احتضن المركز الاستشفائي للتأهيل الرياضي، اليوم الثلاثاء، ندوة وطنية كبرى حول “دور الأطباء والممرضين في الثورة التحريرية الكبرى.. رؤية استشرافية”، نظمتها المؤسسة الجزائرية “صناعة الغد” بالتنسيق مع مديرية الصحة لولاية الجزائر، وذلك في إطار إحياء الذكرى الرابعة والستين لعيدي الاستقلال والشباب.
وتندرج هذه الندوة ضمن خطة طريق المؤسسة للفترة (2025-2034)، حيث خصصت لبحث إحدى المحطات التاريخية التي لم تحظ بالقدر الكافي من الدراسة، والمتمثلة في المنظومة الصحية التي رافقت الثورة التحريرية، من خلال تحليل أداء الأطباء والممرضين الجزائريين والأجانب الذين أسهموا في إسعاف وعلاج جرحى ومرضى جيش التحرير الوطني بين سنتي 1954 و1962.
وخلال أشغال الندوة، قدم رئيس المؤسسة الجزائرية “صناعة الغد”، بشير مصيطفى، مداخلة تناول فيها الاستشراف الصحي وتطبيقاته على الثورة التحريرية، مستعرضاً قراءة تاريخية وإحصائية وعملية لتجربة النظام الصحي الثوري، ودور الكفاءات الطبية والتمريضية في دعم العمل التحرري.
بشير مصيطفى “تجربة المنظومة الصحية للثورة التحريرية تقدم دروسًا لبناء سياسة صحية جزائرية إلى غاية 2100“
وفي هذا الصدد، أكد الوزير السابق ورئيس المؤسسة الجزائرية “صناعة الغد” بشير مصيطفى، أن المنظومة الصحية التي أُقيمت خلال الثورة التحريرية تمثل نموذجًا تاريخيًا واستشرافيًا يمكن الاستفادة منه في رسم معالم السياسة الصحية الجزائرية مستقبلاً، مشيراً إلى أن دراسة هذه التجربة لا تقتصر على توثيق الماضي، بل تهدف إلى استخلاص الدروس لبناء منظومة صحية وطنية تمتد رؤيتها إلى غاية سنة 2100.
وأوضح مصيطفى، في مداخلته، أن الثورة التحريرية انطلقت في ظل واقع صحي بالغ الصعوبة، تميز بندرة الأطباء، وانعدام المستشفيات والعيادات، وضعف وسائل التمويل والإمكانات، غير أن الثورة استطاعت، رغم تلك الظروف، أن تؤسس منظومة صحية ميدانية رافقت الكفاح المسلح وأسهمت في علاج الجرحى والمرضى.
وأشار إلى أن الثورة الجزائرية تميزت بتعدد أشكال المشاركة، إذ لم تقتصر على المجاهدين حاملي السلاح، وإنما شملت المسبلين والداعمين وأصدقاء الثورة، كما عرفت مشاركة مختلف الفئات العمرية، من الأطفال إلى الشيوخ، والنساء والرجال، فضلاً عن مختلف المهن، من أطباء وممرضين وفلاحين وعمال وطلبة، إلى جانب مشاركة الجزائريين داخل الوطن وخارجه، سواء في المناطق الحدودية أو في الدول العربية والأوروبية، وبأشكال متنوعة شملت الكفاح المسلح، والتنظيم، وتوزيع بيان أول نوفمبر، والدعم اللوجستي، والتضحية بالنفس.
وأضاف أن الأطباء لعبوا دورًا محوريًا في تأسيس المصالح الصحية التابعة لجيش التحرير الوطني، كما أسهم أفراد الكشافة الإسلامية الجزائرية في تقديم الإسعافات الأولية قبل أن يتلقوا تكوينًا صحيًا متخصصًا، فيما تم إنشاء فرق لتكوين الممرضين وتنظيم دورات لتأطيرهم داخل وخارج الوطن، بما ساعد على توفير الإطارات الصحية اللازمة لمرافقة الثورة.
كما أبرز المتحدث أن الثورة حرصت على تنظيم العمل الصحي ضمن هياكلها الإدارية، من خلال إنشاء لجنة للصحة في إطار الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وتعيين محمد الصغير نقاش على رأسها، إلى جانب الدور البارز الذي أداه الطلبة الذين التحقوا بصفوف الثورة وأسهموا في دعم القطاع الصحي الثوري.
وشهدت المناسبة تقديم شهادات لعدد من رموز القطاع الصحي في الثورة التحريرية، من بينهم المجاهدة الممرضة يمينة شراد، التي واصلت نضالها في الجبال، واستشهد زوجها خلال الثورة، كما أنجبت طفلها في ظروف الكفاح المسلح. كما تم استذكار المجاهد الراحل إسماعيل محفوظ، المحضر الصيدلاني الذي أسس مستشفى داخل المغارات بالمنطقة الثانية التاريخية.
من جهته، اعتبر رئيس خلية اليقظة الصحية بالمؤسسة الجزائرية “صناعة الغد”، الدكتور رشيد حميدي، أن محور الابتكار والإعلام الصحي وتطبيقاته على الثورة التحريرية يهدف إلى إبراز الدور المحوري الذي اضطلع به رجال الصحة خلال الثورة المجيدة، حتى تبقى تضحياتهم مصدر فخر وإلهام للأجيال الصاعدة.
وأوضح حميدي أن القطاع الصحي خلال الثورة التحريرية مر بثلاث مراحل أساسية، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى الممتدة بين سنتي 1954 و1956 اتسمت بندرة الأطباء والإمكانات العلاجية، ما جعل التكفل الصحي بالمجاهدين في غاية الصعوبة. وأضاف أن إضراب الطلبة سنة 1956 شكّل نقطة تحول بارزة، بعدما التحق عدد كبير من طلبة الطب بالثورة، خاصة بالمنطقة الثانية، قبل أن يعمم التنظيم الصحي على مختلف مناطق الوطن عقب مؤتمر الصومام.
وأشار المتحدث إلى أن الثورة أولت أهمية كبيرة لتكوين الكفاءات الصحية، حيث جرى تكوين نحو 900 ممرض وممرضة ومسعف، تولوا لاحقاً تدريب طلبة آخرين ونساء التحقن بصفوف الثورة، مؤكداً أن بعضهم ارتقى شهيداً، فيما واصل آخرون أداء رسالتهم بعد الاستقلال، مساهمين في بناء المنظومة الصحية الجزائرية.
وأضاف الدكتور حميدي أن إحياء هذا اليوم يمثل وقفة إجلال وعرفان لرجال الصحة الذين خدموا الوطن في أحلك الظروف، وتجديداً للعهد على الحفاظ على مكاسب الاستقلال، حتى تبقى الجزائر حرة ومستقلة.
وفي السياق ذاته، استحضر المتحدث تأكيد عبد المجيد تبون على ضرورة تثمين تاريخ الطب في الجزائر والاعتراف بإسهامات رواد القطاع الصحي، معتبراً أن ذلك يشكل حافزاً لأطباء الاستقلال لمواصلة رسالتهم، وفاءً لما قدمه أسلافهم من تضحيات وأعمال بطولية خلال الثورة التحريرية.
كما استحضرت الندوة إسهامات أصدقاء الجزائر الذين ساندوا الثورة التحريرية، وفي مقدمتهم البروفيسور جون بول ڨرانڨو، الذي تولى مسؤولية بوزارة الصحة الجزائرية بعد الاستقلال وأسهم في تكوين الإطارات الصحية، إلى جانب البروفيسور بن عباجي، أحد الأطباء الذين التحقوا بالجزائر خلال الثورة، والبروفيسور مسعود زيتون، وزير الصحة الأسبق والمنسق الوطني السابق لمخطط مكافحة السرطان، والذي كان من الأطفال الذين عايشوا الثورة التحريرية، واختتمت الندوة بتكريم عدد من مجاهدي ومجاهدات الثورة التحريرية.























مناقشة حول هذا المقال