في إطار التحضير لانتخاب أعضاء المجلس الشعبي الوطني المقرر اليوم الخميس 02 جويلية 2026، كثّفت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات جهودها التنظيمية والميدانية لضمان حسن سير هذا الاستحقاق الوطني، وقد تجسّد ذلك من خلال تعزيز مختلف التحضيرات والتدابير عبر المستويات المركزية والمحلية، داخل الوطن وخارجه، بما يكفل الجاهزية التامة لمراحل العملية الانتخابية كافة، وتعكس هذه الجهود الدور المحوري الذي تضطلع به السلطة في تنظيم الانتخابات والإشراف عليها ومراقبتها، بما يكرّس مبادئ النزاهة والشفافية ويعزّز الثقة في المسار الديمقراطي.
وباعتبارها الهيئة التي أُنشئت أساسًا بهدف ضمان نزاهة وشفافية المسار الانتخابي في الجزائر. حيث مُنحت صلاحيات واسعة تشمل تنظيم العمليات الانتخابية والإشراف عليها ومراقبتها، إلى جانب السهر على تكريس مبادئ الديمقراطية الدستورية وتعزيز النظام الانتخابي.
وتستمد هذه الهيئة مرجعيتها من مبدأ السيادة الشعبية، الذي يُمارس من خلال انتخابات حرة وشفافة ونزيهة وتعددية، بما يضمن احترام إرادة الناخبين وترسيخ الثقة في المؤسسات الديمقراطية للدولة.
وبناءً على ذلك، فهي إذن تقوم بدور محوري في ضمان حسن سير مختلف مراحل العملية الانتخابية.
ومن جهة أخرى، يمكن تعريف السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بأنها هيئة مستقلة أُسندت إليها مهمة تنظيم العملية الانتخابية والإشراف عليها ومراقبتها، بما يضمن نزاهتها وشفافيتها واحترام إرادة الناخبين.
تعزيز نزاهة العملية الانتخابية وضمان حياد الإدارة
وفي إطار التطور التاريخي لهذا المسار، سعت الجزائر إلى تعزيز نزاهة العملية الانتخابية وضمان حياد الإدارة من خلال إنشاء هيئات متخصصة لمراقبة الانتخابات. وقد بدأت هذه الجهود سنة 1997 بإنشاء اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات للإشراف على سير الاقتراع ومراقبته. وفي سنة 1999 تم تجديدها وتغيير تسميتها إلى اللجنة السياسية الوطنية لمراقبة الانتخابات، واستمرت في أداء مهامها خلال مختلف الاستحقاقات الانتخابية.
ومواصلة لهذا التطور، شهد النظام الانتخابي تطورًا مهمًا مع صدور القانون العضوي رقم 12-01 المتعلق بالانتخابات، الذي استحدث هيئتين وطنيتين: اللجنة الوطنية للإشراف على الانتخابات ذات التشكيلة القضائية، واللجنة الوطنية لمراقبة الانتخابات التي تُنشأ بمناسبة كل عملية اقتراع. وفي إطار مواصلة الإصلاحات وتعزيز الرقابة على الانتخابات، تم سنة 2016 إنشاء الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات.
التطور التاريخي للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات
وبالحديث عن تطور هذه السلطة، فقد تم استحداث الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات بموجب القانون العضوي رقم 16-11، استنادًا إلى المادة 194 من التعديل الدستوري لسنة 2016 التي نصت على إحداث هيئة عليا مستقلة لمراقبة الانتخابات، لكنها لم تتمكن من توفير الضمانات الكافية لإجراء انتخابات حرة ونزيهة بمعايير دولية تحقق الانتقال الديمقراطي. وبعد الحراك الشعبي الذي عرفته الجزائر منذ 2019 وما صاحبه من إلغاء وتأجيل للانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة، وبغية انتخاب رئيس الجمهورية، وبعد المشاورات بين لجنة الوساطة والحوار وبعض الشخصيات السياسية وممثلي الأحزاب السياسية، كان لازماً على السلطة الاستجابة لمطلب الطبقة السياسية من خلال تعديل قانون الانتخابات وإحداث سلطة وطنية مستقلة بموجب القانون العضوي رقم 19-07.
وعليه، لتكون الهيئة الوحيدة المختصة بتنظيم العملية الانتخابية والإشراف عليها ومراقبتها، ابتداءً من استدعاء الهيئة الناخبة إلى غاية الإعلان عن النتائج النهائية.
وفي هذا الإطار، وإلى جانب دورها التنظيمي، تمارس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات وظيفة رقابية أساسية تسهم في تعزيز المشاركة السياسية وترسيخ الممارسات الديمقراطية، وقد حددت المادة 3 من القانون العضوي رقم 19-07 مقرها الرئيسي بـ الجزائر العاصمة، مع امتداد هياكلها إلى مختلف الولايات والبلديات، إضافة إلى تمثيلها في الخارج لضمان متابعة العمليات الانتخابية الخاصة بالجالية الجزائرية.
الهيكلة التنظيمية للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات
وفيما يتعلق بالهيكلة، جاء في المجلة الصادرة عن السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في عددها الأول سنة 2025 أن هيكلة السلطة تتسم بالشمولية على مستوى كامل الدوائر الانتخابية داخل الوطن وخارجه عبر الممثليات الدبلوماسية والقنصلية، بما يسمح لها بأداء مهامها على أكمل وجه.
فعلى المستوى المركزي، ووفق المادة 18 من القانون العضوي 19-07، تتكون السلطة المستقلة من رئيس السلطة المستقلة، حيث تنص المادة 32 من نفس القانون على أن رئيس السلطة يُنتخب من طرف أعضاء مجلس السلطة المستقلة بأغلبية الأصوات في أول اجتماع، وفي حالة تساوي الأصوات يُعلن فوز المترشح الأصغر سناً، وهو إجراء يعزز استقلالية السلطة المستقلة باعتبار أن نظام التعيين قد يؤثر على الحياد. ويتولى رئيس السلطة المستقلة، حسب المادة 33 من القانون العضوي 19-07، المهام التالية: ترؤس مجلس ومكتب السلطة المستقلة وتنسيق أشغالهما، تمثيل السلطة المستقلة أمام الهيئات والسلطات العمومية بصفته الناطق الرسمي باسمها، تنفيذ مداولات مجلس السلطة المستقلة، والإعلان عن النتائج الأولية للانتخابات.
كما يتشكل مجلس السلطة المستقلة، إضافة إلى رئيسها، وفق المادة 26 من القانون العضوي 19-07 من خمسين (50) عضواً موزعين كما يلي: عشرون (20) عضواً من كفاءات المجتمع المدني، عشرة (10) من الكفاءات الجامعية، أربعة (04) قضاة من المحكمة العليا ومجلس الدولة، محاميان، موثقان، محضران قضائيان، خمسة (5) من الكفاءات المهنية، ثلاثة (03) شخصيات وطنية، وممثلان عن الجالية الوطنية بالخارج. ويتم اختيار أعضاء المجلس بطريقة غير معتادة دون تدخل من السلطة التنفيذية، عن طريق الانتخاب من طرف النظراء، غير أنه وبالنظر إلى الظروف التي رافقت تأسيس السلطة لأول مرة وحالة عدم الاستقرار التي عرفتها الجزائر خلال فترة “شغور منصب رئيس الجمهورية”، فقد نصت المادة نفسها على أن اختيار أعضاء المجلس في المرة الأولى يتم عبر مشاورات تفضي إلى اختيار شخصية وطنية توافقية تتولى الإشراف على تشكيل وتنصيب مجلس السلطة المستقلة، على أن يُعتمد نظام الانتخاب عند أول تجديد نصفي للمجلس.
أما على المستوى المحلي، وحرصاً على تسهيل مهام السلطة المستقلة، فقد نصت المادة 37 من القانون العضوي 19-07 على إنشاء مندوبيات ولائية ومندوبيات بلدية ومندوبيات على مستوى الممثليات الدبلوماسية والقنصلية بالخارج، تعمل تحت سلطة رئيس السلطة المستقلة وتمارس صلاحياتها ضمن الدائرة الانتخابية التابعة لاختصاصها.
تحقيق انتخابات حرة ونزيهة هدف أساسي
وفيما يخص الصلاحيات، ويتولى رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات مهام متعددة، حيث يترأس مجلس ومكتب السلطة وينسق أعمالها، كما يمثلها أمام مختلف الهيئات والسلطات العمومية ويعد ناطقها الرسمي، ويُعتبر الآمر بالصرف الرئيسي، ويتولى تنفيذ مداولات المجلس واستدعاء اجتماعاته، إضافة إلى صلاحيات التعيين، مثل تعيين نواب الرئيس، والأمين العام للأمانة التقنية، ومنسقي المندوبيات على المستويات الولائية والبلدية والخارجية. كما يقوم بالتوقيع على محاضر المداولات وقرارات السلطة وضمان تبليغها ومتابعة تنفيذها، إلى جانب تعبئة المندوبيات خلال مختلف مراحل العملية الانتخابية ومراجعة القوائم الانتخابية، والإشراف على انتشارها عبر التراب الوطني، ويُضاف إلى ذلك إعلانه عن النتائج الأولية للانتخابات واستقباله لتصريحات الترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية كأحد أبرز صلاحياته.
أما على المستوى الميداني، فتُعد المندوبيات الولائية والبلدية، إضافة إلى الممثليات الدبلوماسية والقنصلية بالخارج، الخلية الأساسية للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، نظرًا لدورها المحوري في ضمان شفافية ونزاهة العملية الانتخابية من خلال مراقبة مختلف مراحلها والتأكد من مطابقتها للقوانين والتنظيمات المعمول بها. وقد منح المشرع الجزائري بموجب المادة 37 من القانون العضوي 19-07 صلاحية إنشاء هذه المندوبيات إلى مجلس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.
وبهذا يمكن القول إن تحقيق انتخابات حرة ونزيهة يُعدّ هدفًا أساسيًا تسعى إليه كل دولة ترمي إلى تكريس مبادئ الديمقراطية وترسيخها. وفي هذا الإطار، حرص المشرّع الجزائري، من خلال مختلف الإصلاحات الدستورية والقوانين العضوية المتعلقة بالانتخابات، على إرساء منظومة رقابية مستقلة تُشرف على سير العملية الانتخابية، بما يضمن نزاهتها وشفافيتها وفعالية تنظيمها، وذلك عبر استحداث هيئات متخصصة تتولى الرقابة والإشراف على مختلف مراحلها، بما يعزز الثقة في النتائج.

























مناقشة حول هذا المقال