الهدف الحقيقي ليس أن نصل إلى الناس بعد وقوع المأساة، وإنما أن نصل إليهم قبلها
- نحن بحاجة إلى منظومة متكاملة للسلامة المرورية تجمع بين التوعية، والتكوين، والرقابة، وتحسين البنية التحتية، والاستجابة السريعة، والاستفادة من التكنولوجيا والبيانات
مع تزايد في الأونة الأخيرة حالات حوادث المرور الخطيرة والأليمة في طرقنا كان على الجميع دق ناقوس الخطر من أجل العمل على توحيد الصفوف من أجل الحد والوقاية من تزايد هذه الآفة و جعل السلامة المرورية هدف لابد منه، ومن بين المساهمين في ترسيخ قيم الوقاية والسلامة المرورية لدى الأفراد والجماعات الجمعية الوطنية للأمن والوقاية عبر الطرق التي كان لنا هذا الحوار مع رئيس الجمعية خالد غالي:
بداية، هل لك أن تعطينا بعض الأهداف التي تم إنشاء الجمعية الوطنية للأمن والوقاية عبر الطرق من أجلها؟
نعم الجمعية الوطنية للأمن و الوقاية عبر الطرق تأسست في 20 أوت 2019 ، والتي تأسست انطلاقاً من قناعة أساسية مفادها أن السلامة المرورية ليست مسؤولية جهة واحدة، و إنما هي مسؤولية جماعية تتقاسمها مؤسسات الدولة، و الجماعات المحلية، والمجتمع المدني، و الأسرة، و المؤسسات التربوية، و وسائل الإعلام، والأهم من ذلك مستعملو الطريق أنفسهم، ومن أهم أهداف الجمعية هي العمل على نشر ثقافة السلامة المرورية والوقاية من حوادث المرور، من خلال حملات التوعية والتحسيس والتكوين، والتوجه خصوصاً إلى فئة الأطفال والشباب والسائقين والراجلين، كما نعمل على المساهمة في ترسيخ السلوك المروري المسؤول، و التوعية بمخاطر السرعة المفرطة، و التجاوزات الخطيرة، و استعمال الهاتف أثناء القيادة، والقيادة في حالة التعب أو تحت تأثير المؤثرات العقلية، إضافة إلى تعزيز ثقافة احترام قانون المرور، ومن أهدافنا كذلك تشجيع الدراسات والبحوث المرتبطة بالسلامة المرورية، والاستفادة من التكنولوجيا والرقمنة والبيانات في تطوير وسائل الوقاية، إلى جانب بناء شراكات مع مختلف المؤسسات والهيئات والفاعلين من أجل الوصول إلى مقاربة وطنية متكاملة للحد من حوادث المرور وآثارها الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية، وباختصار، هدفنا ليس فقط أن نقول للناس “احذروا الطريق”، وإنما أن نعمل على بناء ثقافة مجتمعية تجعل السلامة المرورية سلوكاً يومياً ومسؤولية مشتركة.
ماهي أهم النشاطات التي قمتم بها خلال السنة الجارية؟
حرصت الجمعية الوطنية للأمن والوقاية عبر الطرق خلال هذه السنة تكثيف نشاطاتها الميدانية والتحسيسية، وعدم حصر عملها في المناسبات أو الحملات الظرفية، بحيث قمنا بتنظيم و المشاركة في العديد من المبادرات التحسيسية والتوعوية الموجهة إلى مستعملي الطريق، مع التركيز على السائقين والشباب والأطفال، كما عملنا على تنظيم نشاطات ولقاءات تكوينية وتوعوية بالتعاون مع عدد من المؤسسات والهيئات، كما ركزنا على تطوير الشراكات المؤسساتية، لأننا نؤمن بأن العمل الجمعوي في مجال السلامة المرورية لا يمكن أن يحقق أهدافه الحقيقية إلا من خلال التنسيق بين مختلف الفاعلين.
ومن بين المحاور كذلك التي اشتغلنا عليها أيضاً دعم التوعية داخل المؤسسات التربوية و الجامعية، و المساهمة في نشر الرسائل الوقائية عبر وسائل الإعلام ومختلف المنصات الرقمية، إلى جانب العمل على إعداد مبادرات ومشاريع ذات طابع وطني تهدف إلى تعزيز الوقاية والسلامة على الطرقات، ونحن نعمل وفق رؤية أوسع، تقوم على الانتقال من التحسيس الموسمي إلى الوقاية المستدامة، ومن رد الفعل بعد وقوع الحادث إلى محاولة منع وقوعه قبل حدوثه ، كما أن الجمعية تسعى كذلك إلى توسيع نشاطها عبر مختلف مناطق الوطن، لأن السلامة المرورية قضية وطنية لا ينبغي أن تبقى مرتبطة بمنطقة أو ولاية معينة.
شهدت الجزائر في الأونة الأخيرة العديد من حوادث المرور مميتة على غرار حادثة الحافلة بومرداس، تميمون وغيرها.. ماهي أهم الحلول التي ترونها من أجل الحد من مثل هذه الحوادث الأليمة؟
أتقدم أولاً باسم الجمعية الوطنية للأمن والوقاية عبر الطرق، وباسمي شخصياً، بأحر التعازي لعائلات الضحايا الذين سقطوا في حادث بومرداس المروع، و أتمنى الشفاء العاجل لكل المصابين، بالنسبة لحجم المأساة، هذا الحادث، الذي خلّف حصيلة ثقيلة تفوق 25 قتيلاً و عشرات الجرحى، ليس حادثاً معزولاً، بل هو تذكير أليم بأن أزمة حوادث المرور في الجزائر تتطلب معالجة جذرية وعاجلة، لا مجرد ردود فعل بعد كل كارثة، هناك السبب البنيوي: حوادث النقل الجماعي بالحافلات على الطرق الوطنية و الجبلية تتكرر بانتظام مقلق، وهذا يطرح أسئلة جوهرية حول: حالة الطرق والمنحدرات، صيانة أسطول النقل، تكوين السائقين المهنيين، ومدى تطبيق الرقابة التقنية الدورية على المركبات.
كما أتوجه بالمناسبة بتحية لفرق الإنقاذ وأشيد بتدخل الحماية المدنية وفرق الإسعاف السريع،
وأطالب بفتح تحقيق فني ومستقل لتحديد الأسباب الحقيقية (ميكانيكية، بشرية، أم متعلقة بالطريق) بدل الاكتفاء بالحصيلة الرقمية.
وأشير بإيجاز إلى أن هذا الحادث ليس استثناءً بل جزء من نمط متكرر من حوادث الحافلات على الطرق الجبلية خلال الأشهر والسنوات الأخيرة.
من حيث الاقتراحات، اقترح إجراءات فورية قابلة للتطبيق سريعاً، مثل تعليق نشاط الحافلات التي لا تملك رخصة فحص تقني ساري المفعول على المحاور الجبلية، ريثما يتم التدقيق الشامل.
مع تجنّب الاستقطاب والتأكيد على أن المطلب تقني ومهني وليس سياسيا، لكي لا يُفهم الخطاب كمحاسبة لجهة بعينها بل كدعوة لإصلاح جماعي.
ثم أعرض استعداد الجمعية للتنسيق مع الوزارة الوصية و الولاية في وضع خطة عمل ميدانية، بدل الاكتفاء بالمطالبة من الخارج.
وماهي أهم مطالب الجمعية من أجل الحد من مثل هذه الحوادث الأليمة في الطرق؟
من مطالب الجمعية هي مراجعة عاجلة و شاملة لحالة الطرق الوطنية ذات المنحدرات الخطرة، وخاصة في الولايات الجبلية مع تشديد الرقابة التقنية على حافلات نقل المسافرين و مراقبة سجل صيانتها، بالإضافة إلى تكوين مستمر و صارم لسائقي النقل الجماعي، مع رقابة دورية على حالتهم الصحية و النفسية، و الإسراع كذلك في استغلال التقنيات الحديثة (كاميرات المراقبة، أنظمة الإنذار المبكر) للحد من هذه الكوارث المتكررة، كما نجدد مطالبنا بأن يتحول الحزن إلى فعل، و أن تتحمل كل الجهات المعنية مسؤولياتها، لأن كل حادث كهذا هو ثمن باهض ندفعه بسبب التأخر في الإصلاح الجذري لمنظومة النقل و السلامة المرورية في بلادنا.
هل قمتم بتنظيم حملات تحسيسية وتوعوية للحد من هذه الظاهرة الخطيرة في طرقنا؟
نعم، وهذا من صميم عمل الجمعية، نحن نعتبر أن التحسيس والوقاية يمثلان خط الدفاع الأول قبل وقوع الحادث، قمنا بتنظيم والمشاركة في حملات تحسيسية تستهدف مختلف فئات المجتمع، مع التركيز على السائقين والراجلين والأطفال والشباب، وركزنا خلالها على أكثر السلوكيات التي يمكن أن تؤدي إلى حوادث خطيرة، وعلى رأسها السرعة، و المناورات الخطيرة، و عدم احترام مسافة الأمان، واستعمال الهاتف أثناء القيادة، وعدم احترام إشارات المرور، إضافة إلى مخاطر القيادة في حالات التعب أو تحت تأثير المؤثرات، لكنني أريد التأكيد على نقطة مهمة: الحملات التحسيسية وحدها لا تكفي، نحن بحاجة إلى منظومة متكاملة للسلامة المرورية تجمع بين التوعية، والتكوين، والرقابة، وتحسين البنية التحتية، والاستجابة السريعة، والاستفادة من التكنولوجيا والبيانات، إضافة إلى مسؤولية كل فرد خلف عجلة القيادة، فالهدف الحقيقي ليس أن نصل إلى الناس بعد وقوع المأساة، وإنما أن نصل إليهم قبلها، ولهذا فإن الجمعية تسعى إلى جعل التحسيس مستمراً و ميدانياً، وأن تكون رسالتنا واضحة: كل حادث يمكن أن يكون وراءه إنسان، وأسرة، وحياة تتغير بالكامل، ولذلك فإن الوقاية ليست شعاراً وإنما مسؤولية.
ماهي رسالتك إلى كل الفاعلين من أجل الحد من هذه الظاهرة الخطيرة؟
رسالتي إلى جميع الفاعلين واضحة، بحيث لا يمكن أن ننتصر في معركة السلامة المرورية إذا عمل كل طرف بمفرده، نحن بحاجة إلى توحيد الجهود بين مختلف مؤسسات الدولة، والأجهزة الأمنية، والجماعات المحلية، وقطاع النقل، وقطاع التربية والتعليم العالي، وقطاع الصحة، والمجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والباحثين، والمهنيين، وكل من له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالطريق.
وأوجه رسالة خاصة إلى السائقين، السيارة وسيلة للنقل وليست وسيلة لإثبات القوة أو السرعة. عندما تجلس خلف المقود، فأنت لا تتحمل مسؤولية حياتك فقط، وإنما تتحمل مسؤولية حياة أشخاص آخرين قد لا تعرفهم.
وأقول أيضاً للأسر: التربية المرورية تبدأ داخل الأسرة، فالطفل الذي يرى والده يحترم قانون المرور ويتعامل مع الطريق بمسؤولية، يتعلم أن احترام الطريق جزء من احترام الحياة.
كما أدعو وسائل الإعلام إلى مواصلة أداء دورها التوعوي، لأن الإعلام يستطيع أن ينقذ حياة إنسان بكلمة، أو رسالة، أو صورة، أو تحقيق مهني في الوقت المناسب، وفي الأخير، رسالتي إلى الجميع هي لننتظر أقل، ونتحرك أكثر لا نريد أن نحصي ضحايا الطرقات فقط، بل نريد أن نمنع سقوطهم.
الجمعية الوطنية للأمن والوقاية عبر الطرق ستواصل أداء دورها، وستظل أبوابها مفتوحة أمام كل مؤسسة أو هيئة أو جمعية أو مواطن يريد أن يساهم معنا في بناء طريق أكثر أمناً ومجتمع أكثر وعياً، الطريق مسؤولية الجميع، وحماية الأرواح مسؤوليتنا جميعاً.
حاوره علي جماح

















مناقشة حول هذا المقال