في أجواء سينمائية واعدة، تستعد الجزائر لاحتضان الطبعة الثانية عشرة من مهرجان الجزائر الدولي للفيلم من 4 إلى 10 ديسمبر 2025، وهي دورة تعِد بأن تكون استثنائية سواء من حيث البرمجة أو من حيث الرؤية الجديدة التي أعلن عنها المنظمون، أمس، خلال الندوة الصحفية التي احتضنها المسرح الوطني محي الدين بشطارزي.
ويأتي هذا الموعد ليعطي دفعاً جديداً للساحة السينمائية الوطنية عبر استرجاع علاقة الجمهور بالسينما وتحويل المهرجان إلى منصة فاعلة تمتد أنشطتها على مدار السنة.
استعادة الجمهور… أولوية المحافظة على روح السينما
وبالمناسبة، أكد مهدي بن عيسى، محافظ مهرجان الجزائر الدولي للفيلم، أن الهدف الأول لهذه الطبعة يتمثل في إعادة ترسيخ حضور الجمهور في القاعات السينمائية، بعد سنوات من القطيعة التي شهدتها الجزائر منذ التسعينيات.
وأوضح أن دورة هذا العام ستقام عبر موقعين رئيسيين، مع برمجة العروض في قاعتين بقصر الثقافة وثلاث قاعات في وسط العاصمة، وهي خطوة قال إنها تهدف إلى “الاقتراب أكثر من المواطن وإعادة توجيهه نحو فضاءات السينما”.
وأشار بن عيسى إلى أن أكثر من 100 فيلم وقع عليها الاختيار للمشاركة، إضافة إلى برمجة ضيف شرف سيتم كشفه لاحقاً، مشدداً على أن المهرجان يعمل على خلق شبكة عرض دائمة عبر شراكات مع عدة فضاءات ثقافية، بهدف جعل السينما نشاطاً مستمراً وليس حدثاً يُقام مرة كل عام.
كما كشف عن تحضير فيلمين مهمين لعام 2025 لم يُعرضا حتى الآن لا محلياً ولا دولياً، ما يمنح الجمهور فرصة مشاهدة أعمال لأول مرة على شاشة مهرجان الجزائر.
برنامج غني بـ101 فيلم… وإدراج مسابقات جديدة
كما تتضمن الطبعة الثانية عشرة برنامجاً متنوعاً يضم 101 فيلماً داخل وخارج المنافسة، من بينها 50 فيلماً موزعاً على المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة والوثائقية والقصيرة.
وتتميز هذه الدورة بإطلاق “المسابقة التقنية” لأول مرة، في خطوة تهدف إلى مكافأة المهن السينمائية المختلفة وتعزيز الاحترافية، كما تمت إضافة فئة “فيلم المعرفة والعلوم” التي تساهم في إثراء العروض خارج المنافسة، وهو توجه يعكس رغبة إدارة المهرجان في الانفتاح على سينما الأفكار والبحث المعرفي.
ومن المنتظر أن تُعرض الأفلام في خمس قاعات رئيسية إلى جانب فضاءات مخصّصة للصحافة والتكوين، ما يضفي على المهرجان طابعاً وطنياً واسعاً، ويجعله أقرب إلى الجمهور، خاصة أن معظم القاعات تقع في قلب العاصمة وبالقرب من وسائل النقل.
“سيني لاب”… مختبر تكويني ومساحة للمهنيين الشباب
من جانبها، أكدت نبيلة رزايق، المديرة الفنية للمهرجان، أن برنامج هذه الدورة صُمم ليكون بمثابة “نادي سينمائي كبير”، يهدف إلى مصالحة الجمهور مع الفن السابع ومرافقة المواهب الصاعدة.
وأوضحت أن البرنامج التكويني “سيني لاب CinéLab” يتضمن خمس دروس متقدمة، وثلاث جلسات حوارية، بالإضافة إلى ورشة تدريب المدربين بالتعاون مع خبراء من “فيلم لاب فلسطين”، وورشة لكتابة السيناريو يشرف عليها مختصون في المجال.
وأشارت رزايق إلى أن هذه الدورة تأتي ضمن تصور شامل يجعل من المهرجان قاطرة لدعم الصناعة السينمائية، خصوصاً بعد تنظيم أيام الفيلم الفلسطيني في نوفمبر الماضي عبر ست ولايات، مؤكدة أن العمل سيستمر بعد المهرجان من خلال تفعيل نتائج ورشة تدريب المدربين وتوسيع النشاطات السينمائية خارج العاصمة.
عرضان استثنائيان للافتتاح والاختتام… بين الذاكرة والراهن الإنساني
وتفتتح الدورة بعرض سينما-حفل (Ciné-Concert) للفيلم الجزائري المرمم “غطّاسو الصحراء” (1952/2024) للمخرج طاهر حنّاش، وهو أول فيلم جزائري محفوظ، يُعرض بنسخته الجديدة مع مرافقة موسيقية حيّة يقودها المايسترو خليل بابا أحمد، في احتفاء بذاكرة السينما الجزائرية وروّادها.
أما فيلم الاختتام فسيكون “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، وهو أحد أبرز الأعمال السينمائية لهذا العام، حيث يجسد معاناة الطفلة هند وسط القصف في غزة، بالاعتماد على تسجيلات حقيقية.
وقد حصد الفيلم عدة جوائز دولية بينها الأسد الفضي، ويُرشَّح للأوسكار، كما افتتح واختتم مهرجانات كبرى عبر العالم، ما يجعله محطة إنسانية قوية في ختام المهرجان.
تطبيق إلكتروني ومسارات سينمائية لتعزيز علاقة المواطن بالمهرجان
كما قدمت المديرة الفنية تفاصيل حول إطلاق تطبيق إلكتروني خاص بالمهرجان يتيح للمواطنين الاطلاع على البرنامج الكامل، مواعيد العروض، أماكن القاعات، وتنظيم وقتهم بسهولة، مبرزة أن “المواطن العادي هو أساس هذه الخطوة، في زمن أصبح فيه الهاتف الذكي الوسيلة الأساسية للمعلومة”.
كما تم الكشف عن خمسة مسارات سينمائية معتمدة من ولاية الجزائر، تتوزع بين القصبة والعاصمة وتركز على مواقع تصوير العديد من الأفلام الجزائرية والأجنبية، في محاولة لربط السينما بالفضاء السياحي وإعطاء الجمهور تجربة اكتشاف مغايرة تجمع بين الصورة والمكان.
بهذا الزخم التنظيمي والفني، تبدو الطبعة الثانية عشرة لمهرجان الجزائر الدولي للفيلم حسب الحضور على موعد مع إحداث نقلة نوعية تعيد للسينما مكانتها داخل المجتمع، فبين برنامج غني، ورؤية جديدة، وتكوين مهني، وفضاءات مفتوحة للجمهور، يطمح المهرجان إلى أن يتحول إلى منصة مؤثرة وفضاء دائم للحوار والإبداع، وأن يعيد للجمهور الجزائري شغفه بالفن السابع.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال