في عالم يشهد تحولات سريعة، وتزايدًا في أهمية الرقمنة والخدمات اللوجستية الذكية، تظهر شركات محلية تحمل رؤية جديدة للتطوير والابتكار، وسط هذا المشهد، يبرز اسم “ياليدين” كواحدة من أهم التجارب الجزائرية التي نجحت في بناء نموذج عمل مبتكر يجمع بين التكنولوجيا والخدمة العمومية، ويمنح الشباب مساحة واسعة للتجريب، التعلم، وبناء مشاريع قادرة على المنافسة.
ولم تعد الخدمات اللوجستية مجرد توزيع الطرود أو نقل المنتجات؛ بل أصبحت جزءًا من منظومة اقتصادية كاملة تعتمد على الرقمنة، التتبع، تحليل البيانات، والسرعة في اتخاذ القرار، وفي الوقت الذي يبحث فيه آلاف الشباب الجزائريين عن موطئ قدم داخل السوق الرقمية، تفتح “ياليدين” أبوابها لهم من أجل التكوين، المرافقة، وبناء مستقبل مهني مختلف.
وفي هذا الحوار خص به جريدة “عالم الأهداف“، يكشف مدير العلاقات الخارجية والعامة بـ “ياليدين”، توميات جمال الدين عن رؤية المؤسسة، برامجها الجديدة، استراتيجية إدماج الشباب في العالم الرقمي، والتحديات التي تواجه السوق الوطنية، كما يتحدث عن الحاضنة التي تم إطلاقها خلال 2025، وأثرها المنتظر على المنظومة الريادية في الجزائر.
أولاً وقبل كل شيء، العديد من القراء يريدون التعرف على مدير مؤسسة ياليدين الرائدة في خدمات التوصيل؟ وكيف جاءت فكرة الإنشاء؟
تعود فكرة تأسيس شركة ياليدين إلى عام 2012، حين كان مؤسس الشركة السيد نور الدين قمار يعمل في شركة دولية عالمية في مجال متشابه كان يتميز بذكائه وسرعة فهمه، وأدرك أن السوق الجزائرية بحاجة إلى شركات وطنية رائدة في مجال التوصيل، بدل انتظار شركات أجنبية لدخول السوق.
فقرر إنشاء أول شركة جزائرية تقدم خدمات التوصيل بكفاءة عالية، مع منصة متكاملة وامتلاك شبكة عملاء واسعة، مع الاستفادة من خبراته السابقة، بدأ العمل بجهود كبيرة، حيث كانت البداية صعبة جدًا، خاصة في بناء شبكة لوجستية تضم شاحنات وأفراداً موثوقين.
ومع مرور الوقت، توسعت الشركة تدريجيًا لتشمل العاصمة والقبائل وبومرداس، وبدأت تكسب ثقة كبار العملاء، بما فيهم شركات أجنبية في مجالات التجميل وغيرها، الذين منحونا منتجاتهم للتوزيع على المستوى الوطني.
وفي عام 2019، ومع صدور قانون التجارة الإلكترونية، ازداد تنظيم السوق، وحين بدأ كوفيد-19، استغلت ياليدين الفرصة لتقديم خدماتها بشكل مكثف، ما جعلها تكتسب مكانة قوية وسجلت تقدماً كبيراً في السوق.
اليوم، الشركة تمتلك أسطولًا كبيرًا من الشاحنات، وفروعًا منتشرة في 58 ولاية تقريبًا، ويعمل بها أكثر من 3 آلاف عامل مباشر وغير مباشر، وتستحوذ على حوالي 57٪ من حصة السوق، وهو ما يعود أساسًا إلى جهود جميع الموظفين والطاقم الذي ساهم في نمو ياليدين.
مع التوسع السريع لسوق التوصيل في الجزائر… كيف تقيّمون الدور الذي أصبحت تلعبه ياليدين في تطوير هذا القطاع وتعزيز ثقافة التجارة الإلكترونية؟
اليوم، أصبحت ياليدين شركة ذات مكانة مرموقة في السوق الجزائرية، لا يقتصر دورها على التوزيع فقط، بل تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا في جميع جوانب عملها، سواء من خلال المنصة الرقمية أو نظم العمليات الداخلية.
وخلال السنوات الأخيرة، شجعت ياليدين الابتكار وأعطت الفرصة للشباب والشركات الناشئة لتحقيق طموحاتهم، سواء من خلال الدعم المباشر أو تقديم الخبرة والنصائح، مما ساهم في تعزيز ثقافة ريادة الأعمال والتجارة الإلكترونية في الجزائر.
كما أصبحت الشركة الآن تدير عدة مشاريع ناشئة، حوالي خمس أو ست شركات، ضمن حاضنة أعمال تنظمها ياليدين، لتطوير مجالات جديدة والاستثمار في الابتكار، وهو ما يعكس التزامها بدعم الشباب والمساهمة في تطوير القطاع بشكل مستدام.
في ظل التحول الرقمي الذي يشهده العالم اليوم… ما أهم الابتكارات التكنولوجية التي اعتمدتم عليها لضمان السرعة، الدقة، وتحسين تجربة الزبون؟
تعتمد ياليدين بشكل كبير على التكنولوجيا والابتكار في جميع عملياتها، وأهم ما نعتمده يشمل المنصة الرقمية الذكية التي تمكننا من متابعة كل الطرود بطريقة دقيقة، مما يضمن السرعة والدقة في التوصيل، كما تساعد المنصة على إدارة الموارد البشرية والمالية وتتبع الأداء الاقتصادي للشركة، كما نستثمر في ابتكارات الشركات الناشئة ونعمل معهم لتطوير حلول جديدة لتحسين خدماتنا، سواء في الميدان أو العتاد أو نظم التتبع للعملاء.
بالإضافة إلى ذلك، لدينا نظام رقمي ينظم دخول الزبائن للفروع لتفادي الاكتظاظ وضمان تجربة مريحة، مع متابعة الأداء وتحسين جودة الخدمة باستمرار من خلال فريق مختص في التطوير والابتكار، كما نقوم حاليًا بتطوير خاصية تتيح للزبون تقديم شكاواه عبر المنصة والحصول على رد أوتوماتيكي، مما يعزز سرعة الاستجابة ورضا العملاء، كل هذه الابتكارات تجعل تجربة الزبون أكثر سلاسة وموثوقية، مع الحفاظ على سرعة الخدمة ودقة العمليات.
مع تعدد التحديات اللوجستية والعملياتية… ما أبرز العراقيل اليومية التي تواجه المؤسسة، وكيف تعملون على تجاوزها لضمان استمرارية الخدمة على المستوى الوطني؟
الحقيقة أننا لا نعتبر ما نواجهه عراقيل بمعناها السلبي، بل هي تحديات طبيعية يمر بها أي سوق أو قطاع، خاصة في مجال التوصيل الذي لم يتم تنظيمه بالكامل بعد في الجزائر، أبرز هذه التحديات تتعلق بالقوانين التي تنظم السوق، إذ يجب أن يكون هناك تشريع واضح يحدد حقوق وواجبات شركات التوصيل والعملاء، وهذا الدور من اختصاص المشرع، لكنه يحتاج إلى اعتماد على خبرات الشركات العاملة في هذا المجال لتحديد نطاق العمل ووضع منظومة متكاملة.
من ناحية أخرى، هناك بعض المشاكل الميدانية المتعلقة بالتعامل مع السلطات المحلية، مثل الشرطة أو الجهات المختصة بالطرق، حيث يفتقد البعض الفهم الكامل لطبيعة عمل شركات التوصيل والالتزامات المترتبة عليها، لذلك، من الضروري وجود تنسيق مستمر بين جميع الأطراف المعنية لتفادي أي سوء تفاهم وضمان سير العمليات بسلاسة.
كما نواجه بعض التحديات اللوجستية، أبرزها نقص الأسطول والشاحنات مقارنة بالطلب المتزايد، ما يفرض علينا العمل على تحسين إمكانياتنا اللوجستية باستمرار، وتطوير أساليب التنظيم الداخلي لضمان السرعة والدقة في التوصيل، مع الحفاظ على جودة الخدمة في جميع الولايات، كل هذه الجهود تجعلنا قادرين على تجاوز الصعوبات اليومية وضمان استمرارية الخدمة على المستوى الوطني.
الثقة عنصر أساسي بين المؤسسات والمتعاملين… ما هي سياستكم في إدارة شكاوى الزبائن، وكيف تضمنون بناء علاقة مستدامة مع التجار والمتعاملين عبر المنصة؟
الثقة هي الأساس الحقيقي لنجاح أي مؤسسة تعمل في مجال التوصيل، خاصة في سوق لم يكن منظمًا بالشكل الكافي في بداياته، قبل سنوات، كان المتعامل أو الزبون لا يملك الضمانات الكافية ليثق في الشراء عبر الإنترنت، سواء من ناحية سلامة المنتج أو من ناحية استرجاع المال، ومع ظهور ياليدين، عملنا منذ اليوم الأول على بناء هذه الثقة من خلال توفير ركيزتين أساسيتين: ضمان وصول المنتج سليماً وبدون عيوب، وضمان استرجاع الأموال بكل شفافية، هذه المبادئ جعلت التاجر والمشتري يشعران بالأمان في معاملاتهم.
ومن جهة أخرى، نحرص على أن يكون المنتج في وجهته في أقصر وقت ممكن، سواء في ولايات الشمال حيث يصل في أقل من 24 ساعة، أو في الولايات الجنوبية التي تُسلّم خلال 48 إلى 72 ساعة، فالسرعة والدقة عنصران حاسمان في بناء علاقة متوازنة بيننا وبين المتعاملين، كما نلتزم بتسليم الأموال للتجار بانتظام وبشكل يومي تقريبًا، وهي نقطة أساسية لا توفرها سوى قلة قليلة من الشركات، هذا الالتزام يخلق راحة نفسية للتاجر ويجعله يختار التعامل معنا باستمرار.
أما بخصوص الشكاوى، فقد طورنا نظامًا رقميًا يتيح للزبون أو التاجر تقديم شكواه مباشرة عبر المنصة، مع العمل على توفير ردود تلقائية ومتابعة دقيقة لكل الحالات، الهدف هو أن يشعر المتعامل بأن صوته مسموع وأن مشكلته تُعالَج بسرعة وشفافية، كما أن وجود منصة رقمية تُمكّن المشتري من تتبع طرده لحظة بلحظة يُعد عنصرًا مهمًا في تعزيز الثقة، لأن الزبون يعرف أين وصل منتجه دون الحاجة إلى انتظار مكالمات أو وعود غير دقيقة.
نحن نؤمن أن الثقة لا تُبنى بالكلام، بل بالمصداقية والالتزام، ولذلك نركز على جودة الخدمة، سلامة الطرود، احترام الآجال، والوضوح في التعاملات المالية، هذه السياسة هي التي تجعل العلاقة بين ياليدين والمتعاملين علاقة طويلة المدى ومبنية على أساس متين.
في وقت يبحث فيه الكثير من الشباب عن فرص داخل السوق الرقمية… كيف تدعم “ياليدين” الشباب المبتكرين، وهل لديكم برامج أو مبادرات تشجع على إدماجهم في المجال اللوجستي والرقمنة؟
في الحقيقة، دعم الشباب المبتكرين ليس جديدًا بالنسبة لنا في “ياليدين”، فقد كنّا نرافق العديد منهم منذ سنوات، لكن تلك الجهود كانت في السابق غير منظمة وغير مؤطرة بالشكل الكافي، كان الشاب قد يمتلك فكرة جيدة، لكنه يفتقر إلى التمويل ولا يعرف كيف يجسّد مشروعه أو كيف يحوله إلى منتج حقيقي يمكن دخوله للسوق، وهنا كنّا نتدخل كخبراء لتوجيهه وتقديم النصائح، وأحيانًا ربطه بأشخاص قد يساعدونه.
ومن هذا الواقع وُلدت فكرة أن تكون لـ “ياليدين” حاضنتها الخاصة، والحمد لله، في سنة 2025 أصبح لدينا حاضنة متكاملة تُسيّر بطريقة احترافية، وتعمل وفق برنامج سنوي مضبوط يرافق الشباب من المراحل الأولى إلى غاية تجسيد مشاريعهم.
هذه الحاضنة توفّر إطارًا منظّمًا حيث يتعلم الشباب كيفية تطوير أفكارهم، إعداد نماذج أوّلية، ودراسة السوق، كما نوفّر لهم ورشات تكوين في الرقمنة واللوجستيك، بما ينسجم مع تطوّر السوق الرقمية ومتطلباتها.
وعلاوة على ذلك، نعمل على إطلاق برنامج تنافسي سنوي، أين يتبارى الشباب حاملو المشاريع للفوز بالجائزة الأولى، والتي نسعى لأن تكون دعامة فعلية لنقل مشاريعهم إلى مستوى أكثر احترافية وتمكينهم من دخول السوق الوطنية وربما حتى الدولية.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال