لم يكن اختيار الخامس عشر من سبتمبر يوما وطنيا للإمام في الجزائر مجرد تحديد لتاريخ في الذاكرة الوطنية. بل كان تخليدا لمسيرة أحد أبرز أعلام العلم والدعوة في البلاد، الشيخ العلامة سيدي محمد بلكبير، الذي وافته المنية في 15 سبتمبر سنة 2000، فقد قرر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون اعتماد هذا التاريخ يوما وطنيا للإمام. تقديرا لمقام الإمام ومكانته في المجتمع، وتزامنا مع الذكرى السنوية لوفاة الشيخ الذي ترك إسهامات بارزة في بناء الوطن وتربية أجيال من طلبة العلم والأئمة، وقد تم لاحقا ترسيم هذا اليوم بموجب مرسوم رئاسي.
ارتبط اسم العلامة محمد بلكبير بالعلم والتعليم والإرشاد، حيث شكل منارة علمية استضاء بها طلاب العلم وحفظة القرآن، خاصة في منطقة أدرار، وامتد أثره الثقافي والعلمي والتربوي إلى مختلف مناطق الوطن وخارجه، قبل الاستقلال وبعده.
ولد الشيخ محمد بلكبير سنة 1911م، الموافق لـ1330هـ، بقصر من قصور بودة، إحدى قرى الغمارة جنوب مدينة أدرار. وهو محمد بلكبير بن محمد عبد الله بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الله.
ترعرع الشيخ بين العلماء، فكان والده عبد الله من حملة كتاب الله، وعمه إماما ومعلما بمسجد القرية، بينما كان خاله المهدي فقيها وصوفيا من أعيان عصره.
وفي سن مبكرة تمكن من متون الفقه والنحو والتوحيد، كالرسالة والألفية.
وأرسله خاله إلى تمنطيط، حاضرة العلم ، عند الشيخ العلامة سيدي أحمد ديدي. ليستكمل حفظ المتون والتفقه، حيث اجتهد في طلب العلم أعواما ثلاثة، كما كانت له اتصالات بعدد من علماء وقضاة المنطقة للمذاكرة والاستفادة، من بينهم عبد الكريم الفقيه البلبالي، والشيخ بوعلام، والشيخ القاضي محمد بن عبد الكريم البكري.
بعد ذلك، استأذن شيخه ووالده للرحيل نحو تلمسان للأخذ عن الشيخ عبد الرحمان بن بوفلجة، ثم زار فاس، واشتغل معلما للقرآن الكريم بين تلمسان والمشرية والعريشة خلال ثلاثينيات القرن الماضي.
وفي سنة 1943 افتتح مدرسة قرآنية بتيميمون، قبل أن تغلقها السلطات الاستعمارية.
بعدها عاد الشيخ إلى بلدته بودة، ثم افتتح سنة 1950 – مع اختلاف المصادر بخصوص السنة – مدرسته القرآنية و زاويته وسط مدينة أدرار، وبعد مدة قصير أصبحت الزاوية منارة للعلم في منطقة توات بل وفي الجزائر والعالم الاسلامي قاطبة وتوافد عليها الطلبة من كل مكان، وإلى جانب دورها العلمي كان للمدرسة دور ريادي كبير خلال الثورة التحريرية المباركة، تجلى في تلك الدروس والمواعظ التي كان الشيخ يلقيها, يحث فيها الناس على الصبر والثبات والجهاد في سبيل الله
الشيخ بلكبير.. مسيرة في التعليم والإصلاح
جعل الشيخ من التعليم والإرشاد وسيلة لتكوين الرجال، رغم صعوبة الظروف وتضييق الاستعمار، الذي كان يتابع خطبه ويستفسر مرارا عن مقاصده من خطب الجمعة التي تناول فيها الجهاد والغزوات.
وبعد الاستقلال، واصل الشيخ واجبه من أجل بناء مجتمع تسوده الأخوة والمساواة، من خلال إصلاحات مست الجانبين الديني والاجتماعي، وسعى إلى تجسيدها في المجتمع.
وعمل على لم شمل القبائل المتنافرة، ومحاربة التمييز العنصري والتسوية بين المسلمين، إلى جانب محاربة البدع والخرافات وأشكال الفساد، ومواجهة الجهل والأمية، وتكوين الكفاءات والأئمة والخطباء، ومحاربة التغريب والانسلاخ من الذات.
كما واصل الشيخ رسالته العلمية والتربوية وبلغ عدد الطلبة بالمدرسة أزيد من 1200 طالب دفعة واحدة، كما ساهمت المدرسة في تخريج آلاف من الأئمة والمدرسين حيث لا تكاد تخلو منطقة من مناطق الوطن من أئمة أو مدرسين تخرجوا من مدرسة الشيخ، أو تتلمذوا على يد طلبته، وهذا ما أكسب الشيخ محبة واحتراما من الجميع، وجعله مثلا للوسطية والاعتدال.
عالم حافظ ومناظر
كان الشيخ سيدي محمد بلكبير آية في الحفظ والأخذ عن المشايخ، حتى فتح الله له أبواب العلم والمعرفة، فامتلك مفاتيح علوم شتى من علوم الدين والدنيا.
كما كان مناظرا بارعا، مدافعا عن كتاب الله وسنة نبيه، بعيدا عن الغلو والتشدد، ومحبّا للعلم والمجتهدين.
وقد شهد العلماء والمتعلمون بنبوغه، خاصة بعد شرحه لـ«الإخبار بالذي والألف واللام» من ألفية ابن مالك، وهو الباب المعروف بباب امتحان الطالب لصعوبته.
وبعد مسيرة علمية حافلة، توفي الشيخ بلكبير يوم الجمعة 15 سبتمبر 2000، عن عمر ناهز 89 سنة.
























مناقشة حول هذا المقال