انطلقت، اليوم، بالمكتبة الوطنية الجزائرية، فعاليات المهرجان الوطني للكتاب المقروء، الذي تنظمه وزارة الثقافة والفنون في الفترة الممتدة من 26 سبتمبر إلى 5 أكتوبر 2026، عبر مختلف ولايات الوطن، تحت شعار «لكتبنا حياة أخرى»، في تظاهرة ترمي إلى الاحتفاء بالكتاب وإعادة بعث دوره في المجتمع، إلى جانب تشجيع القراءة وترسيخ المطالعة كفعل ثقافي يومي.
وشكل هذا المهرجان فضاء للقاء القراء بالكتاب والمثقفين والناشرين والفاعلين في مجال القراءة، من خلال برنامج متنوع يجمع بين الأنشطة الفكرية والأدبية والمعارض والورشات، بما يسمح بفتح نقاش حول واقع الكتاب والمطالعة في الجزائر، وسبل تعزيز حضور القراءة، لاسيما في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة وانتشار الوسائط الرقمية.
الكتاب من الرفوف إلى أيدي القراء
وبهذه المناسبة، أكد مدير الكتاب والمطالعة العمومية بوزارة الثقافة والفنون، التيجاني تامة، أن المهرجان يمثل فضاء لفتح نقاش وطني حول واقع القراءة وتحدياتها، والكتاب وما ينبغي القيام به لدعم المطالعة في الجزائر، مشددا على أهمية منح الكتاب «حياة أخرى» من خلال إيصاله إلى قراء جدد.
وأوضح أن المبادرة تقوم على تشجيع القراء على إهداء الكتب أو تبادلها، بما يسمح بتوسيع دائرة الاستفادة من المعرفة، مشيرا إلى مشاركة مؤسسات تتوفر على أرصدة من الكتب، والتي تتيح جزءا منها للقراء مجانا، في إطار تقاسم المعرفة وتعزيز التضامن الثقافي.
ودعا تيجاني تامة إلى جعل المطالعة سلوكًا يوميًا ونمط حياة، وفتح أبواب المكتبات الشخصية أمام القراء، بما يمنح الكتب فرصًا جديدة للوصول إلى عقول جديدة، ويساهم في بناء مجتمع يقرأ ويفكر ويبدع ويزدهر.
ومن جهته، صرح مدير دائرة الكتاب بالوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي، نورالدين عدان، لجريدة عالم الأهداف، أن المهرجان يهدف إلى خلق فضاء يشارك فيه القراء وأصحاب المكتبات وكل من يمتلك كتبا يرغب في إهدائها أو تبادلها، مؤكدا أن العملية تسمح بإعادة تدوير الكتاب وإتاحة عناوين قد لا تكون متوفرة أمام الجمهور.
وكشف محدثنا أن منصة «كتابنا»، التي فتحت خصيصا لتنظيم عمليات التبادل والإهداء، استقطبت خلال نحو أسبوعين آلاف المنخرطين، فيما تتولى مديريات الثقافة عبر الولايات المصادقة على التسجيلات ومتابعة عمليات التبادل والإهداء محليا ووطنيا.
نقاش حول القراءة في زمن الرقمنة
ولم يقتصر برنامج المهرجان على عرض الكتب وتبادلها، حيث تضمن ندوات ولقاءات فكرية وأدبية تناولت قضايا الكتاب والقراءة وتحولاتها في ظل الرقمنة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب ورشات حول المطالعة وكيفية القراءة، وجلسات لتقديم وتوقيع إصدارات حديثة بحضور مؤلفيها.
وفي هذا الإطار، تناول مدير دار النشر “فكرة كوم”، حمزة قريرة، خلال إحدى مداخلاته، خصوصية القراءة الورقية مقارنة بالقراءة عبر الشاشات، مبرزا أهمية التتابع المكاني للصفحات في مساعدة القارئ على تثبيت المعلومات وبناء خريطة مكانية للنص، إلى جانب دور الكتابة اليدوية في ترسيخ بعض المهارات المعرفية.
وأوضح ذات المتحدث القراءة الورقية تقوم على ما وصفه بـ”التتابع المكاني”، الذي يمنح الدماغ خريطة مكانية للنص، وهو ما يساعد على تثبيت المعلومة واسترجاعها بشكل أفضل، موضحًا أن انتقال القارئ بين صفحات الكتاب يخلق تسلسلًا زمنيًا ومكانيًا يساهم في بناء المعنى والاحتفاظ به لفترة أطول.
وأضاف أن عملية القراءة من الكتاب الورقي ترتبط كذلك بالبعد الحسي، حيث إن انتقال القارئ بين الصفحات يجعله أكثر ارتباطًا بتسلسل النص، وهو ما يعزز الذاكرة التسلسلية، خلافًا لما يحدث أثناء القراءة الرقمية التي تختلف فيها طريقة تعامل الدماغ مع النص والمعلومة.
وأشار قريرة إلى التحديات التي تطرحها القراءة الرقمية والاستخدام المتزايد للوسائط التكنولوجية، خاصة فيما يتعلق بالتركيز ومعالجة المعلومات، داعيا إلى تحقيق توازن بين الوسائل الرقمية والكتاب الورقي، خصوصا في المجال التعليمي.
ويندرج المهرجان الوطني للكتاب المقروء، حسب تصريحات المشاركين في النشاط، ضمن رؤية تهدف إلى منح الكتب الموجودة لدى القراء والمؤسسات فرصة جديدة للوصول إلى قراء آخرين، بدل بقائها حبيسة الرفوف والمكتبات الشخصية، وذلك من خلال إتاحة فضاءات لتبادل الكتب وإهدائها، إلى جانب عرض وبيع الكتب المقروءة.
وعلى هامش الفعاليات، احتضنت المكتبة الوطنية الجزائرية معرضا شارك فيه عدد من الكاتبين ودور النشر والفاعلين في مجال الكتاب، إلى جانب فضاءات خصصت لتبادل وإهداء وبيع الكتب المقروءة، حيث شهدت التظاهرة توافد عدد من الطلبة والقراء والمهتمين بالكتاب، ممن وجدوا في المناسبة فرصة لاكتشاف عناوين جديدة واقتناء كتب أو تبادلها.
وتتواصل فعاليات المهرجان إلى غاية 5 أكتوبر المقبل عبر مختلف ولايات الوطن، ضمن برنامج يرمي إلى جعل الكتاب أكثر حضورًا في الفضاء العام، وتحويل القراءة من ممارسة فردية إلى فعل ثقافي تشاركي، بما يمنح الكتب المتداولة فرصة للوصول إلى قراء جدد، ويعزز ثقافة المطالعة في المجتمع.
بثينة ناصري
























مناقشة حول هذا المقال