احتضنت المدرسة الوطنية العليا للصحافة وعلوم الإعلام امحمد يزيد فعاليات الملتقى الوطني الأول الموسوم بـ “حرية الصحافة في البيئة الرقمية: إشكالات وتحديات”، اليوم تزامنا مع اليوم العالمي لحرية الصحافة، وبمشاركة نخبة من الأساتذة والباحثين من مختلف جامعات ومراكز الوطن.
حرية الصحافة في الجزائر بين المكاسب الدستورية والتحولات التشريعية
استهلت أشغال الملتقى رئيسة التظاهرة، الدكتورة جميلة بن زيدون ابراهيمي، بالتأكيد على أن حرية الصحافة من الحريات الأساسية التي أكدت عليها المواثيق والدساتير، مذكرة بإعلان الجمعية العامة سنة 1993 الثالث ماي يوما عالميا لحرية الصحافة، ليصبح موعدا للاحتفال بهذا المكسب التاريخي.
وأشارت إلى أن الجزائر لم تكن بمنأى عن هذا المسار، حيث تم الاعتراف بحرية الصحافة من خلال دستور 1989، ثم قانون 90 (المادة 14) الذي نص لأول مرة على حرية إصدار الصحف، ما أتاح هامشا من الحرية سمح بظهور الصحافة الخاصة، ليأتي بعدها القانون العضوي لسنة 2012 الذي اعترف بالصحافة الإلكترونية وفتح المجال السمعي البصري للاستثمار الخاص.
حرية الصحافة في البيئة الرقمية وأزمة النموذج الاقتصادي
وأضافت أن حرية الصحافة في البيئة الرقمية الجديدة تعيش أصعب أوقاتها، في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية وأزمة النموذج الاقتصادي، ما يجعلها رهينة سلطة المال والريع الإشهاري، مؤكدة أن تطبيقها مرهون باستقلالية الإعلام والالتزام بقواعد أخلاقيات المهنة. وفي هذا السياق، جاء تنظيم هذا الملتقى لمعالجة فلسفة حرية الصحافة وتكييفها مع العصر الرقمي.
كما أوضحت أن الملتقى تضمن خمسة محاور أساسية، وتم الإعلان عنه بداية شهر مارس إلى غاية 28 أفريل، حيث استقبلت اللجنة العلمية أزيد من 80 مداخلة من مختلف الجامعات والمراكز الجامعية، وضم الملتقى 40 مداخلة علمية قدمت ضمن خمس جلسات، من بينها جلستان عن بعد، بمشاركة 25 جامعة ومركز جامعي من مختلف أنحاء الوطن.
وفي هذا السياق، تضمنت الجلسة العلمية الصباحية الأولى مداخلات ثرية قدمها أساتذة بدرجة بروفيسور، كل من :هدير محمد، بوجمعة رضوان، تامي نصيرة، بن صغير يعقوب، قرساس آمال، وبلحاجي وهيبة، حيث عالجوا زوايا متعددة من إشكاليات حرية الصحافة في البيئة الرقمية. كما تواصلت أشغال الملتقى خلال الفترة المسائية عبر الجلستين الثانية والثالثة، اللتين شهدتا بدورهما مداخلات علمية قيمة أسهمت في تعميق النقاش وإثراء الطرح الأكاديمي.
الملتقى الوطني الأول: نحو مقاربة متعددة التخصصات للإعلام والاتصال
من جهته، أكد مدير مخبر البحث في وسائل الإعلام والاستخدامات الاجتماعية والاتصال، البروفيسور دريس شريف، أن هذا الملتقى يعد النشاط الأول المبرمج لسنة 2026، بالشراكة مع فرقة بحث سرديات وسائل الإعلام والخطاب ممثلة في رئيسها البروفيسور نسيم بوقطاية، وتحت الإشراف العلمي للدكتورة جميلة بن زيدون ابراهيمي.
وأشار إلى أن حرية الصحافة من أهم المواضيع التي تشغل الباحثين في علوم الإعلام والاتصال، إلى جانب مهنيي وممارسي مهنة الصحافة، خاصة في خضم العقد الثالث من الألفية، حيث تواجه الصحافة تحديات جمة: سياسية، جيوسياسية، اقتصادية وتكنولوجية، في عالم متحول يعج بمقالات نوعية وهيكلية يمكن أن تغير نظرتنا إلى ممارسة المهنة.
وأضاف أن معالجة هذا الموضوع جاءت لأسباب عدة، أهمها أهميته وتزامنه مع اليوم العالمي لحرية الصحافة، إضافة إلى التحدي التكنولوجي في المجال الرقمي وما يطرحه من إشكالات مرتبطة بالنماذج الاقتصادية الجديدة، وكيف تتفاعل وسائل الإعلام معها وتتكيف معها. كما أشار إلى الإعلام الجديد والممارسة الإعلامية الجديدة، وقضية ضبط الصحافة وتنظيمها وأخلقة هذه الممارسة، مؤكدا أننا نعيش نوعا من التهجين في العلوم الاجتماعية، ما يفرض اعتماد مقاربة متعددة التخصصات.
خرفية جودي: حرية الصحافة بين الضبط الخوارزمي والتحولات الرقمية
وفي تصريح لجريدة “عالم الأهداف”، أوضحت الدكتورة خرفية جودي، أستاذة بالمدرسة العليا للصحافة وعلوم الإعلام، أن هذا الملتقى ناقش على مدار يوم كامل وخلال خمس جلسات متتالية أبرز القضايا المتعلقة بحرية الصحافة، من خلال إثراء الأطر المفاهيمية والفلسفية، والتعرف على مختلف القضايا والرهانات المرتبطة بها، وصولا إلى استشراف اتجاهات حرية الصحافة، خصوصا في البيئة الرقمية.
وأضافت أن العديد من المداخلات جاءت ضمن سياق البحث في إشكاليات تطور الصحافة وحرية الصحافة في البيئة الرقمية، خاصة في ظل تدفق البيانات والسيولة والضبط الخوارزمي والقمع الخوارزمي، وما تمارسه الخوارزميات والتكنولوجيات داخل هذه البيئة.
واعتبرت أن هذا الملتقى من أوائل اللقاءات العلمية التي قاربت موضوع حرية الصحافة في البيئة الرقمية من خلال الأطر القانونية والتنظيمية والتشريعية والأخلاقية التي من شأنها تطوير الممارسات.
توصيات الملتقى: نحو تعزيز الإطار القانوني والأخلاقي للإعلام
وعلى مدار خمس جلسات متتالية وبمشاركة أزيد من 25 جامعة ومركز جامعي، تم عرض جملة من التوصيات، من أبرزها:
استمرار الملتقيات الوطنية والدولية لإدارة النقاش العلمي والأكاديمي في مجال حرية الصحافة.
تشكيل منظومة تشريعية جزائرية للدفاع عن الحقوق المجاورة لوسائل الإعلام.
تطوير قانون الإشهار والشفافية في تنظيم السوق الإشهارية.
تعميق التشريع الإعلامي فيما يتعلق بحماية الملكية الفكرية.
إنشاء وكالة وطنية للتحقق من الأخبار المغلوطة والكاذبة وتعزيز قدرات الصحفيين، خاصة في ما يتعلق بالمحتوى المنتج عن طريق الذكاء الاصطناعي.
تفعيل القوانين من أجل حماية الخصوصيات الفردية.
مأسسة الاستقلال الإبستمولوجي للصحافة.
تطوير ميثاق شرف رقمي لمواجهة الشعبوية الرقمية وإحياء الصحافة التفسيرية.
الاستثمار في التربية الإعلامية، خصوصا الرقمية، لما لها من أهمية في حوكمة الاستخدامات الإعلامية ومجال الذكاء الاصطناعي.
البروفيسور دريس شريف: من شرعية الخبرة إلى دكتاتورية الفضاء الرقمي
وفي كلمته الختامية، أبرز البروفيسور دريس شريف أن الإشكال اليوم لم يعد يخص الصحفي فقط، بل يشمل الطبيب والمهندس والإمام والواعظ، في ظل الانتقال من المنطق النزولي إلى المنطق التصاعدي، حيث أفرز الفضاء الرقمي زخما من الكم المعرفي جعل كل شخص مدونا يفرض نفسه كخبير.
وأشار إلى أن هذه التخمة المعلوماتية فرضت إعادة النظر في مفهوم الفضاء العام ومسألة الشرعية المهنية القائمة على الخبرة والمعرفة، مؤكدا أن الصحفي شرعن وجوده كمنتج للمحتوى ومقدم للخبر، إلا أن هذا الدور أصبح اليوم رهينة ما يسمى باقتصاد الانتباه ودكتاتورية الجماهير في الفضاء الرقمي.
كما أوضح أن المهام التقليدية من التوعية والتثقيف تغيرت، في ظل بروز صحافة تجارية وهيمنة مواقع التواصل الاجتماعي وما تفرضه من دكتاتورية النقل، محذرا من تعقد المشهد أكثر بفعل الذكاء الاصطناعي الذي يطرح تساؤلات حول مستقبل مهن متعددة.
الذكاء الاصطناعي ومستقبل مهنة الصحافة: رهانات الاستلاب والتوظيف
واختتم بالتأكيد على أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في زوال مهنة الصحافة، بل في كيفية تمكن الصحفي من امتلاك هذه الأدوات وتوظيفها حتى لا يتم استلابه داخل بيئة رقمية تحكمها الخوارزميات.
اميرة عقون

























مناقشة حول هذا المقال