- ساهمت في إنشاء 20 منظومة يقظة اعتمدت الحكومة منها ثلاث خلايا يقظة، آخرها خلية اليقظة الخاصة بالطفل والإنترنت
- الشباب مطالبون بالاستعداد لقرن الفكرة والثقافة والابتكار
- هذه أهداف المؤسسة الجزائرية صناعة الغد
في عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية وتتزايد فيه التحديات التنموية، أصبح الاستشراف أداة أساسية لفهم المتغيرات ورسم السياسات القادرة على صناعة المستقبل. ومن بين الأسماء الجزائرية التي ارتبطت بهذا المجال، يبرز الدكتور بشير مصيطفى، الخبير الاقتصادي والوزير المنتدب السابق المكلف بالاستشراف والإحصائيات، الذي كرّس جزءاً كبيراً من مساره الأكاديمي والمهني لنشر ثقافة الاستشراف واليقظة الاستراتيجية من خلال مبادرة ثم مؤسسة “صناعة الغد”.
في هذا الحوار، يعود الأستاذ بشير مصيطفى إلى أبرز محطات مسيرته العلمية والمهنية، ويتحدث عن فلسفة مؤسسة «صناعة الغد» وأهدافها، ودورها في ترسيخ ثقافة التفكير المستقبلي واقتصاد المعرفة، كما يستعرض أهم المبادرات والمشاريع التي تعمل عليها المؤسسة، ويقدم رؤيته حول دور الشباب الجزائري في مواجهة التحديات وصناعة مستقبل أكثر إشراقاً للوطن.
في مستهل هذا الحوار، لو تعرّفوننا أكثر على مساركم الأكاديمي والمهني، وكيف تشكّلت اهتماماتكم بمجال الاقتصاد والاستشراف؟
وُلدت ببلدية متليلي الشعانبة، ثم انتقلت أسرتي إلى حي القصبة بالعاصمة وعمري عشرون يوماً، وبعدها إلى باب الوادي وأنا في عامي الأول، درست بمدرسة كوندورسي، ثم بمتوسطة لوكال وثانوية الأمير عبد القادر بباب الوادي، بعدها التحقت بجامعة هواري بومدين وتخصصت في البيولوجيا، ثم بجامعة الجزائر المركزية في تخصص الاقتصاد القياسي، قبل مواصلة الدراسة بجامعتي إكستر وبرمنغهام بالمملكة المتحدة.
تشكّل اهتمامي بعلم الاقتصاد بفعل عاملين أساسيين أولهما التأثير العميق للهيمنة الاقتصادية والتجارية في إعادة تشكيل خارطة العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وثانيهما دراستي في الجامعات البريطانية التي تخرّج منها كبار الاقتصاديين العالميين. وبعد استكمال دراستي في الاقتصاد القياسي بجامعة برمنغهام عدت إلى الوطن سنة 1990.
عملت أستاذاً للاقتصاد القياسي والتحليل الاقتصادي بجامعة الجزائر، كما درّست في عدد من المؤسسات والمدارس العليا، منها المدرسة العليا للتجارة بالعاصمة، والمدرسة الوطنية للمالية بالقليعة، والمدرسة الوطنية للتجارة ببن عكنون، والمعهد الوطني للتخطيط والإحصاء.
وفي سنة 2001 عُينت مديراً مركزياً بوزارة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ثم كاتب دولة للاستشراف والإحصائيات سنة 2012، قبل أن أتولى منصب وزير منتدب للاستشراف والإحصائيات سنة 2020.
وفي 14 فيفري 2014 أسست مبادرة «صناعة الغد» التي امتدت إلى 60 ولاية و10 دول عبر الجالية الجزائرية بالخارج، ثم أسست المؤسسة الجزائرية صناعة الغد سنة 2024، والتي أصدرت إلى اليوم ثماني نشرات يقظة وكتابين باللغتين العربية والأجنبية، كما ساهمت في إنشاء 20 منظومة يقظة اعتمدت الحكومة منها ثلاث خلايا يقظة، آخرها خلية اليقظة الخاصة بالطفل والإنترنت المدرجة في الجريدة الرسمية خلال ديسمبر 2025.
كما ألفت أكثر من 700 مقال داخل الجزائر وخارجها، وأصدرت 13 كتاباً ضمن سلسلة «صناعة الغد»، وقدمت مئات الحوارات الإعلامية، إلى جانب إنتاج 100 حلقة إذاعية من برنامج «صناعة الغد» وبرنامج تلفزيوني يحمل العنوان نفسه.
كيف تقدّمون لنا صورة شاملة عن مؤسسة صناعة الغد، ورسالتها وأهم الأهداف التي تعمل على تحقيقها؟
مؤسسة صناعة الغد هي مؤسسة ذات طابع علمي وثقافي، معتمدة ومسجلة وفق قانون الجمعيات 12-06 تأسست في سبتمبر 2023 وانطلقت أنشطتها في نوفمبر من العام نفسه بندوة وطنية كبرى بعنوان “الثورة التحريرية بين الذكرى وصناعة المستقبل”.
تعمل المؤسسة وفق خطة طريق تمتد لعشرين سنة من 2024 إلى 2044، وهي امتداد لمبادرة صناعة الغد التي أطلقت سنة 2014. وخلال عشر سنوات من نشاط المبادرة تم إصدار 12 كتاباً باللغتين العربية والأجنبية، وإنتاج 100 حلقة إذاعية و500 مقال صحفي، إلى جانب تأسيس عشرات الجمعيات الولائية وجمعية للجالية الجزائرية بفرنسا.
أما أهداف المؤسسة فتتمثل في نشر ثقافة الاستشراف بين العائلات الجزائرية، ودعم سياسة الدولة في التنمية الشاملة، وتصميم سياسات التنمية المحلية، وتعزيز دور النخب في بناء المستقبل، واقتراح حلول للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية، وترقية البحث العلمي، وتحقيق اليقظة الشاملة، وإشراك الجالية الوطنية بالخارج في النقاش الوطني، وترسيخ قيم المواطنة والتماسك الاجتماعي، إضافة إلى تطوير أداء المجتمع المدني.
كيف يمكن تعزيز ثقافة الوعي المجتمعي واليقظة الفكرية لدى فئة الشباب؟
يمكن تحقيق ذلك من خلال اعتماد أسلوب الحوار القائم على المعرفة والعلم والقدوة الحسنة. ويشمل هذا المسار مختلف فئات المجتمع، بداية من الأطفال عبر التربية السليمة، والشباب من خلال المرافقة المدروسة، والمرأة عبر التوعية الهادفة، والعائلات بنشر ثقافة التدبير المبني على الاستشراف، وصولاً إلى النخب عبر إعادة بعث فضاءات النقاش العام وتعزيز المشاركة الفكرية.
طرحت مؤسسة صناعة الغد العديد من المبادرات والمقترحات، لكن غالبًا ما يُطرح سؤال قابلية التجسيد كيف تضمنون انتقال الأفكار من مستوى التصور إلى مستوى التطبيق الفعلي؟
منذ تأسيس مبادرة صناعة الغد سنة 2014 تمكنّا من اقتراح وتصميم ونشر عشرات الحلول المتعلقة بالتنمية وتجاوز المشكلات الراهنة ورسم سياسات المستقبل، وهي متاحة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
كما تُرجمت بعض المقترحات إلى إجراءات ميدانية من خلال تدابير حكومية ومراسيم تنفيذية، من بينها خلية اليقظة لمواجهة الكوارث سنة 2025، وخلية اليقظة التجارية للاستهلاك سنة 2026، وخلية يقظة الطفولة والإنترنت سنة 2025، إضافة إلى تعديل قانون المرور.
وعلى صعيد الشراكات، وقعت المؤسسة خمس اتفاقيات تعاون مع جامعات البرج، وتيسمسيلت، والبويرة، وبسكرة، والجزائر، فضلاً عن اتفاقيات مع الشركة الوطنية للتأمينات، والفيدرالية الوطنية للمستهلكين، وجمعية التجار والحرفيين الجزائريين، كما حصلت المؤسسة على تصنيف دولي ضمن أفضل عشرة مراكز استشراف في العالم.
إلى أي مدى تراهن مؤسسة صناعة الغد على اقتصاد المعرفة كمدخل أساسي لصناعة الحلول المستقبلية وتحويل التحديات التنموية إلى فرص للنمو والابتكار؟
ينص القانون الأساسي للمؤسسة على أنها مؤسسة ذات طابع علمي وثقافي، أي أنها مؤسسة تفكير قائمة على المعرفة والعلم.
ولهذا شرعت منذ تأسيسها في بناء شراكات مع الجامعات ومؤسسات البحث العلمي، وكانت أول اتفاقية تعاون علمي بتاريخ 19 مارس 2025، ونحن نؤمن بأن رسم سياسات النهوض وصناعة المستقبل يقوم على خمس ركائز أساسية هي: العلم، والأخلاق، والثقافة، والإخلاص للوطن، والتمسك بقيم نوفمبر المجيد.
ما أبرز المشاريع أو المبادرات المستقبلية التي تعمل عليها مؤسسة صناعة الغد خلال المرحلة المقبلة، وما الأهداف التي تراهنون على تحقيقها من خلالها؟
تعمل المؤسسة وفق برنامج سنوي ومستمر يشمل تنظيم الندوات العلمية والتحسيسية الوطنية والولائية، وعقد لقاءات «فطور صباح الاستشراف» ضمن منظومات اليقظة الاستراتيجية، وإصدار الكتاب السنوي من سلسلة صناعة الغد، ونشريات اليقظة الشهرية الموجهة لصناع القرار، إضافة إلى الأنشطة الإعلامية والرقمية.
ومن أبرز مشاريع سنة 2026 إصدار كتاب سنوي خاص بندوات الاستشراف، وكتاب للدراسات الاستشرافية، وإطلاق المجلة العلمية الدولية المحكمة صناعة الغد، ومواصلة إنتاج البرنامج التلفزيوني الأسبوعي، وإنشاء قناة رسمية على «يوتيوب»، إلى جانب الإطلاق الرسمي للموقع الإلكتروني للمؤسسة.
كما نعتزم إطلاق «مركز صناعة الغد للدراسات الاستشرافية» في 14 فيفري 2027، تزامناً مع الذكرى الثالثة عشرة لتأسيس مبادرة “صناعة الغد”.
ما الرسالة التي توجهونها للشباب الجزائري اليوم وكيف ترون مسؤوليتهم في تحويل التحديات الراهنة إلى فرص للتغيير والنجاح؟
أدعو الشباب الجزائري إلى التمسك بقيم الثورة التحريرية المجيدة وقيم الوطنية والوحدة، والعمل على اكتساب ثقافة الاستشراف واليقظة وتطبيقها في مختلف جوانب حياتهم.
كما أؤكد على أهمية التفوق الدراسي والابتكار، والاهتمام بالقضايا الاستراتيجية الكبرى للوطن، والتحلي بالوعي الثقافي والتاريخي فالشباب مطالبون اليوم بالمساهمة في صناعة غد أفضل للأجيال الحالية والقادمة، من خلال تحويل التحديات إلى فرص وبناء مستقبل أكثر إشراقاً للجزائر.
حاورته نزيهة سعودي




















مناقشة حول هذا المقال