رياضة الدراجات الهوائية في الجزائر، من الرياضات التي إحتلت مكانة مميزة حيث يعود تاريخها للفترة الاستعمارية، حين برز الكثير من الأبطال الجزائريين ونافسوا الفرنسيين على غرار الطاهر زعاف والإخوة عبد القادر وغيرهم، وتميزت هذه الرياضة والتي صارت إرثا عائليا تورث من الآباء إلى الأبناء، بشعبية كبيرة طيلة حقبة من السنوات لتعيش مراحل متباينة صبغت تاريخها .
تعتبر هذه الرياضة المميزة ذات فوائد كثيرة منها تنمية الروح الجماعية، ووسيلة للترويج السياحي، ومن الناحية النفسية تنمي شخصية الطفل من خلال التدرب على الانضباط وما تقتضيه من مغامرات وتحديات مع الطبيعة، وتملأ وقته متعة مما تبعده عن الوقوع في الآفات الاجتماعية، إلى جانب فوائد صحية كثيرة.
وقد برزت رياضة الدراجات في السنوات الأخيرة وعاد نجمها ليسطع مرة أخرى، وبرزت أسماء جديدة رفعت الراية الوطنية في مختلف المحافل الدولية لتعيد أمجاد رياضة “الأميرة الصغيرة” كما يطلق عليها، ويتألق أبطالها من جديد.
محاولة منا الإطلاع على مختلف التحديات التي تواجه هذه الرياضة، وأسباب تراجع مكانتها وتناقص شعبيتها، كان لنا زيارة للاتحادية الجزائرية للدراجات، وبعض الأندية التي برزت وحققت الكثير من الألقاب سواء على المستوى الوطني أوالإفريقي.
المدير التقني للإتحادية:”حظيت رياضة الدراجات بشعبية أكثر من رياضة كرة القدم”
يؤكد المدير التقني للإتحادية الجزائرية للدراجات رضا كحلال، أن بداية هذه الرياضة في الجزائر تعود لبداية القرن الماضي، ففي سنة1929 كانت أول دورة للدراجات في الجزائر، كما عرفت دورات شمال إفريقيا قبل الاستقلال، حيث برع الجزائريون في النوادي الفرنسية، نتيجة الاحتكاك بالرياضيين الأجانب، وكانت هذه الرياضة تحظى بشعبية أكبر من كرة القدم، ومن أبرز الرياضيين عبد القادر زعاف وأحمد قبايلي ومحفوظ لعجال ومحي الدين قدور، وشيبان أحمد أول من سار 24 ساعة متواصلة، وزعاف الذي شارك أربع مرات في طواف فرنسا وبلغ المستوى العالمي.
وفي هذا السياق يقول المدير التقني”في السبعينات من القرن الماضي كان مستوى الدراجين الجزائريين يضاهي مستوى الأوروبيين، ففي المحافل الدولية كانت الجزائر تتحصل على نتائج إيجابية نتيجة الخبرة المتحصل عليها”.
وتشمل هذه الرياضة حسب كحلال عدة تخصصات وهي سباق المضمار والسباق على الطريق والسباقات الجبلية .
أول ميدالية ذهبية تحرزها الجزائر كان في إختصاص الدراجات
ويضيف المكلف بالإعلام على مستوى الاتحادية محمد زمور، أن هذه الرياضة حافظت على تميزها في المجتمع الجزائري، وقد كانت أول ميدالية ذهبية تتحصل عليها الجزائر في مختلف الرياضات، من نصيب رياضة الدراجات سنة 1965 في الألعاب الإفريقية في برازافيل.
وفي ذات السياق يقول زمور “السياسة الرياضية المتبعة في فترة السبعينات كدمج الأندية في الشركات الوطنية، أعطت دفعا لرياضة الدراجات وأصبح طواف الجزائر ذو مستوى عالمي ويعرف مشاركة دولية، ويعود أول طواف بعد الاستقلال لسنة َ1970، حيث شاركت فيه المنتخبات القوية وكان ترتيب الجزائر في الصدارة واحتل طاهر زعاف ابن عبد القادر الترتيب السابع، كما شارك شعبان عبد القادر في البطولة العالمية العسكرية، فمرحلة السبعينات هي مرحلة ازدهار الدراجة وكانت الجزائر هي الأقوى إفريقيا في هذا الاختصاص”.
الدراجين الجزائريين يعودون للواجهة في الآونة الأخيرة
استمر طواف الجزائر كحدث يستقطب الأبطال من مختلف دول العالم ويحظى بجماهير واسعة إلى غاية سنة1975، ليتوقف لأسباب مختلفة وفي سنة 1984 أعيد بعثه من جديد .
وعن الألقاب المتحصل عليها يقول كحلال” في 1987 وبمناسبة الألعاب الإفريقية في نيروبي تحصلت الجزائر على ثلاث ميداليات في السباق الفردي والمركز الأول في السباق حسب الفرق، وفي 1988 شارك عدة دراجين منهم بن زين السبتي ومير محمد، في الألعاب الأولمبية بسيول” .
آخر طواف كان في سنة 1989بسبب الظروف الأمنية التي كانت تمر بها البلاد، وعادت دورات محلية سنة 2001 و2003، ولم يعد طواف الجزائر بمشاركة دولية، إلا في سنة 2011 وتوقف الطواف مع بداية جائحة كورونا.
في سنة 2019 شاركت الجزائر في الألعاب الإفريقية في المغرب وتحصلت على الميدالية الذهبية عن طريق رقيقي يوسف، ونسيم سعيدي تحصل على البرونزية، وفي نفس السنة وفي البطولة الإفريقية بأثيوبيا تحصل لعقاب عز الدين على الميدالية الفضية في حين نال رقيقي يوسف البرونز، وفي سباق المضمار عام 2020 تحصلت الجزائر على عدة تتويجات، وكان أكبر إنجاز عام 2021 في الألعاب الإفريقية التي جرت في مصر حيث أحرزت الجزائر أكثر من 27 ميدالية منها ثمانية ذهب، و 8فضية وتسعة برونزية، وفي مارس و في سباق دراجة الطريق في مصر تألق سعيدي نسيم ورقيقي يوسف ومنصوري حمزة وتم إحراز ميداليتين ذهبيتين، فضيتين وأربعة برونزية، كما تألقت البطلة حويلي نسرين في البطولة العربية، وأحرزت ست ميداليات ذهبية، وشاركت الجزائر في الألعاب الأولمبية في جنوب إفريقيا وتحصلت على الرتبة 28 عالميا، وهي اليوم تحتل المراكز الأولى إفريقيا إلى جانب رواندا وإريتيريا وجنوب إفريقيا.
رياضة الدراجات تعرف تراجعا من حيث الانضمام وتعاني من مشاكل كثيرة
وتقييما لمسيرة هذه الرياضة في الجزائر يقول المدير التقني للاتحادية” أن رياضة الدراجات تعرف تطورا في العالم و ازدهارا في إفريقيا، أما في الجزائر تعرف تراجعا كبيرا من حيث الانضمام والسبب هو نقص الدعم المادي كما أن توزيع الميزانية لكل الرياضات لا يخضع لشروط وخصوصيات وتكاليف كل رياضة، فرياضة الدراجات مكلفة لذا فأغلبية الأندية اليوم تتوجه نحو التكوين فقط، وذلك لصعوبة التكفل برياضي النخبة، في حين كانت تتكفل بهم شركات وطنية”.
ويضيف كحلال “فالدعم الموجود قليل ففرد واحد من فئة الأواسط والأكابر يكلف ما قيمته 40 مليون سنتيم في السنة، كما أن قطع الغيار منعدمة لذا فشرائها من الخارج جد مكلف، لذا للأسف فهذا أكثر الاسباب التي أدت إلى اندثار هذه الرياضة وتراجع عدد ممارسيها، لذا نجد أنفسنا كلما كبر الأبطال سنا أي في الفئات الكبرى كلما صعب التكفل بهم، وهذا ما خلق لنا مشكل على المستوى الدولي وكثيرا ما يصل الرياضي لأن يتخلى عن هذه الرياضة ليبحث عن مهنة توفر له قوت يومه، لأن وقت التدريب للانتقال إلى المستوى العالي يتطلب تدريبات ما بين 6 أو7 ساعات في اليوم وبالتالي من الصعب أن يعتمد الدراج على الرياضة كمصدر دخل له”.
ويضيف ذات المتحدث ” من الصعب التفاؤل بمستقبل هذه الرياضة في الجزائر مالم يتم التكفل بالدراجين المتألقين”.
وعن تكاليف هذه الرياضة يقول المدير التقني” فاللباس الذي يرتديه الدراج، مستورد لأنه لا يوجد مستثمرين في هذا المجال،وقد تصل تكلفته مابين 2 إلى 3 مليون سنتيم، نظرا لخصوصيته فصنعه يحتاج لدراسة علمية دقيقة لما يتميز به من فوائد صحية ومكيفة حسب المناخ، كما أننا للحفاظ على حياة الدراجين علينا اختيار أحسن الدراجات ذات الجودة العالية ولو بسعر مرتفع”.
وبهدف إنقاذ رياضيين يملكون مؤهلات عالية، عمدت الاتحادية إلى عقد اتفاقية مع الفريق العسكري لكي يستفيدوا من راتب قار، وقد استفاد 28 رياضي من هذه الاتفاقية.
غياب مضامير للتدريب وفضاءات خاصة بالدراجات مشكل آخر يضاف إلى قائمة المشاكل
وفيما يخص انتشار رياضة الدراجات في الجزائر فاليوم حسب المدير التقني يوجد 26 رابطة فقط ذلك أن الميزانية التي تقدم للرابطات لا تشجع على توسيع هذه الرياضة، رغم فوائدها السياحية والإشهارية، بالإضافة إلى العقبات البيروقراطية من السلطات المحلية التي غالبا ما تتخوف من السباقات وتضع عدة عراقيل.
كما أن أكبر المشاكل والتحديات التي تواجه هذه الرياضة حسب ذات المسؤول، هو انعدم ممرات خاصة بها على مستوى الطرقات وغياب مضامير للتدريب، فحاليا يوجد مضمار في ملعب 20 أوت وهو غير متاح إضافة إلى مضمار في عنابة، فوجود مضامير بمستوى عالمي في الجزائر لا يوجد وهنا يقول المكلف بالإعلام على مستوى الإتحادية:”حاولنا طرح مشروع لخلق فضاءات خاصة بالدراجات، ولم نتلقى الرد، كما أن مشروع لإنشاء مضمار في معسكر والذي يمكن استغلاله لبطولات عالمية وللسباقات والتدريب و الذي انطلق منذ سنوات توقفت أشغاله، ورغم عدة مراسلات إلا أن الوضع لا يزال على حاله”.
ومن المشاكل التي تعانيها هذه الرياضة في الجزائر يقول المدير التقني “لا يوجد تصنيف قاري، وبالتالي فالمنتخب الوطني له سباقات محدودة وهذا يعود لعدم التكفل به، واليوم مع استحداث الرياضة الجبلية نطمح لتجاوز3000 منخرط وهذا هو العدد الحالي للمنظمين للأندية والرابطات، فالرقم ضعيف جدا مقارنة بالدول الأخرى”.
فالإستراتجية التي اعتمدتها الإتحادية للنهوض بهذه الرياضة، تتمحور حول إعطاء أهمية كبيرة للإطارات، لأن هناك نقص في هذا المجال، نتيجة عدم وجود دخل قار للمدربين والميكانكيين، كما سطرت برنامجا لمرافقة الأندية الرياضية والرابطات بالتنسيق مع مديريات الشباب والرياضة، وخلق تخصصات جديدة والاهتمام بالرياضة النسوية لرفع عدد المنخرطين، وعلى صعيد آخر أنشئت لجنة لتطوير الرياضة النسوية وخلق فرع للبنات وتشجيعها بتوفير العتاد وذلك لرفع مستوى الفرق الجهوية .
وفيما يخص التحضير لألعاب البحر الأبيض المتوسط تم حشد أكبر عدد من الرياضيين وتنظيم تربصات في الخارج، وخلق برنامج تربصات في جميع الفئات وإدماج أكبر عدد من الرياضيين في الخليج وأوروبا، تحضيرا للألعاب الإفريقية القادمة في نهاية هذا الشهر والتي ستكون حسب كحلال” أول امتحان حقيقي يظهر مستوى التحضيرات”.
فرع دالي ابراهيم للدراجات أكثر الأندية التي أحرزت عدة ألقاب وطنيا وقاريا
فرع دالي إبراهيم لرياضة الدراجات من أقوى الأندية وأكثرها إحرازا للألقاب، وينشط الفرع تحت غطاء النادي الرياضي لدالي إبراهيم، يترأسه المدرب الوطني حمزة مجيد، وهومن الأبطال الذين أحرزوا العديد من الألقاب القارية والعربية.
وحسب ما أكده لنا المدير التقني للنادي وأحد المدربين العاشقين للدراجة من عائلة حمزة، حمزة زكري أن فرع الدراجات أحرز عدة بطولات وطنية، و كون أحسن الدراجين الذين رفعوا الراية الوطنية في مختلف المحافل الدولية، ولا يزال يستقطب محبي الأميرة الصغيرة.
أما عن التحديات الموجودة يطرح زكري حمزة الكثير من الانشغالات التي باتت تؤثر على النادي والنتائج المتحصل عليها قائلا”نعاني اليوم عدة مشاكل منها انعدام المساحات الخضراء للتدريب، وارتفاع تكاليف الدراجة وقطع غيارها إضافة إلى نقص الدعم للتكفل بالنخبة والمدربين الذين في الغالب متطوعين، لأنهم من عشاق هذه الرياضة,وفيما يخص المشاركة في الكثير من التظاهرات أحيانا نتحمل الأعباء المادية من مالنا الخاص”.
وناشد المدير التقني للنادي المسؤولين على مستوى المركب الأولمبي 5 جويلية لفتح فضاءات للتدريب خاصة وأن هذه الرياضة تستقطب شريحة واسعة من الشباب والأطفال .
حمزة مجيد… البطل الذي أشرف على المنتخب الإماراتي
حمزة مجيد بطل سابق أحرز عدة ميداليات كان من أبرز الأبطال في إفريقيا والوطن العربي، تحصل على عدة ألقاب عربية وإفريقية واحتل مراتب متقدمة في الترتيب العالمي، وأشرف على الفريق الوطني للدراجات، وهو اليوم يشرف على فرع دالي إبراهيم.
وفي حديث جمعنا بهذا البطل الذي تجاوز السبعين عاما ولا يزال في لياقة بدنية وفي قمة عطائه، أكد لنا أن دخوله لعالم الدراجة كان في سنة 1961،في نادي بالأبيار، كان بطل الجزائر أكثر من 10 مرات، شارك في البطولة العالمية سنة 1964 وتحصل على أول لقب قاري ونال الميدالية الذهبية في الألعاب الإفريقية 1965، وفي1968 تحصل على اللقب إفريقي في نيجيريا، وطواف السينغال في 1971، وبقي كدراج ثم مدرب للمنتخب الوطني للدراجات، إلى غاية سنة 1993 حيث استدعته الإمارات العربية المتحدة على إثر النتائج التي حققها المنتخب الوطني في البطولة العربية التي جرت
في المغرب
، وأصبح مدرب للمنتخب الإماراتي لمدة سبع سنوات وقد حقق معه المنتخب الإماراتي نتائج جد إيجابية وتألق في عدة المناسبات.
بعد العودة من الإمارات أشرف حمزة مجيد سنة 2000 على نادي سوفاك للدراجات الذي نال البطولة الوطنية وحاز على الجائزة الأولى في بطولة إفريقيا للأندية، وشارك في بطولة العالم في إيطاليا، ليعود البطل الدولي ليشرف على فرع الدراجات في النادي الرياضي لدالي إبراهيم ولا يزال يقدم خبرة أكثر من 60 سنة لمحبي هذه الرياضة.
نادي رويبة أبرز خزان للنخبة الوطنية في صنف البنات
يعتبر نادي الدراجات لرويبة من أنشط الأندية في الجزائر في صنف البنات، يعمل على تكوين الفئات النسوية، تأسس سنة 2015، وقد حقق هذا النادي عدة نتائج إيجابية، حسب ما أكده لنا رئيسه كريم مشتاق.
وبعد عام من تأسيسه انخرط النادي في رابطة الدراجات لولاية الجزائر، وأصبح يشارك في مختلف المنافسات الوطنية وتميز النادي ليقدم عدة عناصر ضمن الفريق الوطني في كلا الجنسين، وقد تجاوز عدد المنضمين للنادي 85 منخرط.
وقد برز نادي رويبة للدراجات من خلال تنظيم عدة تظاهرات، منها تنظيم الألعاب الإفريقية للأشبال بالتنسيق مع الإتحادية، كما حقق نتائج إيجابية في البطولة العربية في شرم الشيخ سنة2018 وتحصل على ميداليتين برونزية وفضية.
ويهدف هذا النادي المتميز حسب السيد مشتاق لدعم الفريق الوطني بعناصر في مختلف الأصناف وهو الآن بصدد تحضير للمنافسة المتوسطية أما عن المشاكل والتحديات فعلى غرار الأندية الأخرى، فهو يعاني من النقص المالي وقلة الدعم للاستمرار في تألقه باعتبار هذه الرياضة من الرياضات المكلفة وتتطلب دعما مستمرا.
علي جماح
دورة رياضة الدراجات قيمة تنافسية وحدث مميز
في كتابة مسيرة ومواقف تحدث الإعلامي مسعود قادري عن مكانة هذه الرياضة المتميزة التي كانت تتمتع بشعبية كبيرة وكانت دورة الدراجات التي تحتضنها الجزائر في سنوات السبعينات في كل عام ذات قيمة عالية شعبيا ورسميا وإعلاميا .
وعلى المستوى السياحي والثقافي كانت الدورة فرصة للتعريف بالبلاد ورونق طبيعتها كما تتيح الدورة للدراجين الأجانب التعرف على عادات الجزائريين الذين كانوا لا يترددون في انتظار القافلة وتشجيع الدراجين.
وعلى الصعيد الإعلامي كان لدورة الدراجات اهتمام خاص وتتسابق الجرائد في تخصيص حيز لابأس به للحديث عن المنافسات.
أما في السنوات الأخيرة يقول الأستاذ قادري أن هذه الرياضة طواها النسيان وضاعت بين أرجل التائهين في البحث عن ألقاب كرة القدم التي تأخذ أكثر مما تعطي، أما الملكة الصغيرة فقد تعود للواجهة اذا نجح المشرفون عليها في العودة إلى أرشيف دورة الجزائر واستغلال نتائجها وماضيها الزاخر.
أعدت الملف زهور بن عياد

























مناقشة حول هذا المقال