أكد وزير العدل، حافظ الأختام، لطفي بوجمعة، أن مشروع التعديل الدستوري جاء بعد مرور أكثر من خمس سنوات على صدور دستور 2020، وفي سياق استكمال بناء المؤسسات الدستورية المنبثقة عنه، حيث أظهرت الممارسة الميدانية في تنظيم وسير بعض المؤسسات والهيئات العمومية الحاجة إلى إدخال تحسينات تقنية دقيقة على عدد من أحكامه.
وأوضح الوزير، اليوم، خلال تقديمه عرضًا شاملاً حول مشروع القانون المتضمن التعديل الدستوري، أمام اللجنة البرلمانية المشتركة، أن هذا المشروع يندرج في إطار تطبيق أحكام المواد 193 و219 و221 من الدستور، مشيرًا إلى أن المحكمة الدستورية أصدرت رأيًا معلنًا أكدت فيه أن التعديل المقترح لا يمس إطلاقًا بالمبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري، ولا بحقوق الإنسان والحريات، كما لا يؤثر على التوازنات الأساسية بين السلطات الدستورية.
ويُعد هذا الرأي، بحسب الوزير، أساسًا دستوريًا يتيح لرئيس الجمهورية إصدار مشروع القانون المتضمن التعديل الدستوري بعد مصادقة البرلمان عليه بأغلبية ثلاثة أرباع أعضائه.
وأكد بوجمعة أن الهدف الأساسي من هذا التعديل يتمثل في معالجة النقائص التقنية التي كشفت عنها التجربة العملية، سواء من خلال إزالة الغموض الذي يكتنف بعض الأحكام، أو معالجة حالات التعارض بينها، أو سد الفراغات التي لم يتطرق إليها النص الدستوري الحالي، بما يضمن انسجام المنظومة الدستورية ويعزز فعالية أداء المؤسسات، فضلًا عن توفير حماية أكبر للحقوق والحريات.
وفي هذا السياق، شدد الوزير على أن إعداد المشروع تم وفق مقاربة تشاركية قائمة على الحوار والتشاور، تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، حيث تم إشراك مختلف التشكيلات السياسية في دراسة التعديلات المقترحة خلال ندوة وطنية احتضنها قصر الأمم بتاريخ 24 نوفمبر، أين قدمت الأحزاب السياسية جملة من المقترحات والملاحظات، تم الأخذ بأغلبها، خاصة تلك التي حظيت بإجماع أو توافق واسع.
تعديلات تقنية لتعزيز الانسجام الدستوري وتحسين أداء المؤسسات
ويتضمن مشروع التعديل الدستوري اثني عشر إجراءً تقنيًا، تمس عدة مجالات تتعلق بتنظيم السلطات وعمل المؤسسات الدستورية.
ومن أبرز هذه التعديلات، اقتراح إدراج شرط إثبات مستوى تعليمي للمترشح لمنصب رئيس الجمهورية، وذلك بالنظر إلى أهمية هذا المنصب السامي وما يتطلبه من قدرة عالية على استيعاب القضايا المعقدة واتخاذ قرارات مصيرية تمس مختلف جوانب الحياة الوطنية.
كما يقترح المشروع ضبط مراسم أداء اليمين الدستورية لرئيس الجمهورية، من خلال تحديد الهيئة التي يتم أداء اليمين أمامها، حيث يُقترح أن تكون أمام البرلمان بغرفتيه مجتمعين، تجسيدًا لمبدأ تمثيل الشعب، في حالة شغور المجلس الشعبي الوطني، يمكن أداء اليمين أمام مجلس الأمة.
و فكما ينص التعديل على دسترة التقليد القائم المتمثل في تولي الرئيس الأول للمحكمة العليا تلاوة نص اليمين، بالنظر إلى مكانة هذه الهيئة القضائية ودورها في المنظومة القانونية.
وفي جانب آخر، يتضمن المشروع توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية لتشمل إمكانية الدعوة إلى انتخابات محلية مسبقة، إلى جانب الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وذلك لسد الفراغ الدستوري وتحقيق الانسجام بين مختلف العمليات الانتخابية.
أما فيما يتعلق بالسلطة التشريعية، فيقترح المشروع تعديل طريقة تمثيل الولايات في مجلس الأمة، من خلال اعتماد معيار عدد السكان بدل التمثيل الثابت، بما يعكس الواقع الديمغرافي ويحقق عدالة أكبر في التمثيل.
كما يقترح تمديد مدة رئاسة مجلس الأمة من ثلاث إلى ست سنوات، بهدف ضمان استمرارية العمل البرلماني والحفاظ على الخبرة داخل هذه المؤسسة.
ويشمل التعديل أيضًا منح مرونة أكبر في تحديد تاريخ افتتاح الدورة العادية للبرلمان، حيث يُقترح أن يكون ذلك خلال شهر سبتمبر دون تحديد يوم معين، بما يسمح بتكييف أفضل مع الظروف العملية.
وفيما يخص العلاقة بين غرفتي البرلمان، يعالج المشروع مسألة الخلافات التشريعية بينهما، من خلال منح الكلمة الفصل للجهة المختصة حسب طبيعة النص محل الخلاف، سواء كان المجلس الشعبي الوطني أو مجلس الأمة، وهو ما يعزز مبدأ التوازن والتكامل بين الغرفتين.
كما يتضمن المشروع إعادة النظر في تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء، من خلال حذف بعض التمثيلات التي قد تؤدي إلى تضارب في المهام، مثل التمثيل النقابي، وإدراج أعضاء جدد يساهمون في تعزيز انسجام عمل المجلس، على غرار النائب العام لدى المحكمة العليا.
وفي الجانب المتعلق بالتعيينات القضائية، يقترح التعديل اعتماد صيغة الاستشارة بدل الرأي المطابق للمجلس الأعلى للقضاء عند التعيين في الوظائف القضائية النوعية، تفاديًا لأي تعارض محتمل مع صلاحيات رئيس الجمهورية في هذا المجال.
ومن بين النقاط الهامة كذلك، توسيع مهام السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات لتشمل الرقابة على العمليات الانتخابية والاستفتائية، مع إسناد الجوانب المادية والتنظيمية للإدارة، بما يسمح لهذه الهيئة بالتركيز على دورها الرقابي وتعزيز شفافية العملية الانتخابية.
كما ينص المشروع على إدراج أحكام انتقالية لضمان تكيّف المؤسسات والهيئات مع التعديلات الجديدة في آجال معقولة، إضافة إلى معالجة مسألة التجديد النصفي لأعضاء مجلس الأمة في حال استحداث ولايات جديدة، بما يضمن استمرارية مؤسسات الدولة وتفادي أي فراغ قانوني.
واختتم وزير العدل عرضه بالتأكيد على أن هذا التعديل لا يهدف إلى تغيير جوهر الدستور، بل يندرج في إطار تحسينه تقنيًا وتكييفه مع متطلبات الواقع، بما يعزز أداء المؤسسات الدستورية ويكرس مبادئ الحكم الراشد ودولة القانون.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال