محطة بارزة في مسار الدبلوماسية الجزائرية
يأتي تتويج السفير الجزائري عمار بن جامع بلقب “دبلوماسي سنة 2025” تتويجاً لمسار دبلوماسي حافل بالتحركات والمواقف المبدئية التي ميزت أداء الجزائر خلال عهدتها غير الدائمة بمجلس الأمن الدولي.
حيث يشكل التتويج محطة بارزة في مسار الدبلوماسية الجزائرية، ودلالة قوية على الحضور الفاعل للجزائر في الساحة الدولية.
إن هذا التتويج لم يكن حدثاً معزولاً أو مرتبطاً بجهد فردي صرف، بل يعكس ديناميكية دبلوماسية متكاملة انتهجتها الجزائر في محيط دولي بالغ التعقيد، تداخلت فيه المصالح الكبرى وتزايدت فيه التحديات الأمنية والإنسانية.
وفي هذا السياق، يقدم المحلل الجيوسياسي عز الدين نميري قراءة معمقة لدلالات هذا التتويج ولحصيلة الدور الجزائري داخل مجلس الأمن، وانعكاساته على مكانة الجزائر الإقليمية والدولية.
جهد جماعي أكثر من كونه فرديًا
يرى المحلل الجيوسياسي أن هذا التتويج لا يقتصر على بعد فردي، بل يعكس نجاحاً جماعياً لمنظومة دبلوماسية متكاملة استطاعت فرض صوت الجزائر والدفاع عن القضايا العادلة في عالم تحكمه توازنات معقدة.
ويؤكد نميري أن دلالات هذا التتويج تتجاوز الإطار الرمزي، إذ جاء نتيجة جهد دبلوماسي مكثف قاده السفير عمار بن جامع داخل مجلس الأمن على مدار سنة كاملة، من خلال عقد لقاءات وجلسات طارئة ناقشت عددا من بؤر التوتر الإقليمية والدولية. وعلى المستوى الإقليمي، حظيت قضايا الساحل والصحراء الغربية باهتمام خاص، في حين برزت القضية الفلسطينية كأولوية مركزية في الحراك الدبلوماسي الجزائري، حيث نجحت الجزائر في إعادة تسليط الضوء على حقيقة ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكشف ممارسات الكيان الصهيوني من إبادة وتهجير، وإسقاط الروايات التي حاول فرضها على المجتمع الدولي.
وفي هذا الإطار، يبرز المحلل أن التحركات الجزائرية داخل مجلس الأمن ساهمت في فرض نقاش دولي حول ضرورة وقف إطلاق النار في غزة، والشروع في إعادة الإعمار، معتبرا أن النتائج التي تم تحقيقها، ومنها الحركية السياسية والدبلوماسية التي أعقبت ذلك، تشكل دليلا على فعالية الدبلوماسية الجزائرية، كما عكسته أيضا مخرجات قمة شرم الشيخ.
أما على مستوى مكانة الدبلوماسية الجزائرية دوليا، فيرى نميري أن هذا التتويج يؤكد ما تحظى به الجزائر من احترام وثقل لدى العديد من العواصم العالمية، بفضل إرثها التاريخي في صناعة السلام وبناء الأمن. ويضيف أن المقاربة الجزائرية، القائمة على تغليب الحوار والسلم، والابتعاد عن منطق القوة والسلاح في حل النزاعات، جعلت منها طرفا موثوقا يحظى بالتأييد في مختلف المحافل الدولية.
الجزائر والدفاع عن القضايا العادلة
وفيما يخص أسلوب السفير عمار بن جامع في الدفاع عن القضايا العادلة، يشير نميري إلى أن الجزائر عملت دون كلل على إبقاء القضية الفلسطينية في صدارة جدول أعمال مجلس الأمن، من خلال دعوات متكررة لتحرك دولي حقيقي، ومطالبة بمساءلة الكيان الصهيوني قانونيا. وقد ساهم هذا النهج، حسبه، في دفع عدد متزايد من الدول للاعتراف بحق الشعب الفلسطيني، وتقريب آفاق حصول فلسطين على عضوية كاملة في هيئة الأمم المتحدة، في إطار نضال دبلوماسي طويل تقوده الجزائر بثبات.
الدبلوماسية الجزائرية: رؤية استراتيجية مستدامة
ويعتبر المحلل أن تتويج بن جامع يعد اعترافا دوليا بنجاح المقاربة الدبلوماسية الجزائرية القائمة على عدم الانحياز واحترام الشرعية الدولية. فسياسة الجزائر، كما يوضح، تقوم على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ورفض التدخل الخارجي في معالجة الأزمات الداخلية، مع تكريس الحوار كآلية أساسية لحل النزاعات، وفقا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
وبتقييمه لأداء الجزائر خلال عهدتها في مجلس الأمن، يصف نميري هذا الأداء بالإيجابي جدا، مؤكدا أن الجزائر قدمت تصورات واضحة للدفاع عن القضايا العالقة وفق القانون الدولي، رغم صعوبة العمل داخل مجلس تحكمه مصالح القوى الكبرى. ويرى أن الجزائر تمكنت من فرض صوتها عبر مخاطبة الرأي العام العالمي، وتحفيز الشعوب على الضغط على صناع القرار، ما منحها قوة إضافية في الدفاع عن القضايا العادلة.
وفي رده على العلاقة بين التتويج الفردي للسفير بن جامع والنجاح الجماعي للدبلوماسية الجزائرية، يشدد نميري على أن الدبلوماسية الجزائرية هي ثمرة عمل مؤسساتي جماعي، ضمن إطار هيكلي متكامل، سمح لكل الفاعلين بأداء أدوارهم. ومن هذا المنطلق، فإن هذا التتويج يمثل وسام استحقاق للجزائر ككل، حتى وإن حمل اسم ممثلها في مجلس الأمن.
أما عن الدروس المستخلصة من هذه العهدة، فيرى المحلل أنها رسالة واضحة لمن سيخلف الجزائر في مجلس الأمن، مفادها ضرورة التحلي بالشجاعة السياسية، والاستمرار في الدفاع عن القضايا العادلة، وتحمل الضغوط الدولية مهما كانت حدتها، من أجل ترسيخ مبادئ الحق والعدالة على الساحة الدولية.
تحديات النظام الدولي وإصلاح الأمم المتحدة
وفي سياق متصل، تطرق عز الدين نميري إلى تطورات دولية راهنة، من بينها اعتقال الرئيس الفنزويلي، معتبرا أن ما أقدمت عليه الولايات المتحدة يمثل انتهاكا صارخا لمبادئ الأمم المتحدة وتعديا على سيادة دولة عضو، ويعكس منطق القوة الذي بات يحكم العلاقات الدولية.
وذهب إلى أبعد من ذلك بالقول إن العالم اليوم يعيش حالة شبيهة بقانون الغاب، حيث يكال القانون الدولي بمكيالين، ويصطف في كثير من الأحيان إلى جانب الأقوى، في ظل صمت وتواطؤ من الهيئات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن.
ويخلص نميري إلى أن هذه المعطيات تفرض ضرورة إصلاح منظومة الأمم المتحدة، وإعادة النظر في دور ومهام مجلس الأمن، بما يضمن تمثيلا أكثر عدلا وتوازنا، ويحد من هيمنة القطب الواحد، ويفتح المجال أمام نظام دولي أكثر تعددية وإنصافا.
في الختام، يؤكد تتويج السفير عمار بن جامع بلقب دبلوماسي سنة 2025 أن الحضور الجزائري في المحافل الدولية لم يكن ظرفيا أو شكليا، بل نابع من رؤية استراتيجية واضحة ودبلوماسية مبدئية متجذرة في تاريخ الدولة الجزائرية. فقد برهنت الجزائر، خلال عهدتها في مجلس الأمن، على قدرتها على الدفاع عن القضايا العادلة، وفرض خطاب أخلاقي وقانوني في فضاء دولي تحكمه توازنات معقدة ومصالح متضاربة.
كما تعكس هذه التجربة نجاح المقاربة الجزائرية القائمة على احترام الشرعية الدولية، وتغليب الحوار، ورفض منطق القوة والهيمنة، ما منحها مصداقية واحتراما واسعين على الساحة الدولية. ويشكل هذا التتويج، في جوهره، اعترافا جماعيا بالدور الفاعل للدبلوماسية الجزائرية وبقدرتها على التأثير الإيجابي، فضلا عن كونه رسالة تؤكد أن الدفاع عن المبادئ، مهما كانت التحديات، يظل السبيل الأنجع لصون السلم الدولي وترسيخ العدالة في العلاقات بين الدول.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال