وأنت تتجول في أحياء الجزائر تلتقي دائما بأشخاص يفترشون الطريق و يمدون يدهم لطلب الصدقة، و لست هنا بصدد محاسبة هؤلاء، لأنه في أغلب الأحيان الحاجة و الفقر و العوز هي من تدفعهم لذلك، رغم أن هناك فئة شاذة تستعمل التسول كطريقة سهلة لكسب الرزق في حين أنها قادرة على العمل و كسب قوتها بعرق جبينها دون الحاجة لاستعطاف الآخرين، فكثيرا ما نلتقي بشباب قوي البنية الجسدية و تجده يتسول مصاريف النقل و يقول بأنه جاء من منطقة بعيدة و لا يملك حق التذكرة مثلا، فهناك طرق عديدة يستعملها الكثير في التسول، و في هذا الموضوع سأحاول تسليط الضوء على الظاهرة ولا أخص بالذكر منطقة عن أخرى، فالظاهرة متواجدة في كل ولايات الجزائر.
المتسول يستعمل طرقا كثيرا لاستعطاف المارة
روت لي صديقتي، بأنها التقت بعجوز في الطريق قالت لها بأن “ابنها الشاب في السجن بسبب مشاركته في الحراك، و أنه لم يفعل شيء و هو مظلوم و ليس منحرف، و هي تريد الذهاب لزيارته في السجن لكنها لا تملك المال لكي تأخذ له “القفة”، و قالت بأن ظروفها الصعبة هي التي دفعتها للتسول اليوم فقط لكي تتمكن من شراء حاجياته، و أن ابنها المسكين يحتاج لأمور كثيرة في السجن و لا يمكنها تلبيتها له، وأنها يجب أن تزوره اليوم و هو موعد الزيارة و…”، قالت صديقتي بأن العجوز كانت تحكي القصة و الدموع تنهمر من عينيها، مما جعلها تتأثر لحالتها الصعبة و تشفقعلى ابنها المسجون، فأعطتها كل المبلغ الذي كان بحوزتها و المقدر بـ 2000دج، و تركت فقط مصاريف النقل، داعية المولى عز و جل أن يفك سراح ابنها و يفرج همها في القريب العاجل، للتفاجئ بعد يومين فقط و هي تمر في طريق آخر في شوارع العاصمة، بنفس العجوز و هي واقفة مع إمرأة أخرى تحكي لها نفس الحكاية و الدموع تغطي وجهها، فأدركت صديقتي أنها متسولة محترفة، تحاول أن تستعطف ضحاياها من النساء لأنهن الأكثر تأثرا و عاطفية، و بدموع التماسيح و حكايتها المؤثرة عن وضع ابنها و حالتها المالية الصعبة يمكنها أن تأخذ منك كل ما يتواجد في محفظتك من نقود، و بإرادتك و أنت تدعوا لها بأن يفك الله أسر ابنها و يفرج كربتها و يطلق سراحه في أقرب الآجال.
نساء جار عليهن الزمن ووجدن أنفسهن مجبرات على التسول
في الشارع الرئيسي للرويبة / الجزائر، تجلس امرأة وفي حجرها طفل صغير، وأمامها صحن فيه دنانير تصدق بها المحسنون عليها، قد تكفي وقد لا تكفيها لسد رمقها وجوع طفلها، بعد أن وجدت نفسها في الشارع دون معيل، عندما تقربت منها لسؤالها عن الظروف التي ساقتها لهذا الوضع المزري مع طفلها الرضيع، قالت بأنها أصبحت أما عازبة، ووجدت نفسها في الشارع بعد أن كانت ضحية لشخص لا يعرف معنى المسؤولية، استغل طيبتها وبراءتها وعدم خبرتها في الحياة، وانتهت علاقتهما بحمل غير شرعي، ليتملص منها ذلك الوحش البشري، كما تبرأت منها عائلتها، تقول بأن “مشاعر الألم والأسى تتعاظم لديها خاصة حينما ترى أن ابنها يتقاسم معها المعاناة يوميا دون ذنب ارتكبه، وهي ترفض تهمة أنها تستغل طفلها من أجل كسب استعطاف الناس، و تقول بأن ظروفها هي من دفعتها لهذا، حتى أنها لا تجد من يتكفل بابنها و لا تملك أي شهادة أو حرفة لتعمل بها، و بأن الحياة جارت عليها و لم تجد سوى هذا الحل ( التسول ) لسد رمقها و تلبية حاجيات طفلها، و قالت في هذا الشأن “ما الحل؟ ليست لدي عائلة أو بيت أترك فيه ابني”، لكنها اعترفت بوجود بعض المتسولات يقمن باستغلال الأطفال في التسول.
و هناك بعض الطرق أصبحت منتشرة أيضا للتسول، في الحافلات مثلا ووسائل النقل الأخرى كالقطارات، و الطرام و الميترو حيث يمر عليك العديد من الأطفال و النساء يطلبون الصدقة، حتى أنه عند استعمال القطار يوميا، ستعتاد على نفس الوجوه، و تكتشف أن التسول أصبح بالنسبة لهم مهنة يومية.
القانون الجزائري يجرم ظاهرة التسول
قانون العقوبات المعدل في 2014 يجرم ظاهرة التسول بالأطفال، ويعاقب بالسجن من ستة أشهر إلى عامين كل من يرتكب جرم التسول بقاصر أو يعرضه للاستغلال، وتتضاعف العقوبة إذا كان مرتكب الجرم من أصول الطفل أو شخص يمتلك سلطة عليه، بينما يعفي القانون أصحاب الوضعيات الاجتماعية الصعبة والمعقدة من العقوبة، كما أن قانون الطفل الجديد الذي تمت المصادقة عليه سنة 2015، أقر آليات لحماية الطفل من ظاهرة التسول باقتراح حلول اجتماعية للظاهرة، من خلال خلق آلية المفوض الذي يقوم على ضمان تمتع الأطفال بكامل حقوقهم.
التسول أصبح مهنة لجنسيات متعددة
رغم القوانين السابقة الذكر، فإن المتجول في الشوارع الجزائرية وفي الساحات العمومية والمسافر عبر الطرق السريعة و في وسائل النقل المختلفة، يلاحظ قوافل من المتسولين، وخاصة النساء من جنسيات إفريقية عديدة إلى جانب سوريات يحملن رضعا في درجة حرارة تفوق الأربعين صيفا، و في برودة تصل لما دون الصفر شتاءا، في مشهد يثير الشفقة تارة على حال هؤلاء النسوة، والغضب والاستنكار تارة أخرى لحال هؤلاء الأطفال الأبرياء في عمر الزهور الذين يستغلون في التسول ويتم تعريض حياتهم ومستقبلهم للخطر، مما يستدعي ضرورة اتخاذ إجراءات قانونية صارمة لوضع حد لظاهرة استغلال الأطفال والرضع في التسول عبر الساحات العمومية وأمام المساجد والطرق السريعة، باعتبار أن هذه الظاهرة تمس بسمعة الجزائر وبالنظام العام، و على السلطات العمومية التدخل بسرعة وبجدية لمحاربة الظاهرة.
غياب إحصائيات رسمية لعدد الأطفال بدون عائلة
وأمام غياب أرقام رسمية تحصي عدد الأطفال المستغلين في التسول خاصة الأطفال ضحايا العلاقات غير الشرعية و الذين لا يملكون أسر و لا مأوى، يجب الإعتراف بأن الظاهرة اتسعت رقعتها في البلاد، خاصة بعد توافد قوافل اللاجئين من الدول الإفريقية والعربية التي تشهد أزمات أمنية و حروب أهلية، و على الجهات المعنية بحقوق و حماية الطفل و المرأة بأن تدق ناقوس الخطر أمام التداعيات السلبية والخطيرة للظاهرة التي ترتبط أيضا بالأزمة الإقتصادية و التحولات الاجتماعية التي طرأت على المجتمع الجزائري خلال العقدين الماضيين، و ما يجعل الأمر أشد خطورة هو شبكات اجرامية متخصصة تقوم باستعمال الأطفال في التسول مقابل مبلغ من المال يوميا.
ظاهرة التسول في الإسلام
التسول ظاهرة تسيء إلى سمعة المجتمع، وتشوه صورته، وتجعل المتسول يظهر بصورة المحتاج والذليل، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم المؤمن بإذلال نفسه، وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذه المهنة ونفر منها، لأن صاحبها يفقد كرامته في الدنيا ويسيء إلى نفسه و عائلته، حيث جاء في حديث أن النبي صلى الله عليه و سلم قال”: اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغنِ يغنه الله، متفق عليه، وحرص الإسلام على حفظ كرامة الإنسان، وصون نفسه عن الابتذال والتعرض للإهانة والوقوف في مواقف الذل والهوان، فحذر من التعرض للتسول الذي يتنافى مع الكرامة الإنسانية التي خصها الله تعالى للإنسان، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) الإسراء/17، وكذلك حرم الإسلام التسول على كل شخص يملك ما يغنيه عنها من مال أو قدرة على العمل، سواء كان ما يسأله زكاة أو تطوعا أو كفارة، ولا يحل للمتسول أخذه، لقوله صلى الله عليه وسلم: “إِذا سأَلت فاسأَل اللَّه، وإذا استعنت فاستعن بالله” رواه الترمذي، فالمحترف لهذه المهنة القبيحة و هو قادر على العمل و كسب قوته بعرق جبينه، فهو يأكل أموال الناس بالباطل، ويطعم أبناءه مالا حراما.
ومما يسيء إلى صورة المجتمع الجزائري أن نرى أطفالا صغارا ونساءا أُرسلوا من قبل أوليائهم إلى الطرقات وأبواب المساجد، ويجوبون الشوارع حفاة، يظهرون العوز والفاقة والكآبة ليستعطفوا الناس.
وقد عالج الإسلام هذه الظاهرة المسيئة للفرد و للأسرة و للمجتمع، بتحريم التسول، والحض على العمل والإنتاج، وجعل أفضل ما يأكل الرجل من كسب يده، لقول صلى الله عليه وسلم: (ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي اللَّه داود عليه السلام، كان يأكل من عمل يده) رواه البخاري .
وأما من كان في ضيق وكربة، فعليه التوجه للجهات المعنية، من سلطات محلية و جمعيات خيرية و تضامنية، و هي كثيرة في بلادنا، و على السلطات أن تجد حلولا و ضوابط قانونية أكثر حزما للحد من انتشار هذه الظاهرة في مجتمعنا.
كريمة بندو
























مناقشة حول هذا المقال