أكدت وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، أن تثمين التراث الثقافي الوطني وحمايته واستغلاله اقتصاديا، يشكلان أحد المحاور الأساسية لتوجه القطاع نحو إرساء اقتصاد ثقافي مستدام، من خلال تطوير آليات الترويج للمواقع التراثية وتعزيز جاذبيتها السياحية، بما يضمن الحفاظ على قيمتها التاريخية والحضارية وتحويلها إلى مصدر للإشعاع الثقافي والتنمية الاقتصادية المحلية.
وأوضحت الوزيرة، في ردها على الأسئلة الشفوية بمجلس الأمة، اليوم الخميس، أن مدينة جانت احتضنت مؤخرا أول ملتقى دولي حول الفن الصخري، تحت الرعاية السامية لرئيس الجمهورية، بمشاركة باحثين ومختصين وفنانين وإعلاميين، حيث شكل اللقاء فرصة للاطلاع على أحدث الأفكار والتقنيات المعتمدة في حماية هذا الموروث الإنساني، إلى جانب البحث في أفضل السبل لاستغلاله والتعريف به على المستوى الدولي.
وأضافت بن دودة أن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من مجرد حماية التراث إلى تثمينه والترويج له، في إطار مقاربة اقتصادية جديدة لتسيير الفضاءات الثقافية، تقوم على البحث عن مسارات حيوية لتوزيع المنتوج الثقافي، والعمل التشاركي مع مختلف القطاعات، باعتبار أن تأسيس اقتصاد ثقافي حقيقي يتطلب جهودا قاعدية وتضافر مساهمة الخبراء والفنانين ورؤوس الأموال الجريئة والاستثمارات في المجالات الثقافية.
وشددت في هذا السياق على ضرورة تحقيق التوازن بين الانفتاح الاقتصادي وحماية الخصوصية الثقافية والذوق العام، من خلال توفير منتوج ثقافي ينسجم مع تاريخ المجتمع الجزائري ومبادئه، دون أن يكون ذلك سببا في الانغلاق أو الحد من التفاعل مع الثقافات الأخرى.
وفيما يتعلق بتثمين الحظيرتين الثقافيتين للطاسيلي ناجر والأهقار، أكدت الوزيرة أن مصالح القطاع تعمل على إيجاد الآليات المناسبة لتحقيق استغلال اقتصادي أفضل لهاتين الوجهتين الاستثنائيتين، بما يسمح بتعزيز السياحة الثقافية في الجنوب الكبير وتحقيق عائدات تنعكس إيجابا على المنطقة وسكانها، مع الحفاظ على الكنوز التراثية التي تزخر بها، مشيرة إلى العمل على إرساء منظومة متكاملة لرفع رسوم الدخول وتعميم الدفع الإلكتروني بالمواقع الثقافية والتراثية، بما يحقق التوازن بين الترويج السياحي والتثمين الاقتصادي.
وفي سياق آخر، تطرقت بن دودة إلى ملف حماية المدينة العتيقة بالمدية، مشيرة إلى أن تصنيفها قطاعا محفوظا بتاريخ 10 ديسمبر 2018، والمصادقة على هذا التصنيف في 28 مارس 2019، جاء استنادا إلى دراسات تاريخية معمقة أبرزت قيمتها الحضارية والمعمارية وما تحتضنه من شواهد تعكس مختلف الحقب التاريخية التي مرت بها، على غرار دار الأمير عبد القادر ومعالمها الدينية ونسيجها العمراني التقليدي.
وكشفت الوزيرة عن إعداد المخطط الدائم لحفظ واستصلاح القطاع المحفوظ، وفقا لأحكام المرسوم التنفيذي المتعلق بكيفيات إعداده، من خلال دراسة مرت بثلاث مراحل متكاملة، بمشاركة مختلف الهيئات العمومية وممثلي المجتمع المدني والحركة الجمعوية وأعضاء المجلس الشعبي الولائي، بهدف ضمان مقاربة تشاركية في تحديد أولويات الحماية وإعادة التأهيل.
وأبرزت أن الدراسة الميدانية والتقنية مكنت من إحصاء المباني ذات القيمة التاريخية والمعمارية والفنية العالية، وتحديد طبيعة ملكية العقارات، فضلا عن ضبط عمليات الترميم وإعادة التأهيل والتثمين المقترحة، مؤكدة أن حماية المدن العتيقة لا تعني تجميدها أو منع التنمية بها، وإنما الحفاظ على طابعها المعماري والتاريخي المتميز، مع تمكين مبانيها من التكيف مع متطلبات الحياة المعاصرة وتحسين ظروف عيش سكانها.
وبخصوص المواعيد الثقافية المحلية، أكدت وزيرة الثقافة والفنون أهمية مرافقة التظاهرات ذات البعد التاريخي والثقافي، مشيرة إلى أن بعض المواعيد، على غرار موعد «شتاء الخريف» بولاية الجلفة، تمثل رصيدا ثقافيا واجتماعيا يستحق التثمين والإدراج ضمن الأجندة الثقافية الوطنية.
وأوضحت أن الوزارة تتجه نحو دراسة صيغ جديدة لدعم هذه المواعيد، تقوم على تعزيز دور الجمعيات والمجتمع المدني، وإشراك رجال الأعمال والمؤسسات الاقتصادية والمنتخبين المحليين وأعيان المناطق، بما يسمح بصناعة تظاهرات ثقافية مستدامة تحافظ على الهوية المحلية وتساهم في تنشيط الحركة السياحية والاقتصادية، مؤكدة أن قطاع الثقافة لن يدخر جهدا في حماية الموروث الثقافي الوطني وتكريس مكانته للأجيال القادمة.
بثينة ناصري
























مناقشة حول هذا المقال