في سابقة وطنية تعكس تحولا عميقا في فلسفة تسيير الجامعة الجزائرية، أشرف وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، رفقة وزير المالية، عبد الكريم بوالزرد، اليوم الاثنين ، على مراسم منح أول اعتماد لشركة استثمار برأس مال مخاطر ذات طابع جامعي في الجزائر، وذلك لفائدة شركة الاستثمار المالي التابعة لـ جامعة الجزائر 3، خلال حفل احتضنته كلية علوم الإعلام والاتصال.
ويمثل هذا الاعتماد نقطة تحول في مسار إصلاح منظومة التعليم العالي، حيث تنتقل الجامعة من دورها التقليدي كمؤسسة مستهلكة للميزانية إلى فاعل اقتصادي مساهم في هندسة التمويل الوطني وصناعة القيمة المضافة، ويعكس الحدث توجها رسميا نحو إدماج الجامعة في ديناميكية السوق المالية، من خلال آليات حديثة تقوم على رأس المال المخاطر وتمويل المشاريع المبتكرة.
وفي كلمته بالمناسبة، أكد الوزير كمال بداري أن منح هذا الاعتماد يندرج ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى تحويل الجامعة الجزائرية إلى فضاء منتج للثروة، عبر تثمين نتائج البحث العلمي وربطها بالاقتصاد الحقيقي.
وأوضح أن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من منطق تلقي الدعم العمومي إلى منطق الاستثمار وصناعة الفرص، خاصة في مجالات الاقتصاد الرقمي والمعرفة.
وأشار الوزير إلى أن هذه المبادرة تنسجم مع التوجهات الوطنية للفترة 2024-2029، التي تجعل من الابتكار والاقتصاد المعرفي ركيزتين للتنمية المستدامة، معتبرا أن الاستثمار في رأس المال المخاطر سيمكن من تحويل الأفكار الجامعية إلى مؤسسات ناشئة، ومن ثم إلى مشاريع اقتصادية قادرة على خلق مناصب شغل وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
من جهته، اعتبر وزير المالية عبد الكريم بوالزرد أن دخول الجامعة إلى مجال السوق المالية يمثل دعما نوعيا للبورصة الجزائرية، التي تأسست سنة 1996، مؤكدا أن هذه المبادرة تعكس نضجا مؤسساتيا وتوجها نحو آليات تمويل حديثة قائمة على المبادرة والابتكار بعيدا عن التدخلات الإدارية الظرفية.
وأضاف أن مثل هذه الخطوات من شأنها إضفاء حركية جديدة على السوق المالي، وتعزيز الثقة في أدوات الاستثمار البديل.
رأسمال بـ180.8 مليون دينار وآفاق نحو “صندوق صناديق”
بدوره، أوضح رئيس لجنة تنظيم عمليات البورصة ومراقبتها، يوسف بوزنادة، أن الاعتماد الممنوح لشركة الاستثمار المالي لجامعة الجزائر 3، برأسمال اجتماعي قدره 188.8 مليون دينار جزائري، يعد سابقة في تاريخ السوق المالية الوطنية.
وأبرز أن هذه الخطوة تأتي في سياق تنويع مصادر التمويل وتقليص الاعتماد الحصري على التمويل البنكي، خاصة في ما يتعلق بتمويل المشاريع المبتكرة في مراحلها الأولى.
وأشار إلى أن التحولات الاقتصادية العالمية منذ أزمة 2008 أظهرت أهمية صناديق الاستثمار برأس مال مخاطر كأداة استراتيجية لدعم الشركات الناشئة، مؤكدا أن الجزائر قامت بتهيئة الإطار القانوني الملائم منذ 2020، ما سمح بتجسيد هذا المشروع على أرض الواقع.
وفي السياق ذاته، أكد مدير جامعة الجزائر 3، خالد رواسكي، أن إنشاء صندوق الاستثمار يمثل تتويجا لمسار إصلاحي عميق شهده القطاع خلال السنوات الأخيرة، واصفا الخطوة بـ”العملاقة والابتكارية” في تاريخ الجامعة الجزائرية.
وأوضح أن الصندوق سيوجه في مرحلته الأولى لدعم المؤسسات الناشئة المتخرجة من قطاع التعليم العالي، ومرافقة المؤسسات الفرعية التابعة له في مختلف مراحل تطورها، من الإنشاء إلى التوسع، وصولا إلى اقتحام الأسواق الدولية.
وكشف رواسكي أن الاحتياجات التمويلية داخل قطاع التعليم العالي تفوق مليار دولار في مرحلة أولى، ما يبرز أهمية الصندوق في سد جزء من الفجوة التمويلية وتمكين المشاريع الجامعية من الانتقال من مرحلة الفكرة إلى مرحلة التجسيد الاقتصادي الفعلي.
وأضاف أن الطموح المستقبلي يتمثل في تحويل الشركة إلى “صندوق صناديق” برأس مال مخاطر، يتولى تنسيق وتسيير صناديق موضوعاتية قد تنشئها جامعات أخرى، بما يؤسس لشبكة وطنية متكاملة لتمويل الابتكار.
وأكد المتحدث أن نجاح المشروع يرتكز على الكفاءات العلمية والإطارات التي تزخر بها الجامعة، معتبرا أن “المادة الرمادية” تمثل الثروة الحقيقية القادرة على ضمان استدامة الصندوق وتحويله إلى نموذج وطني رائد.
وبهذا الحدث، تدخل الجامعة الجزائرية مرحلة جديدة عنوانها الاستثمار في المعرفة وتثمين نتائج البحث العلمي، ضمن رؤية تسعى إلى بناء اقتصاد متنوع قائم على الابتكار وريادة الأعمال.

























مناقشة حول هذا المقال