شهدت الطبعة الرابعة لمعرض التجارة البينية الإفريقية بالجزائر حضوراً لافتاً لعدد من المؤسسات الناشئة التي تمكنت من إبراز قدراتها التنافسية على المستوى القاري، من بينها شركة كارباتيا التي أثبتت خلال مشاركتها قدرتها على التحول من مشروع صاعد إلى فاعل اقتصادي يملك رؤية واضحة وشراكات واعدة.
وقد نجحت الشركة، خلال أيام المعرض، في توقيع اتفاقيات تعاون استراتيجية مع شركاء مهمين في الجزائر، وهو ما شكل خطوة نوعية نحو توسيع نشاطها وتعزيز حضورها في مجال الصناعات الدقيقة.
في هذا الحوار، يفتح لنا المدير التنفيذي لشركة كارباتيا، ناصر بن زكري المجال للتعرف أكثر على خلفيات هذه المشاركة، تفاصيل الاتفاقيات التي تم توقيعها، والدور الذي تطمح الشركة للعبه في الصناعة المحلية.
تأسست كارباتيا في بدايات الألفية خارج الجزائر في الوليات المتحدة الأمريكية، واشتغلت ضمن مجالات متقدمة تشمل الهندسة الميكانيكية الدقيقة، الصناعات الدفاعية، الطيران والفضاء.
وقد توسعت لاحقاً نحو بولونيا وتركيا، قبل أن يقرر صاحبها في نهاية 2023 العودة إلى الجزائر وتوطين جزء أساسي من نشاطها داخل البلاد.
في خطوة تجسّد عودة الكفاءات الوطنية من المهجر واستثمار الخبرات المكتسبة في بناء اقتصاد وطني متين، يصف الرئيس التنفيذي هذا القرار بأنه عودة انتماء والتزام قبل أن يكون توسعاً استثمارياً، قائلاً إن الهدف ليس البحث عن سوق جديدة فقط، بل الإسهام في صناعة نهضة وطنية متينة.
تأسست شركة كارباتيا للهندسة الدقيقة في الجزائر مطلع سنة 2024، كامتداد لشبكة كارباتيا العالمية التي تمتلك أكثر من ثلاثة عقود من الخبرة في مجالات الهندسة الميكانيكية الدقيقة عبر الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط.
حيث يؤكد الرئيس التنفيذي للشركة أن تأسيس كارباتيا الجزائر لم يكن مجرد مشروع مهني، بل “استثمار عاطفي وإنساني” نابع من رغبة حقيقية في “العودة إلى الوطن الأم” والمساهمة في بناء قاعدة صناعية وطنية متطورة.
مشاركة متميزة في معرض التجارة البينية الإفريقية (IATF)
شكّلت مشاركة كارباتيا في معرض التجارة البينية الإفريقية (IATF) محطة استراتيجية فارقة في مسار الشركة،
حسب ما أكده بن زكري حيث شهدت توقيع “ثلاثة عقود كبرى بقيمة إجمالية بلغت 105 ملايين دولار”، ما جعلها ضمن أبرز الفاعلين الصناعيين المساهمين في رسم ملامح الجزائر الصناعية الجديدة.
حيث تم توقيع اتفاقية مع شركة جزائرية في إطار البيع والترويج و تصدير المنتجات الجزائرية للسوق الامريكية والكندية.
وفي إطار رفع نسبة الإنتاج المحلي في التصنيع، وقعت المؤسسة اتفاقيات شراكة مع شركات وطنية تعمل في مجال قطع الغيار.
يؤكد المدير التنفيذي قائلا:” المعرض نقل المؤسسة من مرحلة التأسيس الى مرحلة الإنتاج و التوسع على السوق الوطني، لقد دخلنا للصناعة والجزائرية من باباها الواسع عبر المعرض”.
حيث أكد لنا ذات المتحدث أنه “بفضل هذه الإنجازات، أصبحت الشركة تحظى بمتابعة ودعم مباشر من رئاسة الحكومة والوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، ضمن توجه وطني لدعم المؤسسات ذات المردودية الحقيقية.
ولقد أكد لنا ذات المتحدث أن ملف متابعة تنفيذ هذه الاتفاقيات يقف عليه الوزير الأول سيف غريب شخصيا بتكليف من رئيس الجمهورية في إطار تذليل كل الصعوبات التي قد تواجه تتطور هذه المشاريع.
وفيم يتعلق بتطوير الإنتاج الصناعي المحلي، أكد بن زكري أنه من الأشخاص الذين رأوا في قرار استيراد قطاع الغيار في الجزائر، قرار إستراتيجي من شأنه أن يشجع على تطوير الصناعة في الجزائر.
وفي هذا الصدد روى بن زكري قصة اعتبرها مؤلمة حيث قال” من المؤسف جدا ان اروي هذه القصة لكن عن عودتي إلى الجزائر دخلت إلى محل بيع قطاع غيار للسيارات لأتفاجأ بأن أبسط قطع الغيار المتواجدة في السوق مصنعة”.
ومن جهة أخرى، أكد بن زكري بأن المعارض الوطنية، مثل معرض السيارات، معرض الأغذية، لطالما أثبتت جودة المنتج الوطني وتطوره.
المناخ الاستثماري في الجزائر… فرص تتوسع ورؤية واضحة
يرى الرئيس التنفيذي أن “المناخ الاستثماري في الجزائر يشهد تحسناً واضحاً وتسارعاً في الإصلاحات الاقتصادية”، معتبراً أن القوانين الجديدة شجعت المبادرة الخاصة وساهمت في تسهيل الإجراءات الإدارية.
لكنه يشير إلى أن “الرهان الحقيقي يكمن في تسريع التنفيذ، وتفعيل أدوات تمويل مبتكرة مثل التمويل الإسلامي والتأجير التمويلي، وتطوير الشراكات بين القطاعين العام والخاص في المشاريع التكنولوجية”.
ويضيف أن الجزائر مؤهلة لأن تصبح “واحدة من أهم القواعد الصناعية في إفريقيا والبحر المتوسط” إذا استمر هذا النهج الإصلاحي الطموح.
NAPEC 2025 انطلاقة نحو قطاعات استراتيجية
لقد اعتبر بن زكري مشاركة كارباتيا في صالون NAPEC 2025 بمثابة الظهور الرسمي الأول لها في الفعاليات الصناعية الكبرى، حيث عرضت الشركة “قدراتها التقنية المتقدمة في مجالات الطاقة والصناعة”، وحظي جناحها باهتمام واسع من شركات محلية ودولية كبرى في قطاع النفط والغاز، على رأسها سوناطراك وشركاؤها.
وأكدت الشركة أن حضورها في هذا المعرض شكل “تدشيناً فعلياً لدخولها قطاعات استراتيجية”.
وفي حديثه، عن الخبرة الجزائرية، أكد أنه بالرغم من تعامله مع مهندسين أجناب من اسيا أوروبا أمريكا، فهو يعتبر المهندسين الجزائريين من أكثر المهندسين تفوقا وابتكارا.
شراكات ومشاريع صناعية واعدة
أسفرت اللقاءات الثنائية خلال صالون NAPEC عن مشاريع نوعية قيد التنفيذ، أبرزها إنشاء مركز صيانة صناعية متقدمة للأجهزة الدوارة والأختام الميكانيكية بالشراكة مع مؤسسة ألمانية.
إطلاق خط إنتاج محلي لقطع الغيار عالية الدقة بدعم من شركاء أوروبيين وخليجيين.
إنشاء مختبر هندسي متكامل في الأبيار للتحليل المعدني والمعايرة وتكوين الكفاءات الوطنية.
وتعد هذه المشاريع خطوة عملية نحو تحقيق “الاستقلال الصناعي التدريجي للجزائر.
تجديد عقد الثقة بين الدولة والقطاع الخاص
في تعليقه على اللقاء الذي جمع المتعاملين الاقتصاديين برئيس الجمهورية، وصف الرئيس التنفيذي المبادرة بـ”القوية والصادقة”، مضيفاً أن رسالة الدولة كانت واضحة: “ابنوا، ووطّنوا، وصدّروا.”
وأكد أن اللقاء شكل تجديداً لعقد الثقة بين الدولة والقطاع الخاص، مشدداً على أن “كارباتيا تعتبر نفسها جزءاً من الرؤية الوطنية لتحقيق السيادة الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل”.
لقد اعتبر ذات المتحدث بأن رئيس الجمهورية قدم رسائل إيجابية مباشرة وضمنية خلال اللقاء، الرسائل الواضحة هي الانطلاق بالعمل المباشر، يجب أن تنفذ هذه الاتفاقيات، مشيرا إلى أن رئيس الجمهورية كلف الوزير الأول بمتابعة ملفات اتفاقيات معرض التجارة البينية.
ومن جهة أخرى، أشار بن زكري أنه من بين الرسائل الضمنية التي رصدها المستثمرون خلال اللقاء، ” لقد اعترفنا أمام العالم بأننا قوة اقتصادية وصناعية واعدة يجب ان نفي بهذه الوعود”.
لهذا أشاد بن زكري بهذه المبادرة، قائلا “عندما يقدم رئيس جمهورية على توجيه مثل هذا الخطاب المحفز والقوي للمستثمرين، نحن كمؤسسة نشعر بعبئ الالتزام بتنفيذ هذه الاعمال، وخاصة بعد اطاحة كل العراقيل التي قد تقف أمامنا”.
كما اعتبر اللقاء” لقاء محفز وإيجابي جدا، وإثبات لقوة الدولة ودعم رئيس الجمهورية للاستثمار”.
مشروع وطني يهدف لنقل التكنولوجيا وتوطين المعرفة الصناعية
يرى المتحدث أن كارباتيا ليست مجرد شركة، بل “مشروع وطني في طور التوسع”، يهدف إلى تعويض الاستيراد بإنتاج محلي موثوق وقابل للتصدير.
نقل التكنولوجيا وتوطين المعرفة الصناعية في الجزائر، تكوين جيل من المهندسين الشباب في مجالات التصميم ثلاثي الأبعاد والمعايرة والهندسة العكسية، خلق فرص تشغيل نوعية، داخل منظومة تكنولوجية وطنية متكاملة.
ويضيف أن الشركة تسعى لأن تكون جسراً بين رؤية الدولة وطموح الشباب الجزائري، لأن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا بتكامل الأجيال.
اختتم الرئيس التنفيذي حديثه برسالة مؤثرة إلى الشباب الجزائري قائلاً:
“لا تنتظروا الظروف لتتحسن، بل اصنعوها أنتم. من يبدأ بخطوة صغيرة اليوم قد يصنع إنجازاً كبيراً غداً.
وأضاف: ” الدقة ليست في الماكينات فقط، بل في العقلية والانضباط والإخلاص في العمل.”
وأكد أن “كارباتيا تفتح أبوابها للشباب الجزائري ليتعلم ويشارك ويقود مستقبلاً صناعياً مشرقاً يحمل شعار “صُنع في الجزائر “.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال