تواصلت، اليوم الأحد، فعاليات تظاهرة “الجزائر عاصمة الثقافة الحسانية” بتنظيم الملتقى الدولي الأول تحت عنوان: “الثقافة هوية وعمق إفريقي مشترك”، وسط حضور أكاديمي من الجزائر، موريتانيا، والصحراء الغربية. وقد شكّل هذا اللقاء محطة فكرية مهمة لتسليط الضوء على أبعاد الثقافة الحسانية من حيث التراث، والتاريخ، والهوية، وذلك من خلال أربع جلسات علمية شارك فيها أربعة عشر دكتورًا من دول مختلفة، من بينهم أستاذة قدّمت مداخلتها عن بُعد.
افتُتحت الجلسات بكلمة لرئيسة اللجنة العلمية، أكدت فيها على البعد الرمزي والسياسي للثقافة الحسانية في صون الذاكرة الصحراوية وربطها بالمجال الإفريقي، باعتبارها حاملة لهوية متجذّرة ومرآة لمعرفة أنتجها الإنسان البدوي في بيئة قاسية لكنها غنية بالإشارات الحضارية. وقد خُصّصت الجلسة الأولى لمداخلات علمية قدّمها عدد من الباحثين، من بينهم الدكتور غالي الزبير، الباحث بالمركز الصحراوي للدراسات.
واستعرض الدكتور الزبير كيف قسّم سكان الصحراء بيئتهم جغرافيًا، واستفادوا من القاموسين العربي والأمازيغي، وابتكروا معارف في الطب الشعبي التي لا تزال ممارستها قائمة إلى اليوم. كما أشار إلى أن بعض هذه المعارف نُقل إلى أوروبا، لا سيما إلى إيطاليا وإسبانيا، موضحًا أن بعض علماء الحسانية نظّموا هذه المعارف في أبيات شعرية تناولت خصائص النباتات والحيوانات، وهو ما يعكس الطابع النظري والتطبيقي المميز لهذا الموروث الثقافي.
وفي السياق ذاته، قدّم الدكتور أحمد ويس عبد الوهاب من جامعة نواكشوط مداخلة تناول فيها أهم الدراسات التاريخية التي وثقت استقرار المجموعات الحسانية بغرب الصحراء الإفريقية، وقسّم هذه الدراسات إلى مصادر حسانية أولية وأخرى ثانوية، مستندًا إلى منهج ابن خلدون، الذي كان من أوائل من عايش المجتمعات الحسانية وانتقد أساليب التأريخ التقليدي، مؤسسًا لما أصبح يُعرف لاحقًا بنظرية العمران.
أما الجلسات اللاحقة، فقد ضمّت مداخلات تناولت موضوعات متعددة، من بينها الأدب الشعبي الحساني، وتمثلات الثقافة الحسانية في السرد الروائي الجزائري، خاصة في رواية “عيشتو ريم الرقيبات” للكاتب عبد القادر بن جعفر، التي تمثل محاولة سردية لإحياء رموز الانتماء الصحراوي داخل النص الأدبي الجزائري. كما تطرقت بعض المداخلات إلى التحديات المعاصرة التي تواجه الثقافة الحسانية في ظل العولمة، وضرورة ترميم القطيعة المعرفية بين الموروث الشفوي الحساني والمؤسسات الأكاديمية، فضلًا عن إبراز دور الشعر الشفوي والملحون في الجزائر في الحفاظ على بعض ملامح هذه الثقافة.
وقد تميزت الجلسات الأربع بتنوّع الطروحات، مما أضفى على الملتقى حيوية فكرية ونقاشًا علميًا ثريًا.
وفي ختام الملتقى، قُرئت التوصيات التي شددت على أهمية توثيق الثقافة الحسانية وحمايتها من التآكل، ودعت إلى إدماجها في السياسات الثقافية والتعليمية، وتشجيع الإنتاج الأدبي والفني الذي يستلهم رموزها. كما أوصت بدعم البحث الأكاديمي المتخصص، وتوسيع آفاق التعاون العلمي بين مراكز الدراسات في الدول المغاربية والإفريقية، لضمان استمرارية الاشتغال العلمي الجاد على هذا المكوّن الثقافي الأصيل.
براهيم لعجال

























مناقشة حول هذا المقال