في أعقاب الانتخابات التشريعية الأخيرة، عاد النقاش حول دلالات نسبة المشاركة، وطبيعة التوازنات التي أفرزتها النتائج، والرهانات المطروحة أمام البرلمان الجديد، باعتبارها محطة سياسية مهمة في مسار تعزيز المؤسسات الدستورية وترسيخ الممارسة الديمقراطية في الجزائر.
وبين قراءة الأرقام واستشراف المرحلة المقبلة، تبرز تساؤلات عديدة حول مدى قدرة المؤسسة التشريعية على الاستجابة لتطلعات المواطنين، وتعزيز دورها الرقابي والتشريعي، ومواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها البلاد.
وفي هذا السياق، أجرت يومية “عالم الأهداف” حوارًا مع المحلل السياسي نبيل كحلوش، الذي قدم قراءة لأبرز المؤشرات السياسية والاجتماعية التي أفرزتها الانتخابات، وتناول ملامح التوازنات داخل البرلمان الجديد، كما استعرض أبرز التحديات والاستحقاقات التي تنتظر نوابه خلال المرحلة المقبلة.
البرلمان الجديد أمام اختبار استعادة الثقة وترجمة تطلعات المواطنين
يرى المحلل السياسي نبيل كحلوش أن نسبة المشاركة المسجلة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، داخل الوطن وخارجه، تعكس استمرار محدودية الاهتمام الشعبي بالمؤسسة التشريعية في الثقافة السياسية المحلية، رغم الدور المحوري الذي يضطلع به البرلمان في تسيير الشؤون العامة للدولة، وأوضح أن نسبة المشاركة التي قاربت 21 بالمائة، مقارنة بنحو 23 بالمائة في تشريعيات 2021، تكشف عن جملة من المؤشرات السياسية والاجتماعية.
وأوضح كحلوش أن القراءة السياسية لهذه النسبة تشير إلى أن الكتلة الناخبة النشطة لا تزال تتراوح بين أربعة وخمسة ملايين ناخب، وهي الفئة التي تحرص على المشاركة في مختلف الاستحقاقات الانتخابية.
كما يرى أن الأحزاب السياسية لم تنجح بالقدر الكافي في تجنيد الناخبين وتحفيزهم على المشاركة، رغم كثرة التشكيلات السياسية، مضيفاً أن تطبيق المادة 200 من قانون الانتخابات، وما رافقه من إقصاء عدد من المترشحين المعروفين، كان من بين العوامل التي أثرت في مستوى المشاركة.
أما من الجانب الاجتماعي، فيعتبر المتحدث أن المشاركة المحدودة تعكس تراجع الحافز لدى المواطن، نتيجة شعوره بعدم وجود استجابة برلمانية فعالة للقضايا التي تمس حياته اليومية، فضلاً عن ضعف الخطاب السياسي الذي ابتعد، حسب رأيه، عن البرامج الجادة واتجه نحو أساليب دعائية تقليدية لم تعد تستقطب اهتمام الناخبين.
ورغم ذلك، سجل كحلوش عدداً من المؤشرات الإيجابية، أبرزها تزايد حضور الشباب في الحياة السياسية من خلال انخراطهم في القوائم الانتخابية، مدفوعين بالإجراءات القانونية التي تلزم القوائم بتمثيل الشباب دون الأربعين سنة بنسبة لا تقل عن خمسين بالمائة، وهو ما انعكس على تركيبة البرلمان الجديد.
وفي قراءته للنتائج، أكد أن التوازن السياسي العام لم يشهد تغيراً جذرياً، إذ حافظت أحزاب الأغلبية الرئاسية على موقعها، مع استمرار حزب جبهة التحرير الوطني في صدارة النتائج.
غير أن المشهد عرف، في المقابل، بعض التعديلات النسبية، أبرزها صعود حزب جبهة المستقبل ليصبح القوة السياسية الثالثة في البلاد، إلى جانب العودة اللافتة لحزب صوت الشعب، مقابل تراجع نسبي لكل من حركة مجتمع السلم وحركة البناء الوطني، مع احتفاظهما بحضورهما السياسي داخل البرلمان.
واعتبر كحلوش أن البرلمان الجديد سيكون مطالباً بالتركيز على ملفات ذات أولوية، في مقدمتها تعزيز الأمن القانوني، وتفعيل الدور الرقابي على عمل الحكومة، وتحسين التمثيل النيابي للمواطنين. كما شدد على أهمية مراجعة وتحيين عدد من النصوص القانونية بما يتماشى مع التحولات الراهنة، إلى جانب فتح ملفات اقتصادية واجتماعية أساسية، مثل دعم النمو الاقتصادي، وتسريع مشاريع السكن، وإصلاح المنظومة الصحية، وتأهيل قطاع النقل، وتحسين الخدمات العمومية.
وختم المحلل السياسي بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تتطلب من البرلمان الجديد عملاً جاداً ونفساً طويلاً لمعالجة هذه الملفات، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسة التشريعية ويستجيب لتطلعاتهم في تحقيق التنمية وخدمة المصلحة العامة.
تكشف قراءة نتائج الانتخابات التشريعية، وفق ما ذهب إليه المحلل السياسي نبيل كحلوش، أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تركيبة البرلمان أو حجم المشاركة، بل في قدرة المؤسسة التشريعية على استعادة ثقة المواطن من خلال أداء فعّال يلامس انشغالاته اليومية، ويكرّس دور البرلمان كفضاء للتشريع والرقابة وصناعة السياسات العمومية. فالمرحلة المقبلة تفرض على النواب الارتقاء بمستوى العمل البرلماني، وتعزيز التواصل مع المواطنين، ومواكبة الإصلاحات الوطنية بمبادرات تشريعية ورقابية تواكب متطلبات التنمية. ويبقى نجاح البرلمان الجديد مرهونًا بمدى قدرته على تحويل الوعود والبرامج إلى نتائج ملموسة، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويخدم المصلحة العامة، وهي رهانات ستظل محل متابعة وقراءة من قبل الرأي العام ووسائل الإعلام، وفي مقدمتها يومية “عالم الأهداف”.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال