شهدت الجزائر، اليوم الأحد، انطلاق ديناميكية متجددة في مسار التحول الرقمي، مع احتضان الطبعة الرابعة لمنتدى تكنولوجيات الإعلام والاتصال “CTO Forum Algeria”، الذي جمع نخبة من المسؤولين والخبراء والفاعلين في القطاعين العمومي والخاص، في خطوة تعكس الوعي المتزايد بأهمية الرقمنة كخيار استراتيجي لا غنى عنه لتعزيز التنمية الاقتصادية وترسيخ السيادة الوطنية في عالم يشهد تحولات متسارعة.
وفي هذا السياق، أكد رئيس التجمع الجزائري للناشطين في الرقميات، الهاشمي بن علي، أن التحول الرقمي لم يعد مجرد خيار، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات العالمية، مشدداً على أن نجاح هذا المسار يقتضي تضافر الجهود بين مختلف الفاعلين، من مؤسسات عمومية وشركات خاصة وجامعات وخبراء، ضمن رؤية موحدة قادرة على تحقيق انتقال رقمي فعّال ومستدام.
وأوضح بن علي، في كلمته خلال المنتدى، أن الحضور الواسع لمختلف مكونات المنظومة الرقمية يعكس وعياً متنامياً بحجم الرهانات المطروحة، ويؤكد أن الجزائر تمتلك بيئة رقمية في طور التشكل والنضج، ما يفتح المجال أمام تحقيق قفزة نوعية في الأداء الرقمي الوطني خلال السنوات المقبلة.
وأشار المتحدث إلى التحول النوعي الذي يشهده أنظمة المعلومات، حيث لم يعد يقتصر على الجوانب التقنية، بل أصبح دوراً استراتيجياً يساهم في صناعة القرار داخل المؤسسات، من خلال ربط التكنولوجيا بالأهداف الاقتصادية وتعزيز القدرة التنافسية والمرونة التنظيمية.
كما ثمّن بن علي إنشاء جمعية مسؤولي أنظمة المعلومات، معتبراً ذلك خطوة مهمة نحو هيكلة المنظومة الرقمية الوطنية، ومؤشراً على دخول مرحلة جديدة من التنظيم والاحترافية في تسيير المشاريع الرقمية، بما يعزز من فرص نجاح التحول الرقمي في الجزائر.
ولفت إلى أن المرحلة الراهنة تتسم بتسارع التطورات التكنولوجية، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والحوسبة السحابية والأمن السيبراني، وهي عوامل تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وتفرض على الدول التكيف معها، مؤكداً أن الرقمنة أصبحت ركيزة أساسية للسيادة الوطنية ومحركاً رئيسياً للنمو.
ركائز السيادة الرقمية والتكوين والشراكة
ومن جانبه، أبرز رئيس الجمعية الوطنية لترقية الرقمنة، فيصل تليلاني، أن تأسيس الجمعية يمثل انطلاقة فعلية لقوة اقتراح ومرافقة تسعى إلى دعم مسار التحول الرقمي في الجزائر، مشيراً إلى أن البلاد تعيش مرحلة مفصلية انتقلت فيها الرقمنة من خيار إلى ضرورة سيادية واستراتيجية.
وأوضح تليلاني أن الاستراتيجية الوطنية للرقمنة للفترة 2025-2032 تضع على عاتق الفاعلين مسؤوليات كبيرة لضمان نجاعة السياسات الرقمية وتعزيز أثرها الاقتصادي، مؤكداً أن مدير أنظمة المعلومات أصبح فاعلاً محورياً في تحويل التحديات التقنية إلى فرص تنموية ملموسة.
وفي هذا الإطار، استعرض ثلاث ركائز أساسية لرؤية الجمعية، تتمثل أولها في السيادة الرقمية، من خلال الالتزام بالقوانين المتعلقة بحماية البيانات وتوطين الأنظمة، باعتبارها مسألة مرتبطة بالأمن القومي المعلوماتي، فيما تتعلق الركيزة الثانية بالتكوين والابتكار، عبر الاستثمار في تطوير مهارات الكفاءات الوطنية وفق المعايير الدولية.
أما الركيزة الثالثة، فتتمثل في الشراكة التفاعلية بين مختلف الفاعلين، حيث تسعى الجمعية إلى لعب دور الجسر الذي يربط بين الإدارة والخبراء وصناع القرار، بما يعزز الشفافية ويرفع من مستوى النجاعة الاقتصادية ويضمن تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وفي سياق متصل، أكد أحمد لمحافظ منتدى “CTO Forum Algeria” أن الأمن السيبراني أصبح قضية استراتيجية في ظل الاعتماد المتزايد على البنية التحتية الرقمية، مشيراً إلى أن حماية البيانات واستغلالها بشكل فعّال تمثلان ركيزتين أساسيتين لتعزيز تنافسية الاقتصاد الرقمي.
وأضاف أن المنتدى يسلط الضوء على محاور أساسية، من بينها الذكاء الاصطناعي، والشمول المالي، والتكنولوجيا الخضراء، والتنمية المستدامة، إلى جانب قضايا الأمن السيبراني، باعتبارها رهانات كبرى تحدد ملامح الاقتصاد العالمي في المرحلة الراهنة.
كما شدد على أن هذا الحدث يشكل فضاءً جامعاً لمختلف الفاعلين، حيث يتيح تبادل الخبرات وبناء شراكات فعالة بين المؤسسات العمومية والقطاع الخاص والجامعات والشركات الناشئة، في إطار مسعى مشترك لتطوير منظومة رقمية وطنية قوية ومنفتحة.
وشهدت التظاهرة مشاركة واسعة لممثلين عن هيئات حكومية ومنظمات دولية، إضافة إلى خبراء ومهنيين ومؤسسي شركات ناشئة، ما يعكس المكانة المتنامية التي يحظى بها المنتدى كمنصة للحوار حول مستقبل الرقمنة وتحدياتها في الجزائر.
ويطمح منظمو هذا الحدث إلى ترسيخ ثقافة الابتكار وتعزيز التعاون بين مختلف الفاعلين، بما يدعم مسار التحول الرقمي ويسهم في تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، قائمة على المعرفة والتكنولوجيا.
وفي ختام أشغال المنتدى، أجمع المشاركون على أن نجاح التحول الرقمي في الجزائر يبقى رهين تعزيز الثقة والعمل المشترك، وتكثيف التنسيق بين مختلف الأطراف، إلى جانب الاستثمار في الكفاءات الوطنية وتطوير البنية التحتية الرقمية، بما يجعل من الرقمنة رافعة حقيقية للسيادة الوطنية ومحركاً أساسياً للنمو الاقتصادي في المرحلة المقبلة.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال