- سلوك الناخب لا يتحدد فقط بما يُتداول عبر الفضاء الرقمي، بل يتأثر أيضاً بعوامل واقعية وملموسة على الأرض
في سياق الاستعدادات للانتخابات التشريعية المرتقبة في 2 جويلية المقبل، يطرح المشهد السياسي في الجزائر جملة من الرهانات والتحولات التي تميز هذا الاستحقاق عن سابقيه، سواء على مستوى طبيعة المترشحين أو آليات ضبط العملية الانتخابية أو حتى سلوك الناخب.
وتأتي هذه المرحلة في ظل إجراءات رقابية أكثر صرامة، وتغيرات لافتة في تركيبة القوائم الانتخابية، إلى جانب تصاعد النقاش حول دور الأحزاب السياسية، ومكانة القوائم المستقلة، وتأثير الفضاء الرقمي على الرأي العام.
وفي هذا الإطار، يقدّم الأكاديمي والمحلل السياسي محمد هدير قراءة معمقة لأبرز هذه التحولات، متوقفاً عند طبيعة الرهانات المطروحة، وحدود تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وتغير أولويات الناخب الجزائري، إضافة إلى مستقبل الأحزاب السياسية التقليدية في ظل هذا السياق الانتخابي الجديد.
ما هي أبرز الرهانات السياسية التي تميز الانتخابات التشريعية المقبلة مقارنة بالاستحقاقات السابقة؟
من أبرز الرهانات التي تواجه المترشحين الجدد في هذه المرحلة، كونهم حديثي العهد بممارسة العمل السياسي، وهو ما يطرح تحدياً مرتبطاً بالخبرة والتجربة الميدانية.
ويعود ذلك، حسب ما قامت به السلطات ومؤسسات مراقبة الانتخابات، إلى اعتماد مقاربة أكثر دقة وصرامة في دراسة ملفات الترشح، من خلال تحقيقات معمقة استندت إلى المادة 200 المتعلقة بشبهات الفساد، بما في ذلك شبهات المال الفاسد.
وقد أدت هذه الإجراءات إلى إقصاء عدد من الوجوه السياسية القديمة، بما في ذلك بعض من سبق لهم شغل مناصب أو ممارسة العمل السياسي لفترات طويلة، ما ساهم في إحداث تغيير ملحوظ في تركيبة المترشحين.
وفي هذا السياق، أفرزت هذه التحريات بروز وجوه سياسية جديدة، ومنحت فرصة لفاعلين جدد لدخول المعترك السياسي، وهو ما قد يساهم في تجديد النخب السياسية.
كما يُتوقع أن ينعكس هذا المسار على تركيبة البرلمان المقبل، الذي قد يتسم، بحسب هذه المعطيات، بدرجة أكبر من النزاهة، نتيجة تعزيز آليات الرقابة ومحاربة المال الفاسد، بما يساهم في أخلقة الممارسة السياسية وترسيخ قواعد الشفافية داخل الحياة الحزبية والانتخابية، ويفتح المجال أمام تجديد حقيقي في المشهد السياسي.
إلى أي مدى يمكن للأحزاب السياسية الحفاظ على مواقعها أمام صعود القوائم المستقلة؟
بخصوص مدى قدرة الأحزاب السياسية التقليدية على الحفاظ على مواقعها أمام صعود القوائم المستقلة والفاعلين الجدد، فيُلاحظ أن القوائم المستقلة قد سجلت تراجعاً مقارنة بانتخابات 2021، رغم أن التعديلات التي مست قانون الأحزاب كانت تهدف إلى تسهيل العملية الانتخابية.
ويُعزى هذا التراجع، حسب المعطيات المتوفرة، إلى ميل العديد من المترشحين نحو الانخراط داخل الأحزاب السياسية، خاصة وأن الأحزاب الممثلة في البرلمان لا تواجه صعوبات كبيرة في جمع التوقيعات، ما يجعل مسار الترشح عبرها أكثر سهولة وتنظيماً.
وفي هذا السياق، يبدو أن الأحزاب السياسية التقليدية ستكون أكثر قدرة على إعادة التموقع وتعزيز حضورها في هذه الانتخابات، مقارنة بالقوائم المستقلة التي لم تتمكن من تحقيق نفس الزخم الذي سجلته في استحقاقات سابقة.
ما مدى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على توجهات الناخبين وصناعة الرأي العام خلال الحملة الانتخابية؟
فيما يخص تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على توجهات الناخبين وصناعة الرأي العام خلال الحملة الانتخابية، غالباً ما يتناول هذا الموضوع في المحاضرات واللقاءات السياسية والإعلامية، معتبراً أن الرهان على هذه الوسائل وحدها يبقى محدوداً.
رغم دور وسائل التواصل الاجتماعي، المتنامي في التسويق السياسي والاتصال السياسي، خاصة مع تطور الخوارزميات الحديثة التي تتيح توجيه المحتوى وإبراز شخصيات سياسية معينة، إلا أنها لا تكفي وحدها لصناعة التأثير الانتخابي الكامل، رغم قدرتها على خلق حضور رقمي وقبول نسبي لدى فئات من الجمهور.
بالإضافة إلى أن المجتمع الجزائري تحكمه إلى حد كبير اعتبارات اجتماعية واقتصادية وتاريخية، وهو ما يجعل سلوك الناخب لا يتحدد فقط بما يُتداول عبر الفضاء الرقمي، بل يتأثر أيضاً بعوامل واقعية وملموسة على الأرض.
جزء كبير من الشباب يتفاعل بشكل واسع مع المحتوى السياسي على منصات التواصل الاجتماعي من خلال الإعجاب والتعليق والمشاركة، لكنه لا يشارك بالضرورة في العملية الانتخابية، بسبب عدم تسجيله في القوائم الانتخابية، وهو ما يخلق فجوة بين التفاعل الرقمي والمشاركة السياسية الفعلية.
وفي هذا السياق، الكتلة الناخبة الفاعلة في الجزائر تميل أكثر إلى الفئات التي تمتلك حساً مدنياً بالمشاركة الانتخابية، بينما تبقى اختيارات عدد من الناخبين مرتبطة بعوامل اجتماعية مثل الانتماء العائلي أو المحلي أو القبلي، إضافة إلى تأثير الانتماء الحزبي.
بالإضافة إلى أن العوامل الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية لا تزال تلعب دوراً حاسماً في توجيه سلوك الناخب، وهو ما يجعل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً من المشهد الانتخابي وليس محدداً وحيداً له.
هل يمكن أن نشهد تغيراً في أولويات الناخب الجزائري مقارنة بالاستحقاقات السابقة؟ وما أبرز هذه الأولويات؟
فيما يتعلق بإمكانية حدوث تغير في أولويات الناخب الجزائري مقارنة بالاستحقاقات السابقة، دور النائب في البرلمان يجب أن يُفهم أساساً على أنه دور تشريعي، يتمثل في سن القوانين وصياغة التشريعات التي تواكب تطور المجتمع.
المجتمع الجزائري يشهد في كثير من الأحيان تحركات وتطورات سريعة على أرض الواقع تفوق سرعة التجاوب التشريعي، وهو ما يجعل مهمة المشرّع مرتبطة أساساً بضرورة مواكبة هذا التحول من خلال إصدار قوانين تتماشى مع حاجيات المجتمع.
وفي هذا السياق، ينتقد المتحدث الخطاب الانتخابي الذي يركز على الوعود الاجتماعية المباشرة مثل توفير السكن أو العمل، معتبراً أن هذا النوع من الخطاب لا يدخل ضمن الصلاحيات الحقيقية للنائب، وإنما هو من مهام السلطة التنفيذية، ما يجعل بعض الوعود الانتخابية غير واقعية.
حيث يعد هذا النمط من الممارسات ساهم في تراجع الثقة بين المواطن والمنتخب، وخلق نوعاً من القناعة لدى فئات من المجتمع بأن الخطاب السياسي في بعض الأحيان لا يعكس الواقع، وهو ما انعكس على مستوى المشاركة السياسية وارتفاع نسب العزوف الانتخابي.
كما أن غياب التواصل السياسي الحقيقي وبناء جسور الثقة بين المواطن وممثليه، على أساس واضح لمهام كل سلطة، ساهم في تعميق هذه الفجوة، خاصة بين السلطة التشريعية التي تتمثل في البرلمان بمجلسيه، والسلطة التنفيذية المنبثقة عن الحكومة.
كما أن النظام السياسي في الجزائر يقوم على نظام شبه رئاسي، حيث يمتلك رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة، من بينها تعيين رئيس الحكومة وأعضاء الطاقم الحكومي، بما يعكس توزيعاً خاصاً للسلطات داخل الدولة.
ولهذا يجب إعادة ضبط أولويات الناخب والتي ترتبط أساساً بترسيخ الوعي بدور النائب الحقيقي كفاعل تشريعي، بعيداً عن منطق الوعود الانتخابية غير القابلة للتجسيد.
يخلص هذا الحوار إلى أن الانتخابات التشريعية المقبلة تمثل محطة سياسية مفصلية تتقاطع فيها عدة تحولات، أبرزها تجديد النخب السياسية، وتعزيز آليات الرقابة على العملية الانتخابية، ومحاربة المال الفاسد، بما قد ينعكس على تركيبة البرلمان المقبل ومستوى تمثيله.
كما يكشف النقاش أن المشهد الانتخابي لم يعد محكوماً فقط بالاعتبارات التقليدية، بل أصبح يتأثر بمزيج من العوامل القانونية والاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، دون أن يلغي ذلك الدور المركزي للوعي السياسي في تحديد اختيارات الناخب.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى الرهان الأساسي مرتبطاً بقدرة الفاعلين السياسيين على إعادة بناء الثقة مع المواطن، وترسيخ فهم واضح لدور المؤسسة التشريعية، بما يضمن انتخابات أكثر نضجاً وشفافية، ويعزز مسار الإصلاح السياسي في البلاد.
حاورته بلقيس بوزيان
























مناقشة حول هذا المقال