في السنوات الأخيرة أصبح من الصعب أن تجد شابا جزائريا لا يملك حسابا على فيسبوك أو إنستغرام أو تيك توك، لم تعد هذه المنصات مجرد مكان للصور والضحك، بل تحولت إلى ساحة أفكار، ونقاشات، وأحيانا معارك.
لكن وسط كل هذا الزخم يبقى الشباب الجزائري من بين الفئات التي يتم التأثير عليها، لماذا؟
أرقام استخدام الإنترنت تقول إن أغلب الجزائريين على الشبكات هم من فئة الشباب وهذا يعني أن أي رسالة أو إعلان أو فكرة موجهة إليهم ستصل بسرعة وبأثر كبير ببساطة هم جمهور ضخم وجاهز.
بحسب أحدث تقارير DataReportal، كان في الجزائر نحو 24.8 مليون هوية مستخدم اجتماعي في مطلع 2024 (أكثر من نصف السكان)، مع نمو سريع سنة بعد أخرى. وهذه الكتلة الشبابية النشطة تجعل أي رسالة أو إعلان أو حملة تأثير تصل بسرعة وتنتشر بفاعلية. هنا تلعب الخوارزميات دور «سمسار الانتباه»: تقيس ما يوقف إبهامك عند التمرير، ثم تغرف لك المزيد منه النتيجة؟ جمهور كبير، وآلة استهداف تعمل بلا كلل.

صحيح أن شبابنا يعرفون استخدام التطبيقات أكثر من أي جيل آخر لكن المشكلة أن البعض لا يتحقق من صحة ما يقرأ أو يشاهد فيديو مثير أو منشور عاطفي قد ينتشر كالنار في الهشيم حتى لو كان كاذبا أو مضللا.
في لغتنا اليومية نقول: «فلان شغوف بالسوشيال»، لكن خلف هذا الشغف توجد ميكانيكا عصبية دقيقة، تظهر أبحاث حديثة أن جداول المكافأة المتقطعة (لايك/تعليق/إشعار يأتي فجأة) ترفع إفراز الدوبامين، ما يعزز الرغبة في المواصلة ويغذي سلوكيات قريبة من الاعتياد القهري. وهذا يطال نظامي المكافأة والانتباه في الدماغ، فيزيد القابلية للإدمان وصعوبة كبح التمرير اللانهائي.
هشاشة الوعي الرقمي
رغم براعة الشباب الجزائري في استخدام التطبيقات، إلا أن مهارة التحقق من صحة المحتوى تبقى ضعيفة. منشور عاطفي أو فيديو مثير قد ينتشر كالنار في الهشيم حتى لو كان مضللا. وهنا تصبح القابلية للتاثير عالية فسواء كانت جهات غير مجهولة أو شركات تجارية أو حتى أشخاص يبحثون عن الشهرة، الكل يعرف أن كسب عقول الشباب وقلوبهم يعني التأثير على المجتمع كله لذلك، تجدهم يضخون محتوى صمم في قوالب بعناية خصيصا لجذب هذه الفئة.
د. الدكتور عبد السلام شبوكي يربط بين الطفولة وبناء الشخصية القابلة للتأثر
شبوكي عبد السلام، أستاذ علم النفس بجامعة جزائرية جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الاسلامية، من مواليد 9 مارس 1988 بمدينة الخروب – قسنطينة، باحث وأكاديمي متخصص في علم النفس التنظيمي وإدارة الموارد البشرية. متحصل على شهادة الليسانس في علم النفس (2012)، والماستر في تخصص علم النفس عمل وتنظيم وإدارة الموارد البشرية (2014)، قبل أن يواصل دراساته العليا بجامعة عبد الحميد مهري – قسنطينة، حيث نال شهادة الدكتوراه سنة 2019 من كلية علم النفس وعلوم التربية.
بدأ مشواره البيداغوجي أستاذاً بمعهد التكوين المهني بالخروب، حيث أشرف على أول مذكرة تخرج في تخصص إدارة الموارد البشرية، ثم توسعت خبرته بالتدريس كأستاذ محاضر ومطبّق في جامعة عبد الحميد مهري (كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية) وجامعة أم البواقي (كلية الإعلام والاتصال). يشغل حالياً منصب أستاذ محاضر “ب” بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية – كلية أصول الدين، بقسنطينة.
يرى أن جذور القابلية للتاثير تبدأ منذ الطفولة: طريقة تنشئة الطفل منذ ولادته تحدد كثيرا من ملامح شخصيته. إذا نشأ في أسرة واعية ووجد حوارا حضاريا بين والديه، فإنه يتعلم التعامل مع أدوات الحياة، ومنها الوسائل الإلكترونية بشكل سليم. أما إذا نشأ في بيئة هشة فإن شخصيته تصبح قابلة لتقبل أي فكر أو معتقد يوافق الهوى، وهنا يظهر الاستعمال السلبي للمواقع.
بين ضعف الإرادة وتصميم المنصات
التشتت هنا ليس «ضعف إرادة» بقدر ما هو تصميم، منصات تبني أرباحها على طول زمن المشاهدة كل إشعار وتوصية وفيديو قصير هو عبارة جزء صغير من الانتباه تنزع من تركيزك العميق، تظهر مراجعات علمية أن الإفراط في التعرض لهذه الدورات السريعة من المكافأة يرتبط بصعوبات في التنظيم الانفعالي والتركيز، كما قد يقترن بتراجع نوعي في الانتباه لدى بعض المراهقين (مع اختلافات فردية)، باختصار: نحن لسنا مقاومين بطبيعتنا لمنتج صمم ليكسر انتباهنا.
وعن سؤالنا حول ما إذا كان إدمان الشباب على المنصات سببه ضعف الإرادة أم تصميمها المدروس يجيب د. شبوكي:
الأمر مزدوج هناك ضعف في الوازع الديني والاجتماعي يجعل الإرادة هشة، خاصة مع الظروف الصعبة التي يعيشها الشباب، فيلجؤون إلى العالم الافتراضي كملاذ لكن في المقابل، هذه المنصات صممت لتغري المستخدم وتستغل وقته.
الفرق أن في الغرب توجد قيود وآليات رقابة تجعل الاستعمال أكثر نفعا، بينما في مجتمعاتنا ترك الباب مفتوحا أمام كل الاستعمالات، ما يهدد الشباب أخلاقيا ونفسيا.
الشباب بطبيعته يعيش مرحلة اكتشاف الذات ويحاول أن يجد مكانه في هذا العالم مواقع التواصل تعطيهم فرصة لصناعة صورة لأنفسهم، لكنها أحيانا تجرهم وراء تحديات غريبة أو أفكار دخيلة على ثقافتنا.
زاويتان مهمتان:
التشتت (Fragmentation): كثرة الانتقال بين مقطع ومقطع، ومهام متنافسة، وومضات مكافأة سريعة، ترهق «ذاكرة العمل» وتضعف الانتباه المستمر، ما ينعكس على الدراسة والعمل. ليس لأن الشاب بلا انضباط، بل لأن البيئة الرقمية تكافئ القفز السريع أكثر مما تكافئ التأمل.
الشغف (Passion / Drive): لا بأس بالشغف حين يوجه نحو التعلم والإبداع. لكن حين يختزل الشغف في مؤشرات سطحية (عدد المتابعين/اللايكات)، يصبح عرضة للاحتلاب النفسي: ارتفاع مؤقت في المزاج مع «لايكات كثيرة»، وهبوط عند قلّتها، وخاصة في الأعمار الحساسة اجتماعيا. هذا التذبذب مزكى علميا: مزاج المراهق يتأثر بتغير عدد الإعجابات، ما قد يزيد السلوك القهري والنشر المتكرر طلبا للمكافأة.
من الجانب العلمي بين سن 10 و19 عاما يمر الدماغ بمرحلة إعادة هيكلة واسعة: حساسية أعلى لمكافآت الأقران، وتقلبات في الوجدان، وازدياد الميل للمخاطرة. في هذه المرحلة تحديدًا يصبح للإعجابات وتعليقات الأقران أثر مضاعف على التمثلات الذاتية وصورة الجسد والاعتداد بالنفس. دراسات في JAMA Pediatrics تابعت مراهقين لسنوات ووجدت أن فحص المنصات الاعتيادي يرتبط بتغيرات في حساسية مناطق دماغية تتعامل مع الثواب/العقاب الاجتماعيين. أي أن الدماغ يتعلم الاستجابة لإشارات السوشيال كما يتعلم أي عادة قوية
فغياب متابعة الأسرة أو المؤسسات يجعل بعض الشباب يقضون ساعات طويلة أمام محتوى أجنبي بلا حدود محتوى تافه وحين لا يجدون إنتاجا محليا جذابا ومقنعا ينجذبون أكثر لما يأتي من الخارج لما تحتويه من رسائل ضمنية حتى لو كانت تلك الرسائل موجهة للتأثير عليهم.
ماذا يقول الدكتور فيفيك مورثي؟
في مايو 2023 أصدر الجراح العام الأمريكي (Surgeon General) تحذيرا رسميا حول وسائل التواصل وصحة الشباب النفسية، خلص فيه إلى أنه لا يمكن الجزم بسلامة المنصات للمراهقين وفق الأدلة المتاحة حاليا. كما أشار إلى أن المراهقين الذين يقضون أكثر من 3 ساعات يوميا على السوشيال يواجهون خطرا مضاعفا لأعراض القلق والاكتئاب. وفي يونيو 2024 دعا لوضع ملصق تحذيري على المنصات شبيه بتحذيرات التبغ لتذكير الأهالي بأن المنصات لم تثبت سلامتها بعد. هذه ليست دعوة للذعر، بل إشارة سياسية صحية لضرورة حوكمة المخاطر بدل ترك الأسر بمفردها أمام خوارزميات ضخمة.
شخصية قيد التشكل ومحتوى يستوطن المخيلة
يبحث الشاب الجزائري، مثل أقرانه عالميا، عن مكان وصوت وهوية. حين يضعف المحتوى المحلي الجذاب، يملأ الفراغ محتوى عابر للحدود، يحمل معه قيما ونماذج قد لا تناسب بيئتنا. ومع أن التبادل الثقافي ليس شرا، إلا أن الانغماس غير النقدي يجعل الاستهداف أسهل: صور متخيلة للنجاح، معايير قاسية للجمال، وسرديات تبسط الواقع وتستغل لاحقا في الاستقطاب.
ماذا نفعل؟ «التربية الإعلامية» كحل عملي
من جهتها، تقترح الأدبيات العلمية جملة أدوات عملية: القراءة الأفقية (التحقق من المصدر بسرعة)، ترويض الإشعارات، تنظيف الجدول الزمني، وخلق مساحات بديلة للشغف مثل الرياضة أو التدوين.
التربية الإعلامية كخط دفاع أول
يؤكد د. شبوكي أن التربية الإعلامية تبدأ من الأسرة التربية الإعلامية هي في جوهرها تربية أسرية، إذا كان الطفل واعيا ونشأ في بيئة واعية، سيختار من تلقاء نفسه محتوى بناء. أما غياب هذه التربية فيجعل الوعي الإعلامي هشا ويزيد من الاضطرابات السلوكية والنفسية…
الحل ليس في إغلاق المنصات او الابتعاد عنها، بل في تقوية وتوعية المستخدم: تربية إعلامية ذكية، سياسات حماية معقولة، ومشاريع محتوى شبابي جاد وجذاب وهادف. عندها فقط يتحول الشاب من مجرد مستقبل إلى صانع رسالة ومالك لزمام انتباهه بفكر نقدي وتمكينه ليصبح قائد الغد.
فاطمة الزهراء عسلون

























مناقشة حول هذا المقال