نظم مركز البحث في العلوم الدينية وحوار الحضارات التابع لجامع الجزائر، المجلس العلمي الأول تحت عنوان «الهجرة إلى الحبشة ودلالاتها الحضارية»، وذلك ضمن سلسلة تفاعلية تسعى إلى تقديم قراءات علمية واستشرافية في السيرة النبوية وأبعادها الإنسانية والحضارية.
وأكد عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد المأمون القاسمي الحسني، في كلمة افتتاحية، أن المجلس يفتح مجالا واسعا للتأمل في جملة من القيم التي تجسدها الهجرة إلى الحبشة، وفي مقدمتها العدل والأمان والحوار والتعايش وحفظ الكرامة الإنسانية، مشيرا إلى أن هذا اللقاء يشكل فضاء علميا تتعدد فيه زوايا النظر إلى هذه الحادثة من بعدها الإنساني والحضاري إلى علاقتها بحوار الحضارات وقيم العدالة والتعايش.
وأوضح الشيخ القاسمي أن الإشارة النبوية إلى أرض «يحكمها ملك لا يُظلم عنده أحد» تحمل دلالات عميقة، باعتبار أن اختيار المكان ارتبط بمعيار العدل وقدرة السلطة على حماية الإنسان من الظلم وصون حقه في الأمن على نفسه ودينه، معتبرًا أن هذه الدلالة تمثل إحدى أبرز الرسائل الحضارية التي تحملها الهجرة إلى الحبشة.
كما توقف عند قيمة الأمن الديني التي تجلت في هذه التجربة، مؤكدا أن الإنسان يحتاج إلى فضاء يأمن فيه على عقيدته وكرامته وحياته، وأن المجتمعات تستقيم عندما يكون الاختلاف في الدين والثقافة والانتماء مجالًا للتعارف والتعاون، لا ذريعة للإقصاء والاضطهاد.
وفي السياق ذاته، استحضر عميد جامع الجزائر الحوار الذي جمع الصحابي جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه، بالنجاشي، معتبرا أن هذه الواقعة تقدم نموذجا بارزا للحوار الديني والحضاري، من خلال حضور الاحترام والإنصات والاحتكام إلى العدل، رغم الاختلاف في العقيدة.
وأشار إلى أن تقديم الإسلام أمام النجاشي تم من خلال منظومة القيم التي أحدثتها الرسالة في حياة المسلمين، من عبادة الله وصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار، إلى الابتعاد عن الفواحش والظلم وأكل مال اليتيم، مؤكدًا أن الحضارة تقدم نفسها من خلال القيم التي تنتجها في حياة الإنسان، وأن الحوار ينبغي أن يكون وسيلة للتعريف والفهم وبناء الثقة.
وشدد الشيخ القاسمي على أن الحوار المطلوب اليوم هو الذي يمنح الاختلاف مساحة للفهم ويحول دون تحوله إلى خصومة دائمة، مستحضرًا موقف النجاشي الذي اختار الاستماع إلى المهاجرين والتحقق من قضيتهم، رغم الضغوط التي مارستها قريش من أجل تسليمهم إليها، قبل أن يحكم بما ظهر له من الحق.
وأضاف أن السيرة النبوية، حين تُقرأ قراءة حضارية، تقدم إجابات عن أسئلة لا تزال مطروحة في عصرنا، لاسيما كيفية حماية المستضعفين، ومنح الاختلاف مجالًا للحوار، وجعل العدل أساسًا للأمن، وتحويل القيم الدينية إلى سلوك اجتماعي وحضاري.
وفي إسقاط على التجربة التاريخية الجزائرية، أوضح عميد جامع الجزائر أن الهجرة إلى الحبشة كانت استجابة لمرحلة من الاضطهاد، وكان اختيارها مرتبطًا بالعدل والأمان، فيما شكلت الثورة الجزائرية، في سياق تاريخي مغاير، تعبيرًا عن إرادة شعب في استعادة حريته وسيادته وكرامته، مؤكدًا أن الإنسان ظل حاضرًا في قلب التجربتين، رغم اختلاف السياقات والمقامات والوسائل.
وأكد الشيخ القاسمي أن الجزائر، وهي تستحضر تاريخها الوطني وتستعيد في الوقت ذاته أنوار السيرة النبوية، تملك فرصة لبناء خطاب حضاري يجمع بين قوة الانتماء الوطني واتساع الأفق الإنساني، مبرزًا أن جامع الجزائر، بما يجمعه من عبادة وعلم وتراث ومعرفة وأصالة وانفتاح، مدعو إلى جعل السيرة النبوية مصدرًا لإنتاج الوعي، والذاكرة الوطنية أساسًا لترسيخ الوفاء، والحوار وسيلة لبناء جسور التفاهم بين الشعوب والحضارات.
كما دعا إلى إعادة قراءة السيرة النبوية في ضوء أسئلة الإنسان المعاصر، وإبراز ما تختزنه من إمكانات للحوار والسلام والتعايش، ونقل هذه المعاني من مجال الخطاب إلى مجالات المعرفة والتربية والممارسة، خاصة في ظل اتساع دوائر سوء الفهم بين الثقافات والحضارات.
وعرفت أشغال المجلس العلمي تقديم مجموعة من المداخلات الأكاديمية، حيث تناول الأستاذ الدكتور عبد الرحمن طيبي موضوع «الهجرة إلى الحبشة.. قراءة في البعد الإنساني والحضاري»، فيما تطرق الدكتور بلال أودني إلى موضوع «من الهجرة إلى الحبشة إلى حوار الحضارات».
كما ركز الأستاذ الدكتور عبد الوهاب العمري على موضوع «الحوار مع النجاشي.. قيم العدالة والتعايش في السيرة النبوية»، بينما تناول الأستاذ الدكتور عبد المجيد خلادي موضوع «الحبشة في السيرة النبوية، كنموذج للأمن الديني والاستقرار الإنساني».
ويأتي تنظيم هذا المجلس العلمي ضمن فعاليات جامع الجزائر في رحاب شهر الأنوار، وفي إطار اهتمام مركز البحث في العلوم الدينية وحوار الحضارات بفتح فضاءات علمية تعيد قراءة السيرة النبوية من منظور إنساني وحضاري، وربط مضامينها بالقضايا المعاصرة ذات الصلة بالحوار والتعايش والأمن والاستقرار.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال