-
ازرعوا في الطفل حبّ السؤال، ثم ضعوا بين يديه كتابًا يساعده على البحث عن الإجابة
في ديوانها الشعري «أبجدية الكبرياء: امرأة لا تنحني»، تأخذنا الشاعرة دلال بن مداني في رحلة شعورية بين الشعور والألم والكرامة واستعادة الذات، في هذا الحوار، تحدثنا عن أبرز محاور ديوانها ورسائله، وواقع المطالعة وسبل تشجيع القراءة.
بدايةً، حدثينا عن كتابكِ، وما الفكرة التي يتناولها؟
ديواني «أبجدية الكبرياء: امرأة لا تنحني» هو خلاصة تجربة إنسانية وشعورية امتدّت لأكثر من ثلاثة عشر عامًا، كتبتُ خلالها من أعماق الروح، ومن تفاصيل الحياة بما تحمله من حبّ وألم وذاكرة وتحولات.
هذا الديوان ليس مجرد مجموعة من القصائد، بل هو رحلة في أعماق الإنسان، ومحاولة لتحويل التجربة إلى لغة، والألم إلى وعي، والانكسار إلى بداية جديدة. اخترتُ له هذا العنوان لأن الكبرياء في نظري ليس تعاليًا على الآخرين، بل معرفة الإنسان لقيمته، وقدرته على النهوض كلما أثقلته الحياة.
إنها تجربة امرأة تكتب لتفهم ذاتها، وتتصالح مع ماضيها، وتمنح مشاعرها صوتًا يصل إلى الآخرين. وأتمنى أن يجد كل قارئ بين صفحات هذا الديوان شيئًا يشبهه، أو كلمةً تعبّر عمّا عجز يومًا عن قوله.
ما أبرز الجوانب والمحاور التي ركزتِ عليها في هذا الكتاب؟
تتنوع محاور الديوان بتنوّع التجربة الإنسانية نفسها؛ فقد كتبتُ عن الحبّ والحنين، وعن الخذلان والفقد، وعن الكرامة والحرية واستعادة الذات، كما حضرت فيه الروحانيات والإيمان، وقضايا الوطن والأمة، والأم بوصفها رمزًا للعطاء والجذور والأمان.
لكن المحور الأعمق الذي يجمع هذه التجارب هو التحوّل من الألم إلى الوعي، ومن التعلّق إلى النضج، ومن الانكسار إلى استعادة الذات.
أؤمن بأن الشعر الحقيقي لا يكتفي بوصف المشاعر، بل يمنحها معنى، ويجعل التجربة الفردية قادرة على ملامسة التجربة الإنسانية المشتركة. لذلك حرصتُ على أن تكون قصائدي مساحةً يلتقي فيها الذاتي بالإنساني، وتتحوّل فيها الحكاية الشخصية إلى إحساس يستطيع الآخرون أن يجدوا أنفسهم فيه.
لكل كتاب رسالة يسعى إلى إيصالها، فما الرسالة التي أردتِ توجيهها إلى القراء من خلال هذا العمل؟
رسالتي الأساسية هي أن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد، مهما كانت قسوة التجربة التي مرّ بها، وأن الألم، وإن ترك أثره فينا، لا ينبغي أن يتحوّل إلى تعريف نهائي لهويتنا.
وأوجّه رسالتي بصفة خاصة إلى المرأة: أنتِ لستِ مطالبة بأن تكوني قوية طوال الوقت، ولا بأن تخفي جراحكِ حتى تثبتي قوتكِ؛ لكنكِ تستحقين أن تعرفي قيمتكِ، وأن تحمي كرامتكِ، وألا تفقدي نفسكِ وأنتِ تحاولين الحفاظ على الآخرين.
الكبرياء الذي أقصده هو أن نحبّ دون أن نلغي ذواتنا، وأن نسامح دون أن نهدر كرامتنا، وأن نتألّم دون أن نتخلّى عن حقّنا في الحياة من جديد.
وأتمنى أن يخرج القارئ من هذا الديوان وهو أكثر قربًا من ذاته، وأكثر وعيًا بمشاعره، وأكثر إيمانًا بأن النهايات قد تكون بداياتٍ مختلفة، وأن الإنسان يستطيع أن يصنع من شتات تجربته معنى جديدًا لحياته.
فإذا استطاعت قصيدة واحدة أن تواسي قلبًا، أو تعيد الأمل إلى إنسان، أو تساعد امرأة على اكتشاف قيمتها، فسأشعر أن هذا الديوان قد أدّى رسالته.
كيف تقيّمين واقع المطالعة اليوم، وما السبل المناسبة لتشجيع الناس على القراءة وترسيخ حبّ المطالعة لديهم؟
أرى أن المطالعة اليوم تواجه تحديات حقيقية، في ظلّ تسارع الحياة وهيمنة المحتوى الرقمي القصير، الذي يمنحنا كمًّا كبيرًا من المعلومات في وقت وجيز، لكنه لا يمنحنا دائمًا فرصة التأمل والتعمّق. ومع ذلك، لا أعتقد أن القراءة فقدت مكانتها، بل أرى أن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية إعادة تقديم الكتاب إلى القارئ بأساليب تناسب عصره دون التفريط في قيمته.
إن القراءة ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة لبناء الإنسان؛ فهي توسّع مداركه، وتنمّي لغته، وتدرّبه على التفكير النقدي، وتجعله أكثر قدرة على فهم نفسه والآخرين.
ولترسيخ حب المطالعة، أرى أن البداية يجب أن تكون من الأسرة، حين يرى الطفل والديه يقرآن، ومن المدرسة، حين يصبح الكتاب مساحةً للمتعة والاكتشاف، لا مجرد واجب واختبار. كما ينبغي تشجيع الأطفال على اختيار الكتب التي تناسب اهتماماتهم، وتنظيم نوادٍ للمطالعة، وإقامة لقاءات مع الكتّاب، والاستفادة من المنصات الرقمية في الترويج للكتب ومناقشة أفكارها.
وأؤكد هنا أن القارئ لا نصنعه بإجباره على إنهاء كتاب، بل بمساعدته على اكتشاف المتعة التي يجدها بين صفحاته.
وأوجّه رسالة أخيرة إلى كل أسرة ومؤسسة تربوية: ازرعوا في الطفل حبّ السؤال، ثم ضعوا بين يديه كتابًا يساعده على البحث عن الإجابة. فالأمم لا تُبنى بما تملكه من وسائل فحسب، بل بما يمتلكه أبناؤها من وعي ومعرفة وقدرة على التفكير.
وأؤمن أن الكتاب الذي يغيّر فكرةً في عقل إنسان، قد يكون بدايةً لتغيير مسار حياته؛ ولهذا ستظلّ المطالعة من أهمّ الاستثمارات التي يمكن أن نقدّمها للفرد والمجتمع.
الشاعرة دلال بن مداني ديوان شعر أبجدية الكبرياء لامرأة لا تنحني
أجرت الحوار يمينة سادات


























مناقشة حول هذا المقال