شهدت الجزائر منذ الاستقلال العديد من الأزمات والمحن، هذه الكوارث التي كانت أحيانا طبيعية وأحيانا بشرية، لكنها بفضل تلاحم شعبها وجيشها وجميع مكوناتها الاجتماعية والسياسية، كانت دائما تخرج منها بأقل الأضرار.
الشعب الذي قهر الاستعمار ثم الإرهاب، لن تعجزه هذه المكائد
إذا رجعنا إلى الوراء قليلا، نجد أن هذا البلد عانى من ويلات الإرهاب، في فترة تسعينات القرن الماضي، وما أطلق عليها باسم “العشرية السوداء”، سنوات عصيبة مر بها هذا الشعب الأبي، الذي تمكن بفضل وحدته، وتلاحمه وحبه لهذا الوطن، من تفويت الفرصة على الجهات التي أرادت السوء لهذا الوطن، و كيف لا يمكن لهذا الشعب الشجاع أن يتغلب على مكر الماكرين وكيد الكائدين، وهو الذي تمكن من قهر أقوى قوة عسكرية في العالم، أثناء ثورة التحرير المباركة، حيث أخرج فرنسا مذلولة مكسورة الجناح، مطأطأة الرأس، بعد أن تكبدت الهزائم الواحدة تلو الأخرى.
إنها الجزائر، وما أدراك ما الجزائر، التي حاول الاستعمار بعد أن خرج من الباب، أن يعود إليها من النافذة، وبدأت القوى العالمية تتكالب على هذا البلد الغني بثرواته الطبيعية، والبشرية، لم تكن هذه الجهات لتتركه، دون أن تستغله وتستفيد من ثرواته، لكن هذا البلد، لم يسمح بذلك، ولم يقع في الفخ، وسطر استراتيجية واضحة، وتمسك بمبادئه في مساندة الضعفاء، والوقوف من البلدان المستعمرة، خاصة وأنه عانى من ويلات الاستعمار لأكثر من قرن من الزمن، هذه السياسة لم ترق لعديد الدول التي تتخذ من الاستعمار سبيلا ووسيلة لنهب وسرقة ثروات البلدان الأخرى، وهذه المواقف النبيلة والراسخة والمتجذرة في السياسة الخارجية لهذا البلد، جعلها تعاني كثيرا من مكائد وخطط الدول المناهضة لحق الشعوب في استقلالها.
الجزائر بقيت راسخة على مبادئها ولم تنحني أو تنكسر أمام المساومات
لقد عاشت الجزائر منذ الاستقلال ظروفا صعبة، ورغم هذا بقيت راسخة على مبادئها، ولم تنحني أو تنكسر أمام المساومات، وهنا لا يمكن لأحد أن ينكر فضل هذا البلد على القضية الفلسطينية، كما لا يمكن لعديد الدول المناهضة لحقوق الشعوب، بما فيها الدول المحتلة أن تنسى فضل الجزائر على القضية الصحراوية.
وها هي حرائق الغابات التي شهدتها العديد من ولايات الوطن مؤخرا، خير دليل على أن الجزائر مازالت مستهدفة، واعدائها يكيدون لها ليلا ونهارا، سرا وعلانية، ومازال هذا البلد يدفع فاتورة مواقفه النبيلة، حيث جاءت هذه الحرائق مباشرة بعد تصريحات رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، الذي أكد أن الجزائر ماضية في سياستها المدافعة عن حقوق الشعوب في نيل استقلالها، كما أشار أن الحدود مع المغرب تبقى مغلقة حتى يستجيب هذا البلد لمطالب الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، مشددا على أن الجزائر ليست لها أطماع في هذا البلد، بل ان سياستها الخارجية تعتمد على مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، مضيفا بأن هذه القضية مطروحة على طاولة مجلس الامن الدولي.
كما أكد الموقف الراسخ في مساندة القضية الفلسطينية، وهي التي أخذت هذا الملف إلى مجلس الأمن، وتم الإعلان عن الدولة الفلسطينية في أرضها، ولا يمكنها أن تخذل هذا الشعب الذي عانى كثيرا من ظلم واستبداد المحتل الصهيوني.
دول انزعجت من تحركات الجزائر الأخيرة لطرد اسرائيل من الاتحاد الإفريقي

كيف يمكن لبلدين استعماريين، يقومان بسرقة ونهب واستغلال ثروات بلدين آخرين، أن يسمحا للجزائر بأن تعبث بمصالحهم، وجاءت “القشة التي قسمت ظهر البعير”، حيث قامت الجزائر مؤخرا بتحركات واسعة لطرد إسرائيل من الاتحاد الإفريقي، وامام هذا الوضع كان لابد لإسرائيل وحلفاءها من “الانتقام”، ولا يمكن لأحد ان ينكر علاقة هذا بذاك، الحرائق تندلع مباشرة بعد تصريحات رئيس الجمهورية، وأكبرها كان في منطقة القبائل التي استعملتها منذ أيام قليلة المغرب كورقة لتقسيم هذا البلد، مدعية عبر ممثلها في هيئة الأمم، أن هذه المنطقة مستعمرة من الجزائر ولابد من ان تقرر مصيرها، وبعدها بأيام تندلع الحرائق المهولة التي أتت على الأخضر واليابس في هذه المنطقة بالذات، التي تعرف في كل صائفة نفس درجات الحرارة، غير أنها لم تشهد من قبل مثل هذه الحرائق المهولة.
حيث أفادت نتائج التحقيقات ان الحرائق كانت بفعل أيادي إجرامية، نتيجة لنشوبها في وقت واحد، وفي العديد من المناطق، وأيضا نظرا لاختيار أماكن مأهولة بالسكان، حيث خسرت الجزائر خلالها العشرات من خيرة أبناءها، وراح ضحيتها أبرياء من مدنيين وعسكريين- نحتسبهم عن الله من الشهداء- بالإضافة إلى الخسائر المادية من مباني وسيارات، وخسائر طبيعية من مواشي وحيوانات، وأشجار مثمرة، وأراضي فلاحية.
دول لم يرقها أمن واستقرار هذا البلد، تحاول اشعال نار الفتنة والعبث بوحدتها
حاولت هذه الجهات الخارجية، التي لم يرقها الأمن والاستقرار الذي تعيشه الجزائر، أن تعبث بوحدتها عن طريق انتهاج سياسة “الأرض المحروقة” من جهة و”سياسة فرق تسد” من جهة أخرى، لكن نقول لهؤلاء هيهات، ونذكرهم بقول الله تعالى “ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين”، يبدوا أن هذه البلدان نست أو تناست أن بلد مثل الجزائر “بلد المليون و نصف مليون شهيد”، الذي مر بفترات عصيبة وازمات خانقة، وكان البعض يتوقع أنها ستدخل في حروب أهلية، لكنها كانت في كل مرة تخرج من المحن بأقل الأضرار، وكانت بفضل تلاحم شعبها وجيشها، تفوت الفرص على هؤلاء الذين لم ولن يتهاونوا في ضرب استقرار وأمن هذا البلد الذي أصبح شوكة في حلقهم، بمواقفه ومبادئه المناهضة للاستعمار، والمطالبة بحقوق الشعوب في تقرير مصيرها و نيل استقرارها.
ضنوا أنهم بإشعال نار الحرائق، سيشعلون نار الفتنة، لكن الشعب فوت عليهم الفرصة.
ها هي حرائق تيزي وزو تعطي درسا آخر لأعداء الجزائر، والتي عرفت هبة تضامنية لا نظير لها من قبل كل ولايات الوطن وحتى الجالية الجزائرية في الخارج، هي صفعة أخرى لهؤلاء الذين أرادوا تقسيم هذا البلد، محاولين اللعب بورقة تمزيق هذا الشعب، لكن النتيجة جاءت عكسية، و”انقلب السحر على الساحر”، حيث ساهمت هذه المحنة في زيادة تلاحم ووحدة هذا الشعب، في أسمى صور التآزر الاجتماعي، وتمكن صوت الحكمة الداعي إلى لم الشمل ورأب الصدع من التغلب على الأبواق المعزولة المحرضة على التفرقة وإثارة الفتنة، ضنوا أنهم بإشعال نار الحرائق، سيشعلون نار الفتنة، لكن هذا الشعب كعادته فوت عليهم الفرصة.

تفطن أهالي منطقة تيزي وزو، بأن الأمر ليس مجرد كارثة طبيعية وإنما كان مدبرا، وبدعم خارجي، وبعد جريمة حرق الشاب جمال، توضحت خيوط اللعبة أكثر، وبانت معالم الخطة، أن يقوموا بجلب شاب من منطقة أخرى، ليلقى حتفه بطريقة بشعة وهمجية عن طريق القتل والتنكيل بالجثة ثم حرقها، في أفظع صور الإجرام، والغريب ان هذا الشاب تنقل إلى المنطقة بعد نشوب الحرائق بحوالي يومين، من اجل المساعدة و تقديم يد العون لأصدقائه هناك، هي شهامة وأصل الشباب والجزائري الذي يهب دائما لمساعدة الأخرين، هي صفات و شيم يتميز بهذا هذا الشعب العظيم بتمسكه بتعاليم دينه وتقاليده، ليلقى حتفه بأبشع الطرق على يد شباب من المنطقة، هي خطة أخرى لإشعال نار الفتنة، والتفرقة، بعد خطة إشعال الحرائق، لكنها باءت بالفشل، ولم تنجح ايادي الغدر في تمزيق النسيج الاجتماعي الجزائري.
وتغلب صوت الحكمة ودعوات الوحدة ولم الشمل، على صوت الفرقة وقال الجزائريون بصوت واحد “لا للفتنة”، حيث وجه والد الضحية كلمات أذابت جليد الشحناء والتوتر، كما دعا أعيان ومشايخ منطقة القبائل بالإضافة لشخصيات سياسية وثقافية ودبلوماسية، إلى تفويت الفرصة على أعداء الجزائر، الذين يريدون السوء لهذا الوطن.
كما قامت السلطات العليا للبلاد باتخاذ التدابير الفورية والسريعة لإخماد الحرائق، وسخرت كل إمكانياتها المادية والبشرية، للخروج من هذه الكارثة بأقل الأضرار، زيادة على القرارات السريعة التي اتخذها رئيس الجمهورية، المتمثلة في التكفل بالمتضررين وتعويضهم بنسبة مائة بالمائة سواء كانوا مؤمنين أو غير مؤمنين، مشددا على أهمية الحفاظ على الوحدة الوطنية التي اعتبر محاولات المساس بها “الإجرام بعينه”، مثنيا على الهبة التضامنية للشعب الجزائري، و التي أثبتت للعالم أن هذا الشعب الشجاع لن ينكسر بسهولة، وأن الدولة الجزائرية واحدة موحدة”، وبأنه سيتم التصدي لمن يقفون وراء محاولات المساس بها “بكل الوسائل المتاحة”.
تقرير/ كريمة بندو

























مناقشة حول هذا المقال