احتضن فندق الماركير بالجزائر العاصمة، على مدار ثلاثة أيام (21، 22 و23 جوان 2025)، الملتقى الدولي الذي نظمه المجلس الإسلامي الأعلى، تحت شعار: “التعارف الإنساني وأثره في إرساء العلاقات وتحقيق التعايش نحو تعارف الحاضرات”.
رئيس اللجنة العلمية للملتقى، الدكتور عبد القادر بوعرفة، خلال كلمة الافتتاح، شدّد على أن التعارف الإنساني يسبق نشأة الحضارات ذاتها، وهو “واجب وجودي لا مجرد خيار”، مبرزًا أن التعارف لا يعني التشابه ولا الذوبان، بل الاعتراف بالتنوع بوصفه “حكمة إلهية”، تتجلى في الثقافات، والأديان، والانتماءات.
وأكد بوعرفة، أن التعارف ينبغي أن يكون مسارًا لبناء التآلف والتحالف، داعيًا إلى تجاوز النزعات الصراعية، والتأسيس لحوار يقوم على الندية والكرامة واحترام الخصوصيات الثقافية، مطالبًا بإعمال النقد الذاتي والتحول من الهوية المنغلقة إلى هوية مركّبة، تتفاعل دون أن تنصهر، وتتواصل دون أن تتنازل عن ذاتها.
التعارف الإنساني ضرورة لتحقيق السلم الأهلي والدولي
وأكّد وزير الشؤون الدينية والأوقاف، يوسف بلمهدي، في كلمته على الرابط القوي بين الإيمان والإنسانية، قائلاً: “من فشل في علاقته مع الله، فقد فشل مع نفسه ومع غيره”، مشيرًا إلى أن قدوتنا في هذا المجال هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أرسى أسس التعامل مع الآخر، حتى في أوقات الخلاف والصراع.
ورأى بلمهدي أن التعارف الإنساني ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل ضرورة لتحقيق السلم الأهلي والدولي، معتبرًا أنه مدخل لتجديد الخطاب الديني بما يتماشى مع التحديات المعاصرة.
التعارف قيمة حضارية تُبنى على أسس الاحترام والتسامح
وفي كلمته، وزير الدولة وعميد جامع الجزائر، الشيخ محمد المأمون القاسمي الحسني، تناول موضوع التعارف الإنساني من زاوية قرآنية، مؤكدًا أن الاختلاف بين البشر ليس مظهر ضعف بل علامة غنى، وهو مما تحدث عنه القرآن الكريم بجلاء.
وشدّد على أن “التعارف قيمة حضارية تُبنى على أسس الاحترام والتسامح”، وهو الرد الأمثل على النزعات العنصرية والمركزية التي لا ترى في الآخر إلا نقصانًا.
كما حذر من خطورة التعصب، ودعا إلى التخلي عن فكرة الهيمنة الثقافية الغربية، مؤكدًا على مركزية العدل والمساواة في بناء علاقات صحية بين الأمم، وأن الأرض “ملك لله”، وأن من واجب البشر أن يعمّروها في سلام وتعاون، بما يرضي الله تعالى.
ضرورة إيجاد إطار أخلاقي وقانوني لاستخدامات الذكاء الاصطناعي
ومن جهته، ثمّن مفتي جمهورية مصر العربية، الدكتور نظير عيّاد، دعوة الجزائر لهذا الحدث الفكري والديني، مشيدًا بجهود المجلس الإسلامي الأعلى، ووزارة الشؤون الدينية، في تعزيز ثقافة التعايش.
كما أكد عياد، على أن الإسلام في جوهره لا يرفض الاختلاف، بل يعتبره جزءًا من النظام الكوني، مشيرًا إلى أن ما نعيشه من تحديات فكرية وأخلاقية يتطلب تعارفًا حقيقيًا يتجاوز الشكليات.
وشدد ذات المتحدث، على ضرورة إيجاد إطار أخلاقي وقانوني لاستخدامات الذكاء الاصطناعي، محذرًا من توظيفه لنشر الكراهية والتلاعب بالمعطيات الإنسانية، داعيًا إلى ترشيد أدوات التقنية لخدمة قيم الرحمة والسلام والعدالة.
من روسيا، ألقى القائم بأعمال رئيس الإدارة الدينية لمسلمي روسيا، المفتي الدكتور ضمير محي الدينوف، كلمة عبر فيها عن سعادته بالمشاركة في هذا الفضاء التفاعلي، معتبرًا أن التعارف الإنساني هو ما يمنح العلاقات الدولية بعدها الأخلاقي والثقافي الحقيقي، بعيدًا عن منطق المصالح البحتة.
من جهته شدد رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، الدكتور مبروك زيد الخير، في ختام الجلسات على ضرورة أن تتحول توصيات الملتقى إلى سياسات عملية وتعاون بين المؤسسات الدينية والتعليمية عبر العالم الإسلامي.
كما كانت هناك مداخلات من شخصيات بارزة، منها الأمين العام لرابطة علماء ودعاة وأئمة دول الساحل الإفريقي، الدكتور خميسي بزاز، الذي ركّز على أهمية التعاون الإقليمي لمواجهة الأفكار المتطرفة.
لقد جاء ملتقى الجزائر حول التعارف الإنساني ليشكل منصة فكرية ودينية هامة، تعكس الدور الريادي للجزائر في نشر قيم السلم والحوار الحضاري.
وقد أجمع المشاركون على أن التعارف لا يجب أن يبقى شعارًا، بل لا بد أن يتحول إلى ثقافة وسلوك ومناهج تعليمية وإعلامية، تقاوم نزعات الكراهية، وتبني الإنسان على أساس الاحترام المتبادل.
الجزائر تجمع الشرق والغرب في دعوة عالمية للتعارف الإنساني والسلام المستدام
تواصلت أمس الأحد، أشغال الملتقى الدولي تحت شعار: “التعارف الإنساني وأثره في إرساء العلاقات وتحقيق التعايش نحو تعارف الحضارات”، حيث عرف اليوم الثاني من الملتقى تنظيم جلسات علمية وفكرية رفيعة المستوى، شهدت مشاركة نخبة من الأساتذة والباحثين من الجزائر، وعدد من الدول العربية والإسلامية، وبعض الدول الاجنبية، ركزوا خلالها على الإسهام في إعادة تأصيل المفاهيم المتعلقة بالتعارف الإنساني والحضاري، وتفعيلها في سياق التحديات العالمية المعاصرة.
جلسات علمية بمشاركة باحثين من أوروبا وإفريقيا تناقش جذور التعارف في القرآن والسياقات الحضارية المعاصرة

افتُتحت الجلسة الأولى برئاسة الدكتور كمال بوزيدي وتنسيق الدكتور أحمد بن مالك، تحت عنوان: “تأصيل مفهوم التعارف بين الشعوب والحضارات: التأصيل القرآني والحضاري”. وشهدت الجلسة مداخلات متنوعة، حيث استعرض الدكتور محمد العربي كشاط، من فرنسا، مفهوم “التعارف الإنساني المطلق والثلاثي”، بينما تناول الدكتور عبد الرزاق برغوث الأسس المرجعية والقيمية للتعارف في المنهج القرآني. وفي السياق ذاته، قدّم الدكتور الطيب الطاهري نائب رئيس جامع الزيتونة، مداخلة عن الرؤية الإسلامية كنموذج للانفتاح، في حين ناقش الدكتور الأخضر فوزي مشروع التعارف الحضاري من منظور فلسفي وسياسي، ليختتم الدكتور حميره ميلي الجلسة بالحديث عن جدلية التوافقات والتباينات بين الحضارات في عالم متغير.
أما الجلسة الثانية، فقد ترأسها الدكتور مصطفى باجو، وسيرها الدكتور عيسى معيزة، وتمحورت حول “الأسس النظرية والعملية والأخلاقية للتعارف الإنساني”، وافتُتحت بمداخلة للأستاذ عبد الرزاق بلعقروز حول الانتقال من الحق في الاختلاف إلى “الكلمة السواء”، تلتها الدكتورة هدى دويدار من مصر، بمداخلة أبرزت الأبعاد الأخلاقية للتعارف في النصوص الشرعية.
كما قدم الدكتور أبو بكر ولد ديده من موريتانيا، ورقة عن مقومات التواصل الحضاري من منظور إسلامي، قبل أن يختتم الدكتور عبد الله لحبيب من ليبيا بمداخلة ناقش فيها أنسنة العلاقة الإسلامية وآفاق التعارف.
وقد خصصت لكل جلسة فترة للمناقشة، أتاحت للحضور التفاعل وتبادل الرؤى، مما أضفى بعدًا عمليًا على الطروحات النظرية، وساهم في إثراء النقاش حول سبل تعزيز التعايش بين الحضارات، في ظل ما يعيشه العالم من تحديات فكرية وثقافية.
إشكالات واقعية في صميم العلاقات بين الشعوب والثقافات
تميّزت الجلسة الثالثة من الملتقى الدولي للمجلس الإسلامي الأعلى، بعمق الطروحات التي تجاوزت الجانب النظري نحو تناول إشكالات واقعية تمس صميم العلاقات بين الشعوب والثقافات.
وقد كانت المداخلات بمثابة منصة فكرية جامعة لخبرات أكاديمية من العالم العربي والإسلامي وأوروبا، ما أضفى على الجلسة طابعًا عالميًا حيويًا يعكس الرهانات الدولية لقضية التعارف الإنساني.
التعددية الثقافية فرصة لبناء عالم أكثر توازنًا وعدالة
وقد عبّر المشاركون عن أهمية تعزيز قيم التآخي والتقارب بين البشر، باعتبارها حجر الزاوية في أي مشروع حضاري إنساني، لا سيما في ظل تزايد النزاعات، وخطابات الكراهية، وسياسات الإقصاء في العديد من مناطق العالم.
وأجمع المتدخلون على أن التعددية الثقافية ليست تهديدًا، بل فرصة لبناء عالم أكثر توازنًا وعدالة، شريطة أن تُبنى العلاقات الدولية على أسس الاحترام المتبادل والانفتاح الصادق.
من جهة أخرى، لاقت مداخلة البروفيسورة باولا توديني، اهتمامًا خاصًا من الحضور، حيث قدمت من خلالها وجهة نظر أوروبية حول التحديات التي تواجهها المجتمعات الغربية في ظل التعدد الثقافي، خاصة فيما يتعلق باندماج الجاليات المسلمة.
وشددت على أن التعارف ليس فقط مسؤولية الوافدين، بل هو عملية تفاعلية تتطلب استعدادًا متبادلاً للتفاهم والتنازل من جميع الأطراف.
كما طرحت مداخلة الدكتور بلخير بلعزيز نقاشًا مهمًا حول ضرورة استحضار البعد الأخلاقي في الخطاب الديني والثقافي، مؤكدًا أن القيم مثل التسامح، والصدق، والعدل، تشكل جوهر التعارف الحقيقي، بعيدًا عن الشعارات المجردة أو الاستخدام السياسي للمفاهيم.
وقد عكست المناقشات اللاحقة حجم التفاعل الفكري بين الحضور، حيث طُرحت أسئلة متعددة حول كيفية الانتقال من التنظير إلى التطبيق، وكيف يمكن للمؤسسات التربوية والدينية والثقافية أن تؤدي دورًا جوهريًا في تربية الأجيال الجديدة على ثقافة التعارف والتسامح.
هذا وتُعدّ أشغال هذا الملتقى جزءًا من جهود الجزائر الرامية إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتسامح والتعارف الحضاري، وتأكيدًا على دورها الفاعل في نشر القيم الإنسانية الكونية المستمدة من المرجعية الإسلامية السمحة.
معاذ مرجانة/ بلقيس بوزيان


























مناقشة حول هذا المقال