أشرف رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، السيد عبد المجيد تبون، صباح يوم الخميس، على مراسم تخرّج دفعات الأكاديمية العسكرية لشرشال “الرئيس الراحل هواري بومدين”.
في أجواء احتفالية تزامنت مع الذكرى الـ63 لعيد الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية، حيث شمل الحفل تخرّج الدفعة السادسة والخمسين من التكوين الأساسي، والدفعة الثامنة عشرة من التكوين العسكري القاعدي المشترك، والدفعة التاسعة من ضباط دورة الماستر.
كان في استقبال رئيس الجمهورية الفريق أول السعيد شنڨريحة، وقد استهلت المراسم بتقديم التشريفات العسكرية، تلاها عرض مفصل حول الأكاديمية ومسار التكوين بها، استعرض أبرز محطاتها والدفعات المتخرجة منها.
بساحة العلم، أشرف السيد رئيس الجمهورية على مراسم تخرّج الدفعات للسنة الدراسية 2024-2025، حيث ألقى الفريق أول السعيد شنڨريحة كلمة عبّر فيها عن بالغ الامتنان لرئيس الجمهورية نظير إشرافه على هذا الحدث البارز، كما نوّه بالدور المحوري الذي تلعبه الأكاديمية في تخريج إطارات متشبعة بالقيم الوطنية، ومزودة بكفاءة علمية ومهنية عالية، تواكب التحديات والتحولات الجيوسياسية المتسارعة.
وأكد الفريق أول على التزام القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي بدعم وتطوير المنظومة التكوينية، من خلال توفير الموارد البشرية والبيداغوجية والمادية الضرورية، في سبيل إعداد جيل من الضباط القادرين على حماية أمن الوطن واستقراره، والتصدي بكفاءة لمختلف التهديدات.
في كلمته، استحضر الفريق أول بطولات الآباء والأجداد الذين ناضلوا من أجل نيل الحرية والاستقلال، داعياً المتخرجين إلى الحفاظ على هذه الأمانة الغالية، والعمل بإخلاص وإرادة قوية من أجل بناء جزائر جديدة، قوية ومتلاحمة، وواعية بأهمية تعزيز الجبهة الداخلية.
من جهته، أشاد قائد الأكاديمية بالمستوى الرفيع الذي أبان عنه المتخرجون، مشيراً إلى أنهم تلقوا تكويناً عسكرياً وعلمياً نوعياً، يجعلهم مستعدين للاضطلاع بمهامهم بكفاءة واقتدار.
عقب أداء القسم، قلّد السيد رئيس الجمهورية الرتب وسلّم الشهادات للمتفوقين الأوائل، وفي سياق تقليد راسخ، سلّمت الدفعة المتخرجة راية الأكاديمية للدفعة الموالية، قبل أن يتقدّم المتفوق الأول من التكوين الأساسي بطلب تسمية الدفعة باسم المجاهد الراحل العميد حسين بن حديد، متبوعاً بتقديم نبذة عن مسيرته النضالية والعسكرية.
في ختام المراسم، زار رئيس الجمهورية المعرض العلمي الذي أنجزه الطلبة المتخرجون بالمجمع البيداغوجي “الشهيد ديدوش مراد”، حيث اطلع على مشاريعهم وابتكاراتهم، قبل أن يكرّم عائلة المجاهد العميد حسين بن حديد، ويوقع على السجل الذهبي للأكاديمية، في لحظة رمزية جسدت عمق الارتباط بين الذاكرة الوطنية والمستقبل العسكري للبلاد.
الجيش الجزائري بين التكوين والاحترافية: رسائل استراتيجية من شرشال

إن إشراف رئيس الجمهورية شخصيًا على تخرج دفعات الأكاديمية العسكرية، وتزامن المناسبة مع احتفالات الذكرى الـ63 لاسترجاع السيادة الوطنية، لا يمكن فصله عن الرسائل السيادية التي تبعث بها الدولة الجزائرية إلى الداخل والخارج.
الحضور الرمزي القوي لمؤسسة الجيش، بقيادتها العليا، يكرّس صورة التجانس بين القيادة السياسية والعسكرية في البلاد، ويؤكد مجددًا على مركزية المؤسسة العسكرية في مشروع بناء الدولة الجزائرية الحديثة، القائمة على مبادئ الاستقلالية والقرار السيادي الحر.
الخطاب الذي ألقاه الفريق أول السعيد شنقريحة أبرز بوضوح التوجه الاستراتيجي الذي تسلكه القيادة العليا للجيش، والمتمثل في تحويل التكوين العسكري إلى ركيزة لبناء جيش احترافي قادر على التأقلم مع تحديات بيئة أمنية معقدة، لا سيما في ظل التوترات الإقليمية بشمال إفريقيا ومنطقة الساحل.
طلب تسمية دفعة التخرج باسم المجاهد العميد حسين بن حديد يحمل دلالات مهمة، فاختيار شخصية عسكرية بارزة من جيل الثورة يربط الماضي بالحاضر، كما يمثل محاولة لترسيخ ثقافة الوفاء للذاكرة الوطنية كجزء من العقيدة العسكرية الجزائرية.
زيارة رئيس الجمهورية للمعرض العلمي المنجز من طرف الطلبة المتخرجين يندرج ضمن مقاربة الجيش كمؤسسة علمية بقدر ما هي عسكرية، وهذا يتماشى مع توجه عالمي جديد يعتبر أن التفوق العسكري في القرن الـ21 لن يكون فقط بالسلاح، بل أيضًا بالتكنولوجيا، الذكاء الاصطناعي، والابتكار.
من المهم التوقف عند مشاركة ضباط متخرجين من “دول شقيقة وصديقة”، وهي إشارة إلى أن الأكاديمية العسكرية لشرشال لا تقتصر على التكوين الوطني، بل تؤدي دورًا دبلوماسيًا عسكريًا يعكس ثقة الدول الأخرى في النظام التكويني الجزائري. كما يعزز هذا حضور الجزائر كلاعب إقليمي مسؤول قادر على تصدير الخبرة الأمنية والتكوينية.
هذا الحدث لم يكن مجرد تخرّج دفعات جديدة، بل كان تجسيدًا متكاملاً لرؤية الجزائر في بناء جيش قوي، متمسك بقيم التاريخ، ومتجه بثقة نحو المستقبل.
إن الربط بين التاريخ، الحداثة، والعلم داخل مؤسسة عسكرية، يشكّل حجر الأساس لأي مشروع نهضوي حقيقي، خاصة في سياق عالمي متوتر يتطلب من الدول تعزيز أمنها القومي.
لقد كانت مراسم تخرج دفعات الأكاديمية العسكرية لشرشال مناسبة لإعادة التأكيد على أن الجيش الوطني الشعبي يبقى أحد الأعمدة الصلبة للدولة الجزائرية الحديثة، وضامنًا لأمنها واستقرارها وسيادتها.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال