لاحقًا تشييد مؤسسات وهيئات عسكرية وأمنية عززت منظومة الدفاع الوطني.
في كل مرة تجد الجزائر نفسها في مواجهة أزمة أو تهديد، كان الجيش الوطني الشعبي حاضرًا: في محاربة الإرهاب، في تأمين الحدود، في مواجهة الكوارث الطبيعية، في دعم السلم والاستقرار.
وعندما اندلع الحراك الشعبي السلمي، في 2019، أثبت الجيش وعيه السياسي والتاريخي، فكان عنصر توازن وحاميا لإرادة الشعب، وضامنًا للانتقال الدستوري السلمي.
وخلال جائحة كوفيد-19، وكما في مواسم الحرائق المدمّرة، تصدر الجيش واجهة التدخل، مُسخّرا طاقاته ووسائله في سبيل إنقاذ الأرواح ومساندة السكان، ليؤكد مجددا أنه جيش الشعب، لا ينعزل عن معاناته، ولا يتقاعس عن نداء الواجب.
وتحت إشراف رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة، يواصل الجيش الوطني الشعبي التقدم بثبات نحو بناء منظومة دفاعية عصرية، مرتكزة على الكفاءة والاحترافية والتكنولوجيا الدقيقة، دون التفريط في مبادئه وقيمه المستمدة من روح نوفمبر.
ويؤكد الرئيس تبون في كل مناسبة أن “الجيش الوطني الشعبي سلاح دفاعي بامتياز، وُجه دوما لحماية الوطن وسيادته، وللمساهمة في إحلال الأمن والسلم، ضمن احترام الالتزامات الدولية ومبادئ الدستور”.
احتفالات ترسخ الوفاء وتكرّم التضحيات
الاحتفال باليوم الوطني للجيش يتعدى الطابع الرسمي، إذ يشمل تنظيم فعاليات ثقافية ورياضية وتكريمية في كافة النواحي العسكرية، تجسيدًا للوفاء لشهداء الثورة وشهداء الواجب الوطني، وتقديرًا لذوي الحقوق، ومعطوبي العمليات ضد الإرهاب، وكل أفراد الجيش الذين قدموا أرواحهم فداء للوطن.
اليوم، وبعد مرور أكثر من ستة عقود على استقلال الجزائر، يثبت الجيش الوطني الشعبي أنه المؤسسة الوحيدة التي لم تتغير ولاؤها، ولم تنكسر عزيمتها.
في هذا اليوم الوطني، يتجدد العهد بين الجيش والشعب، وتُستحضر ذاكرة الشهداء، وتجدد الجزائر التزامها بالحفاظ على مؤسستها العسكرية قوية، وفية، وحامية.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال