تشهد الجزائر في السنوات الأخيرة مرحلة تحوّل اقتصادي مهم، يعكس رؤية استراتيجية شاملة تسعى إلى تعزيز الاقتصاد الوطني، تنويع الإنتاج، ودعم التجارة والحرف المحلية، ضمن أفق التنمية المستدامة.
ويعكس خطاب رئيس الجمهورية الأخير أمام البرلمان هذه الرؤية بوضوح، حيث أكد أن الاقتصاد الوطني في “حالة سالمة وسليمة”، مستندًا إلى مؤشرات علمية وأكاديمية يمكن قياسها ومتابعتها، لتقديم صورة دقيقة عن واقع الاقتصاد الوطني ومتانته.
مؤشرات صحة الاقتصاد الوطني
أكد الأستاذ والمحلل الجيوسياسي عز الدين نميري، في حوار حصري له مع يومية عالم الأهداف حول خطاب رئيس الجمهورية، أن مؤشرات صحة الاقتصاد الوطني تشمل انخفاض فاتورة الاستيراد، والتحول التدريجي نحو دعم الإنتاج المحلي، ما يعكس توجه الدولة نحو تقليص الاعتماد على الخارج وخفض التكاليف الاقتصادية، بالإضافة إلى الحد من تأثير تقلبات الأسعار العالمية على الاقتصاد المحلي. وأوضح نميري أن هذا التوجه يعزز الاستقلالية الاقتصادية ويحد من الاعتماد على النفط والغاز كمصدر وحيد لمداخيل الدولة.
وأضاف أن من بين المؤشرات الأساسية أيضًا دعوة رئيس الجمهورية للكفاءات الوطنية بالخارج للعودة للعمل في الجزائر، مع توفير كل الإمكانيات المادية والبشرية واللوجستية، لتعزيز الاقتصاد الوطني، وبناء قاعدة علمية وتقنية قادرة على المنافسة دوليًا. هذه المبادرة تهدف إلى الاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى الكفاءات الجزائرية في الخارج، بما يسهم في تطوير القطاعات الحيوية ورفع مستوى الإنتاجية.
برامج التنمية المستدامة: رؤية هيكلية طويلة المدى
وحول استمرارية برامج التنمية المستدامة، شدد نميري على أن الجزائر تسير في مسار شامل يركز على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وأوضح أن التنمية المستدامة تتطلب إعداد برامج وسياسات متكاملة على جميع الأصعدة، بما في ذلك البنية التحتية، الأمن الغذائي، الصحة، التعليم، الطاقة، والاقتصاد الرقمي، لضمان الاستفادة الشاملة من الموارد وتحقيق العدالة بين الأجيال. وأكد أن هذه البرامج ليست إجراءات ظرفية، بل رؤية طويلة المدى تهدف إلى إرساء أسس صلبة للتنمية المستدامة، وضمان حماية حقوق الأجيال القادمة.
تراجع التضخم وتنويع الاقتصاد
وأشار نميري إلى تراجع معدل التضخم، مشيرًا إلى أن هذا التراجع يرتبط أساسًا بتحسن الإنتاج الوطني وتنويع الصادرات، خاصة المنتجات الفلاحية والصناعية، ما يقلل من الاعتماد على العائدات النفطية ويعزز السيولة المالية ويتيح التحكم الأفضل في الموازنة العامة.
وأوضح أن هذا التراجع ليس نتيجة إجراءات إدارية ظرفية، بل انعكاس لتحسن حقيقي في الإنتاج الوطني، ودعم الصناعة، وتفعيل المناطق الصناعية، وتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على تطوير منتجاتها.
دعم الصناعة الوطنية وبناء قاعدة صناعية قوية
وفيما يخص رفع نسبة مساهمة الصناعة الوطنية في الناتج الداخلي الخام إلى 10% بعد تراجعها إلى 3% سابقًا، اعتبر نميري أن هذا يمثل بداية مسار هيكلي طويل الأمد لتعزيز القطاع الصناعي، ويتطلب العمل على تطوير الكفاءات الوطنية، وتحفيز القطاع الخاص، وتوفير بيئة استثمارية تنافسية تتيح للشركات المحلية والعالمية الاستثمار وإطلاق مشاريع مستدامة. وأكد أن الاستراتيجية الصناعية يجب أن تركز على الابتكار، جودة الإنتاج، وتصدير المنتجات الجزائرية للخارج لتعزيز القدرة التنافسية للبلاد.
مكافحة الطفيليين الاقتصاديين وحماية القدرة الشرائية
وفيما يتعلق بالحديث عن “الطفيليين” اقتصاديًا، أوضح نميري أنهم الأشخاص أو الجهات التي تستغل السوق لتحقيق مكاسب شخصية على حساب القدرة الشرائية للمواطنين. وأكد أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب حماية المستهلك من خلال دعم السلع الأساسية، رفع الأجور، وضمان وصول المواطن إلى منتجات ذات جودة وسعر مناسب، دون المساس بحرية السوق. وأضاف أن هذه الإجراءات تساهم في تحقيق العدالة الاقتصادية، وتعزيز الثقة بين المواطن والدولة، والحفاظ على كرامة المواطن الجزائري.
تطور التجارة والحرف في الجزائر
في السياق ذاته، أبرز الطاهر بولنوار، رئيس الجمعية الوطنية للتجارة والحرفيين، أن الجزائر شهدت حركية استثمارية غير مسبوقة، شملت مشاركة الأجانب في مشاريع استثمارية متعددة، ما أسهم في خلق فرص جديدة للتجار والحرفيين وفتح آفاق للنمو الاقتصادي. وأوضح أن السياسات الاقتصادية الجديدة ساعدت على تنويع الاقتصاد، ودعم الإنتاج الوطني، وزيادة مساهمة الصناعات المحلية في السوق، خاصة في مجالات الملابس، العطور، مواد التجميل، الأدوات المدرسية، والأجهزة الكهرومنزلية.
وأشار بولنوار إلى أن هذه التحولات جاءت بالتزامن مع تشجيع الشباب على الدخول في عالم المقاولاتية وإنشاء المؤسسات المصغرة والناشئة، ودعم الشراكات مع المستثمرين الأجانب لإطلاق مشاريع مشتركة، ما ساهم في تطوير الصناعات الوطنية ورفع القدرة التنافسية للمنتجات الجزائرية.
حماية القدرة الشرائية وتحقيق الاستقرار الاجتماعي
كما أكد بولنوار أن حماية القدرة الشرائية للمواطنين تعتبر أولوية، حيث تعتمد الدولة على دعم المواد الأساسية ورفع الأجور، ما ساهم في استقرار الأسعار وتحسين مستوى المعيشة. وأوضح أن زيادة مساهمة الصناعة في الناتج الداخلي الخام انعكست إيجابًا على توفر المنتوج الوطني في الأسواق، ما ساهم في منافسته للمنتجات الأجنبية، وزيادة ثقة المستهلك في المنتج الوطني، وتحسين صورة الجزائر اقتصاديًا لدى شركائها الدوليين.
تطوير الحرف والأسواق المحلية
ولفت بولنوار إلى أن الجمعية تعمل على تشجيع الحرفيين على الانخراط ضمن سلسلة الإنتاج الوطني، من خلال تنظيم معارض وطنية ومحلية، وتعريف المستهلك بالمنتوج الوطني، وتحفيز الحرفيين على تحسين جودة الإنتاج وزيادة الكميات. وأضاف أن نجاح التجارة والحرف يعتمد على تضافر جهود الدولة والجمعيات المهنية والقطاع الخاص، مع التركيز على رقمنة القطاع، تطوير البنية التحتية للأسواق، وتأهيل شبكات التخزين لضمان استقرار التموين، وتدريب الشباب على المهارات الحديثة.
آفاق مستقبلية للنشاط الاقتصادي
وأشار بولنوار إلى أهمية مواصلة استحداث أسواق جديدة، عصرنة الأسواق التقليدية، تنظيم النشاط الحرفي، دعم التصدير، وترقية المنظومة التجارية، مع التركيز على القطاعات الحيوية مثل الفلاحة، السياحة، الصناعات الغذائية، وصناعة الغيارات. وأضاف أن هذه الإجراءات ستسهم في بناء اقتصاد منتج ومستدام، يضمن للمواطن القدرة الشرائية، ويعزز مكانة المنتج الوطني في السوق المحلية والدولية.
إن المزيج بين الخطاب الاستراتيجي لرئيس الجمهورية، التحسن الملحوظ في المؤشرات الاقتصادية، دعم الإنتاج المحلي، وتطوير التجارة والحرف، يعكس رؤية شاملة وطويلة المدى لبناء اقتصاد قوي ومستدام في الجزائر، فالتركيز على الإنتاج الوطني، تنويع الصادرات، حماية القدرة الشرائية للمواطن، ودعم القطاع الخاص، كلها عوامل أساسية لتعزيز القدرة التنافسية للجزائر، وضمان استقرارها الاقتصادي والاجتماعي، وتحقيق التنمية المستدامة التي تضمن حقوق الأجيال الحالية والمستقبلية.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال