لم تعد مكافحة حرائق الغابات تعتمد فقط على الوسائل التقليدية المتمثلة في فرق الإطفاء وشاحنات المياه والطائرات المخصصة لإخماد النيران، بل أصبحت التكنولوجيا الحديثة عنصراً أساسياً في رصد الحرائق والتنبؤ بسلوكها وتحديد بؤرها الساخنة وتوجيه فرق التدخل، بل وحتى حماية رجال الإطفاء أنفسهم.
وتبرز الولايات المتحدة الأمريكية كإحدى الدول التي راكمت خبرة واسعة في التعامل مع حرائق الغابات، بالنظر إلى تواترها واتساع رقعة الأضرار التي تخلفها. وخلال الفترة الممتدة من الأول من جانفي إلى 30 جويلية 2019، شهدت الولايات المتحدة 25,619 حريقاً، وفقاً للمركز الوطني المشترك بين الوكالات لمكافحة الحرائق، أتت على نحو 3.2 مليون فدان، ففي كاليفورنيا وحدها، كان أكثر من مليوني عقار معرضاً لخطر مرتفع أو شديد من أضرار الحرائق.
وفي عام 2018، أصبح حريق «كامب فاير» في شمال كاليفورنيا أكثر الحرائق فتكاً وتدميراً في تاريخ الولاية، بعدما أدى إلى وفاة ما لا يقل عن 88 شخصاً وتدمير نحو 18,800 مبنى، فيما قدرت الخسائر الاقتصادية بما يتراوح بين 8.5 و10.5 مليارات دولار.
هذه التجربة الطويلة دفعت الولايات المتحدة إلى تطوير منظومة متكاملة لمكافحة حرائق الغابات.
الطائرات.. من الإخماد إلى جمع المعلومات
خلال مواجهة حرائق الغابات في كاليفورنيا، استعانت الفرق بطائرة «Global SuperTanker»، وهي طائرة جامبو معدلة قادرة على حمل نحو 73 ألف لتر من المواد المثبطة للحرائق، إلى جانب مروحية «S-64 Aircrane» المخصصة للرفع الثقيل، والتي يمكنها حمل نحو 10 آلاف لتر من المياه.
ولا يقتصر دور الطائرات على إخماد ألسنة اللهب، إذ يمكن استخدامها لمراقبة انتشار الحريق من خلال أجهزة الاستشعار ومقاطع الفيديو المرتبطة ببيانات نظام تحديد المواقع العالمي «GPS»، وتُدمج هذه البيانات في برامج متطورة لنمذجة الحرائق، تساعد على التنبؤ بسلوك الحريق والمسارات المحتملة لانتشاره.
كما تستطيع النماذج الحاسوبية تقديم خرائط دقيقة للتضاريس وحركة الهواء، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل ارتباط سلوك الحرائق بدرجة كبيرة باتجاه الرياح وسرعتها، وتساعد هذه المعطيات رجال الإطفاء على فهم كيفية تحرك النيران على مستوى سطح الأرض، واتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن توزيع الفرق والوسائل.
لكن الطائرات المأهولة تفرض في المقابل تكاليف كبيرة مرتبطة بالصيانة وتدريب الطواقم، فضلاً عن المخاطر التي تواجه الطيارين في ظل الدخان الكثيف والاضطرابات الجوية والحرارة الشديدة.
الطائرات المسيّرة.. عيون في سماء الحرائق
في مواجهة هذه التحديات، اتجهت الولايات المتحدة بشكل متزايد إلى استخدام الطائرات المسيّرة، باعتبارها وسيلة توفر إمكانات كبيرة للمراقبة والاستطلاع مع تقليل المخاطر البشرية.
ويمكن للطائرات الصغيرة متعددة المراوح والطائرات الأكبر ذات الأجنحة الثابتة التحليق فوق مناطق الحرائق لفترات طويلة، كما يمكن تشغيل بعضها عن بعد أو بواسطة أنظمة طيران ذاتية.
وتُجهز الطائرات المسيّرة المخصصة لمراقبة الحرائق بكاميرات عالية الدقة وكاميرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء والتصوير الحراري، وهو ما يسمح لها بالعمل في ظروف لا تستطيع فيها الطائرات المأهولة أداء مهامها بسهولة.
فالدخان قد يحجب الرؤية عن سطح الأرض لأيام، كما يشكل خطراً على أطقم الطائرات بسبب استنشاقه. أما الطائرات المسيّرة، فيمكنها التحليق وسط هذه الظروف وجمع المعلومات دون تعريض طيار للخطر.
وتساعد هذه الطائرات في توجيه الفرق الأرضية، ورصد المنشآت الحيوية مثل خطوط الكهرباء والمياه، وتحديد الأجسام الخطرة أو القابلة للاشتعال، فضلاً عن إنتاج صور جوية مرتبطة جغرافياً وخرائط حرارية وبيانات عن درجات الحرارة في المناطق المتضررة.
وتستطيع بعض الطائرات المسيّرة المتخصصة أيضاً الوصول إلى مناطق يصعب بلوغها ونقل خراطيم المياه أو معدات مكافحة الحرائق إليها.
ولا يتوقف دور الطائرات المسيّرة عند مرحلة مكافحة الحريق، إذ يمكن استخدامها أيضاً في عمليات إعادة التشجير بعد انتهاء الحرائق، من خلال إسقاط البذور في المناطق التي يصعب على الفرق الأرضية الوصول إليها. ويمكن برمجة عملية توزيع البذور وفق خرائط التضاريس، بما يسمح بتنفيذ عمليات إعادة التشجير بصورة أكثر دقة وتنظيماً.
التصوير الحراري.. اكتشاف النار التي لا تُرى بالعين
أصبحت تقنية التصوير الحراري أكثر انتشاراً وأقل تكلفة، وهو ما جعلها من الأدوات المهمة في مكافحة حرائق الغابات.
وتتيح الكاميرات الحرارية المحمولة والأجهزة التي يمكن تركيبها على الهواتف الذكية لرجال الإطفاء الرؤية عبر الدخان وتحديد بؤر الحرائق النشطة، وحتى اكتشاف مناطق من الغطاء النباتي تحترق دون أن تنتج دخاناً واضحاً.
وتكتسب هذه القدرة أهمية كبيرة في عمليات التدخل، لأن تحديد البؤر الساخنة يسمح للفرق بالتركيز على المناطق الأكثر نشاطاً وخطورة، وتوجيه الموارد البشرية والمعدات إليها بشكل أكثر فعالية، بدلاً من توزيعها بشكل عشوائي على مساحة الحريق.
حماية رجال الإطفاء بالتكنولوجيا
لا تقتصر التكنولوجيا المستخدمة في مكافحة الحرائق على مواجهة النيران، بل تمتد أيضاً إلى حماية رجال الإطفاء أنفسهم، الذين يعملون في ظروف شديدة الخطورة.
وتتعرض أطقم الطائرات لحوادث مرتبطة بعمليات مكافحة الحرائق، الأمر الذي دفع إلى البحث عن وسائل تقلل الحاجة إلى تعريض البشر للمخاطر.
ومن التقنيات التي يمكن أن تنقذ الأرواح معدات الحماية، مثل البطانيات المقاومة للحرارة، التي يمكن لبعض أنواعها تحمل درجات حرارة تصل إلى 3,000 درجة فهرنهايت. وتعتبر هذه البطانيات في بعض الحالات خط دفاع أخيراً لرجال الإطفاء الذين يجدون أنفسهم في ظروف خطرة.
كما يستفيد رجال الإطفاء الذين يتم إنزالهم بالمظلات في مناطق حرائق الغابات، والمعروفون باسم «Smokejumpers»، من تقنيات متطورة في التدريب.
وتستخدم هيئة الغابات الأمريكية جهاز المحاكاة الافتراضي للقفز بالمظلات «PARASIM»، الذي يسمح للمتدربين بالتدرب على سيناريوهات مختلفة داخل بيئة ثلاثية الأبعاد تحاكي الواقع، مع إمكانية تغيير سرعة الرياح والظروف الجوية وأنواع التضاريس.
الواقع المعزز.. رؤية ما وراء الدخان
دخلت تقنيات الواقع المعزز أيضاً إلى مجال مكافحة الحرائق، من خلال خوذات متطورة تجمع بين أجهزة التنفس وشاشات تعتمد على الرؤية الحاسوبية.
وتسمح الكاميرات الحرارية المثبتة داخل الخوذ لرجال الإطفاء بالعمل في بيئات تحجب الرؤية فيها بشكل شبه كامل بسبب الدخان، كما يمكن لهذه الأنظمة نقل المعلومات لاسلكياً من الخطوط الأمامية إلى مراكز القيادة والسيطرة.
وبذلك لا يصبح رجل الإطفاء معتمداً فقط على الرؤية المباشرة، بل يحصل على معلومات إضافية حول الحرارة ومحيطه والظروف الميدانية، وهو ما يساعده على اتخاذ قرارات أكثر أماناً.
الروبوتات.. عندما تصبح المنطقة شديدة الخطورة على الإنسان
بدأت الروبوتات أيضاً تأخذ مكاناً متزايداً في عمليات مكافحة الحرائق والإنقاذ، خصوصاً في المناطق التي يشكل دخول البشر إليها خطراً كبيراً.
ومن الأمثلة على ذلك روبوت «Smokebot»، الذي طورته إحدى الجامعات السويدية لمساعدة خدمات الإطفاء والإنقاذ، ويستخدم الروبوت الرادار والماسح الليزري والكاميرا الحرارية وأجهزة استشعار للغازات لجمع المعلومات في البيئات التي تعاني من ضعف الرؤية.
ويمكن للروبوتات العمل في المناطق المليئة بالدخان والغبار، ورسم خرائط للمواقع وتقديم معلومات حول الوضع الميداني، دون الحاجة إلى إرسال رجال الإطفاء مباشرة إلى الأماكن الأكثر خطورة.
كما يمكن لبعض الروبوتات حمل معدات أو المساعدة في عمليات الإجلاء، بينما يجري العمل على دمج الذكاء الاصطناعي بها حتى تتمكن مستقبلاً من تحليل الظروف واتخاذ قرارات بشأن أفضل استراتيجيات مكافحة الحريق.
ويبقى ارتفاع تكلفة هذه الروبوتات أحد أبرز العوائق أمام انتشارها، إذ قد تصل تكلفة بعض النماذج إلى مئات الآلاف من الدولارات.
الأقمار الصناعية.. مراقبة الحرائق من الفضاء
على مستوى أوسع، تعتمد الولايات المتحدة على الأقمار الصناعية لمراقبة حرائق الغابات وتحديد أماكن اندلاعها وتطورها.
وتستخدم مصلحة الغابات الأمريكية وهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية بيانات منظومة «Landsat» لرصد الأرض. وقد أُدخلت البيانات التي جُمعت من الحرائق الكبرى في الولايات المتحدة منذ عام 1984 في نماذج حاسوبية تساعد على فهم الحرائق والتنبؤ بها ودعم جهود الوقاية منها.
كما تستطيع الأقمار الصناعية المخصصة لرصد الأرض اكتشاف الحرائق في المناطق النائية التي يصعب الوصول إليها، وتستخدم كاميراتها وأجهزة الاستشعار عن بعد لتقدير تطور الحريق وتوفير صورة شاملة تساعد فرق التدخل ومراكز القيادة على اتخاذ القرارات.
ويقدم جهاز التصوير المرئي بالأشعة تحت الحمراء «VIIRS»، الموجود على متن القمر الصناعي «Suomi NPP»، بيانات شبه فورية إلى نظام معلومات الحرائق لإدارة الموارد التابع لوكالة ناسا «NASA FIRMS»، حول الحرائق النشطة في مختلف أنحاء العالم.
الذكاء الاصطناعي.. من رصد الحريق إلى توقع مساره
يبرز الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي كأحد أهم الاتجاهات الحديثة في إدارة الكوارث وحرائق الغابات.
فالخوارزميات قادرة على تحليل كميات ضخمة من البيانات التي يصعب على الإنسان معالجتها بالسرعة نفسها، بما في ذلك صور الأقمار الصناعية، وبيانات الطقس، وأجهزة الاستشعار الأرضية، والكاميرات، وشبكات الاستشعار، وحتى بيانات وسائل التواصل الاجتماعي.
وتوجد نماذج قادرة على التنبؤ بسلوك الحريق، من خلال دمج معلومات حول الطقس والتضاريس والجفاف واتجاه الرياح وغيرها من العوامل.
كما يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي تحليل صور الأقمار الصناعية بشكل مستمر والبحث عن مؤشرات مثل الدخان أو التغيرات الحرارية، ثم تقييم احتمال وجود حريق وإرسال تنبيهات إلى فرق التدخل عند ارتفاع مستوى الخطر.
وهنا تكمن أهمية الذكاء الاصطناعي في الانتقال من التعامل مع الحريق بعد اندلاعه إلى محاولة اكتشافه في مراحله الأولى والتنبؤ بالمناطق الأكثر عرضة للخطر.
بالنسبة إلى الجزائر، يمكن تكييف التقنيات التكنولوجية مع طبيعة الغابات والإمكانات المتوفرة وخصوصية التضاريس والمناخ.
والأولوية يمكن أن تكون في بناء منظومة وطنية متكاملة للإنذار المبكر ومراقبة الحرائق، تجمع بين الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار والكاميرات المثبتة في النقاط الاستراتيجية، على أن يتم تحليل البيانات مركزياً بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي، والتي نستطيع تصنعيها محليا بفضل الخبرات الجزائرية المتمكنة.
ويمكن للطائرات المسيّرة أن تلعب دوراً مهماً في الجزائر، خصوصاً في المناطق الجبلية والوعرة التي يصعب على الفرق الأرضية الوصول إليها بسرعة.
كما يمكن الاستفادة من الكاميرات الحرارية في نقاط استراتيجية، خاصة في المناطق التي تتكرر فيها الحرائق، وربطها بشبكة وطنية للمراقبة.
أما الأقمار الصناعية، فيمكن أن توفر قاعدة بيانات واسعة حول تاريخ الحرائق وتطورها، وهو ما يسمح ببناء نماذج خاصة بالجزائر تتنبأ بالمناطق الأكثر عرضة للاشتعال وفقاً لعوامل مثل الحرارة والجفاف والرياح ونوع الغطاء النباتي والتضاريس.
ويأتي هنا دور الذكاء الاصطناعي، الذي يمكن أن يجمع هذه المعطيات في منصة واحدة قادرة على إنتاج خرائط للمخاطر وتحديد الأولويات وتوجيه الموارد قبل وقوع الكارثة.
كما يمكن تطوير نظام يسمح بتحديد الولايات والمناطق الأكثر عرضة للخطر بشكل يومي، ثم تعزيزها مسبقاً بفرق التدخل والطائرات والوسائل اللازمة.
و يمكن استخدام تقنيات تحليل البيانات لتحديد مصادر الوقود النباتي ومناطق الغطاء النباتي الكثيف، بما يساعد على وضع خطط استباقية لإدارة الغابات وتقليل قابلية انتشار النيران.
وهذا يعني أن التكنولوجيا يمكن أن تغير طريقة التعامل مع حرائق الغابات من نموذج يعتمد أساساً على التدخل بعد اندلاع الحريق، إلى نموذج يقوم على ثلاث مراحل مترابطة: التنبؤ، والكشف المبكر، والاستجابة الذكية.
وفي السياق الجزائري، فإن الجمع بين الخبرة الميدانية التي راكمتها مصالح الحماية المدنية والغابات، وبين الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي والكاميرات الحرارية، يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو بناء منظومة أكثر سرعة ودقة في مواجهة حرائق الغابات.
فالرهان في النهاية لا يتعلق فقط بإخماد النيران، وإنما بتقليص المساحة التي يمكن أن تصل إليها، واكتشافها في أقرب وقت ممكن، وحماية الأرواح والثروة الغابية، وضمان قدرة النظم البيئية على التعافي بعد الكارثة.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال