دعا أعضاء مجلس الأمة، اليوم الثلاثاء، خلال مناقشة مشروع القانون المعدل والمتمم لقانون العقوبات، إلى تعزيز الردع الجزائي في مواجهة الجرائم الخطيرة، لاسيما جرائم إحراق الغابات واختطاف الأطفال والاتجار بالمخدرات، مع التشديد على ضرورة التدرج في العقوبة، ودقة النصوص، وتوفير أعلى ضمانات المحاكمة العادلة.
وتأتي هذه المداخلات في أعقاب عرض وزير العدل حافظ الأختام، لطفي بوجمعة، لمشروع القانون الذي يقترح، في حالات محددة، عقوبة الإعدام في جرائم الحرائق العمدية وبعض حالات اختطاف الأطفال، إلى جانب حرمان مرتكبي بعض هذه الأفعال من الاستفادة من الظروف المخففة، في جلسة علنية ترأسها رئيس مجلس الأمة، عزوز ناصري، وبحضور وزيرة العلاقات مع البرلمان، نجيبة جيلالي.
وأكد الوزير أن المشروع يقترح عقوبة الإعدام في حالات محددة لمرتكبي جرائم إضرام الحرائق عمدا، خاصة عندما تكون مرتبطة بالخيانة أو التخابر مع جهة أجنبية أو تستهدف الأمن والنظام العام والوحدة الوطنية والاقتصاد الوطني والبيئة.
كما يقترح الإعدام في حالات اختطاف الأطفال المقترن بالتعذيب أو الاعتداء الجنسي أو التنكيل، إلى جانب حرمان المدانين بهذه الجرائم من الاستفادة من الظروف المخففة، مؤكدا أن هذه الأحكام ترمي إلى تعزيز الردع وحماية الأشخاص والممتلكات والأطفال.
الإعدام أقصى صور الردع وليس احتفاء بالموت
وخلال المناقشة، أكد عضو مجلس الأمة، ساحلي محمد أمين، أن عقوبة الإعدام لا ينبغي أن تفهم باعتبارها “احتفاء بالموت”، وإنما باعتبارها “أقصى صور الردع” التي يضعها المشرع في مواجهة أقصى درجات الخطورة الإجرامية، متى ثبتت المسؤولية الجنائية بأعلى درجات اليقين القضائي.
وأوضح أن خطورة إحراق الغابات عمدا لا تقتصر على إتلاف الأشجار والمساحات الغابية، بل تمتد إلى تهديد الأرواح والممتلكات والبيئة والأمن الوطني والسلم المجتمعي، خاصة عندما يتعلق الأمر بأفعال مدبرة أو مرتبطة بشبكات إجرامية منظمة.
وأشار ساحلي إلى أن الحرائق التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة أعادت طرح مسألة الفعل العمدي والمنظم، مؤكدا أن ثبوت إضرام النار بقصد إحداث أكبر قدر من الضرر يجعل الجريمة تتجاوز بعدها البيئي إلى اعتداء يمس الحياة والمال والأمن في آن واحد.
وبخصوص اختطاف الأطفال، شدد ساحلي على أن حماية الطفل لا تعني حماية فئة عمرية فقط، وإنما حماية الأسرة والسكينة العامة والشعور الجماعي بالأمن، معتبرا أن الطفل “أمانة” وأن الاعتداء عليه يمثل مساسا مباشرا بأمن المجتمع.
وفي محور آخر، دعا المتحدث إلى فتح نقاش حول إمكانية تشديد العقوبات على كبار بارونات المخدرات وقادة الشبكات المنظمة والممولين والمتاجرين على نطاق واسع، مستشهدا بحجم المحجوزات المسجلة خلال سنة 2025، والتي قال إنها تعكس اتساع نشاط الشبكات المنظمة والعابرة للحدود.
وفي المقابل، شدد على ضرورة التمييز بين كبار المتاجرين وصغار المستهلكين والمدمنين، معتبرا أن الفئة الأخيرة تحتاج إلى العلاج والحماية وإعادة الإدماج، في حين أن من يستورد ويمول وينظم ويوسع تجارة المخدرات يمثل مستوى أعلى من الخطورة الإجرامية.
وأكد ساحلي أن تشديد العقوبة لا يعني التخلي عن ضمانات المحاكمة العادلة، مشددا على أنه “كلما ارتفعت خطورة العقوبة ارتفع معها واجب التثبت القضائي”، وأن قوة الدولة تكون بالقانون ومن خلال احترام الإجراءات والضمانات القانونية.
حماية المجتمع لا تتعارض مع حماية الإنسان
ومن جهته، أكد عضو مجلس الأمة، بورقبة عيسى، أن عقوبة الإعدام تطرح وفق منظورها التشريعي، كوسيلة لحماية المجتمع والحد من أخطر أشكال الجريمة، مؤكدا أن حماية الإنسان تظل الغاية الأساسية من العقوبة.
وأوضح أن حماية الأطفال تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى عدم قدرة الطفل على حماية نفسه، معتبرا إياه أمانة في أعناق الأسرة والمجتمع والدولة، ومشددا على أن حماية الطفولة ينبغي أن تشكل أولوية في المنظومة القانونية والمجتمعية.
وفي حديثه عن جرائم الحرائق، أشار بورقبة إلى أن خطورتها لا تقاس بحجم الحريق فقط، وإنما بآثاره المحتملة على الأرواح والممتلكات والقرى والثروة الوطنية والبيئة، مؤكدا أن إضرام النار عمدا، متى ثبت بالدليل، يمثل فعلا إجراميا بالغ الخطورة.
وفي المقابل، شدد على أن العقوبات القصوى تستوجب أعلى درجات التثبت والتحقيق، وأن المسؤولية الشخصية لا يمكن أن تقوم على الظن أو الاشتباه، وإنما على أدلة ثابتة ومحاكمة عادلة تستوفي جميع الضمانات القانونية.
وجوب التدرج والتخصص في التحقيق
أما عضو مجلس الأمة، بلحاج بسام عبدو، فثمن تشديد العقوبات لمواجهة جرائم الحرائق واختطاف الأطفال، لكنه أبدى تحفظات على بعض جوانب المشروع، داعيا إلى تحقيق التدرج والتفريد في العقوبة وتدقيق بعض العبارات التي قد تطرح، حسبه، إشكالات عند التطبيق القضائي.
وأشار إلى أن بعض الأوصاف الواردة في المشروع، لاسيما ما تعلق باستهداف الوحدة الوطنية أو استقرار المؤسسات أو التوازن البيئي، تحتاج إلى ضبط أكثر دقة، حتى يتمكن القاضي من تحديد الأركان المادية للجريمة بصورة واضحة.
وانتقد بلحاج غياب التدرج في بعض الحالات، موضحا أن القانون ينبغي أن يميز بين الفاعل المنفرد ومن يرتكب الجريمة ضمن جماعة إجرامية منظمة أو بإيعاز من جهة أجنبية، فضلا عن ضرورة التمييز بين الأفعال العمدية وغير العمدية.
واقترح في هذا السياق استحداث فرق متخصصة على مستوى التحقيق الأولي في جرائم الحرائق واختطاف الأطفال، تضم عناصر من الضبطية القضائية، إلى جانب إنشاء أقطاب قضائية متخصصة خلال مراحل التحقيق والمحاكمة.
كما دعا إلى تعزيز الاعتماد على الأدلة التقنية والمادية، كالصور ومقاطع الفيديو وغيرها من الوسائل الحديثة، معتبرا أن التخصص من شأنه تحسين نوعية التحقيقات ومساعدة الجهات القضائية على تحديد المسؤوليات بدقة.
وأكد بلحاج أن المصادقة على مشاريع القوانين داخل مجلس الأمة لا تتم “من أجل المصادقة”، وإنما في إطار الصلاحيات الدستورية للسلطة التشريعية، من خلال مناقشة النصوص وإثرائها وممارسة الرقابة عليها.
وكان وزير العدل حافظ الأختام، لطفي بوجمعة، قد أكد في عرضه للمشروع أن تعديل قانون العقوبات يهدف إلى مواكبة تطورات الجريمة وتشديد الردع في مواجهة الأفعال الخطيرة، موضحا أن المشروع يقترح الإعدام في حالات محددة من جرائم إحراق الغابات وبعض حالات اختطاف الأطفال المقترنة بالتعذيب أو الاعتداء الجنسي، بما يعكس توجها لتعزيز الحماية الجزائية للأشخاص والممتلكات والأمن العام.
بثينة ناصري























مناقشة حول هذا المقال