يرى بورقعة بوعمامة وهو إمام وخطيب واستاذ مكلف بمهام الإمام الأول لدائرة شروين مديرية الشؤون الدينية والأوقاف لولاية تيميمون، أن دور الإمامة هي رسالة ومسؤولية تتجاوز المحراب،
الإمام ليس مجرد من يتقدم المصلين في محراب المسجد بل هو صاحب رسالة وأمانة ومرشد ديني وتربوي وشريك أساسي في بناء الإنسان وخدمة المجتمع، عن اليوم الوطني للإمام ودلالته ودور الإمام كان لنا هذا الحوار:
كلمة بمناسبة اليوم الوطني للإمام، دلالات وأبعاد هذا اليوم؟
بسم الله الرحمان الرحيم و صلى الله و سلم على نبيه الكريم، شاكرا لكم هذه الاستضافة المباركة و للجريدة بالرقي و الإزدهار في المجال الإعلامي.
بمناسبة الذكرى السنوية لليوم الوطني للإمام، أقول يحيي الأئمة الجزائريون هذا اليوم من كل سنة تقديرًا وعرفانًا بدورهم العلمي والثقافي والاجتماعي وإسهامهم في خدمة الدين والوطن وترسيخا لقيم الوسطية والاعتدال وصون الهوية الوطنية، شاكرين و ممتنين إقرّاره من قبل رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، وإن هذا اليوم الوطني يعتبر تخليدًا لذكرى وفاة العلامة الشيخ سيدي محمد بلكبير بموجب المرسوم الرئاسي رقم 22-214 المؤرخ في 8 جوان 2022.
ويُعد هذا اليوم مناسبة للاحتفاء بمكانة الإمام ودوره في المجتمع واستحضار مسيرة الأئمة والعلماء الذين ساهموا في تحرير الوطن ثم واصلوا بعد الاستقلال رسالتهم في التنوير ونشر الفضيلة ومواجهة التطرف والفتن، كما يمثل 15 سبتمبر محطة وفاء لعالم من أعلام الجزائر الشيخ سيدي محمد بلكبير الذي كرّس حياته لخدمة القرآن الكريم والدين والوطن، وفي نبذة مختصرة عن الإمام الراحل الشيخ سيدي محمد بلكبير، يعد أحد أبرز علماء الجزائر ومصلحيها ومن أعلام العلم والتعليم الشرعي في منطقة توات وُلد سنة 1911 بقصر لغمارة بلدية بودة ولاية أدرار ونشأ في كنف أسرة عُرفت بالعلم والصلاح وتلقّى القرآن الكريم والعلوم الشرعية على يد الشيخ سيدي أحمد ديدي ببلدية تمنطيط فنهل من معين العلم وتكوّن على أصول الفقه المالكي والتربية والتزكية، كرّس الشيخ حياته لخدمة القرآن الكريم والعلوم الشرعية وأسّس مدرسة علمية وتربوية أصبحت منارةً للتعليم والإصلاح وقِبلةً لطلاب العلم من داخل الوطن وخارجه وأسهمت في تكوين أجيال من الأئمة وحفّاظ القرآن وطلبة العلم.
تميّز منهجه بالجمع بين العلم والتربية والتزكية والوسطية والاعتدال وحسن الخلق، فكان علمه مقرونًا بالعمل وتعليمه قائمًا على بناء الإنسان قبل تحصيل العلم.
وبعد مسيرة حافلة بالعطاء العلمي والدعوي والتربوي انتقل الشيخ سيدي محمد بلكبير إلى رحمة الله يوم 15 سبتمبر 2000م تاركًا أثرًا علميًا وتربويًا راسخًا وإرثًا مباركًا لا يزال حاضرًا في ذاكرة الأجيال.
ما هي الأدوار المنتظرة من الإمام في نظرك؟
للإمام.. أدوار ورسالة ومسؤولية تتجاوز المحراب
الإمام ليس مجرد من يتقدم المصلين في محراب المسجد بل هو صاحب رسالة وأمانة ومرشد ديني وتربوي وشريك أساسي في بناء الإنسان وخدمة المجتمع.
دينياً: يؤم المصلين ويعلّم القرآن الكريم والسنة ويقدّم الوعظ والإرشاد ويجيب عن تساؤلات الناس بما يوافق العلم والشرع.
اجتماعياً وإصلاحياً: يسعى إلى الإصلاح بين الناس وتعزيز روح التكافل والتضامن ومواساة الناس ومشاركتهم في أفراحهم وأتراحهم.
تربوياً: يعتني بالنشء والشباب ويرسّخ قيم التسامح والصدق والأمانة وبر الوالدين وحسن الجوار ويحارب الأفكار المنحرفة بالحكمة والحوار.
الإمام قدوةً: بسلوكه وأخلاقه وتعامله نموذجاً يُحتذى به لأن أثر الكلمة يزداد حين تساندها القدوة.
تعد الإمامة رسالة والمحراب منطلق والمجتمع ميدان للأثر.
كيف يساهم المسجد في إصلاح المجتمع؟
يمثل المسجد إحدى المؤسسات الدينية والاجتماعية التي تؤدي وظائف متعددة تتجاوز الجانب التعبدي إلى مجالات التعليم والتربية والتواصل الاجتماعي. وقد ارتبطت وظيفة المسجد تاريخيًا بتلبية عدد من الاحتياجات الدينية والمعرفية والاجتماعية لأفراد المجتمع الأمر الذي جعله فضاءً للممارسة الدينية والتوجيه والتفاعل المجتمعي ويمكن تصنيف أبرز وظائف المسجد في المجتمع ضمن المحاور الآتية:
الوظيفة التعبدية:
تتمثل أساسًا في إقامة الصلوات المفروضة وصلاة الجمعة وسائر الشعائر والعبادات المرتبطة بالمسجد بما يوفر إطارًا مؤسسيًا لممارسة الشعائر الدينية وتعزيز الارتباط بالقيم الدينية.
الوظيفة التعليمية والمعرفية:
يسهم المسجد في نشر المعرفة الدينية من خلال حلقات تحفيظ القرآن الكريم والدروس والمحاضرات ومجالس العلم والتوجيه. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في مجال ترسيخ المفاهيم الدينية الصحيحة وتنمية الوعي الديني لدى مختلف الفئات العمرية.
الوظيفة التربوية:
يؤدي المسجد دورًا في دعم التنشئة القائمة على مجموعة من القيم الأخلاقية والاجتماعية من خلال التوجيه والإرشاد وتعزيز مفاهيم المسؤولية والانضباط والتعاون واحترام الآخرين. كما يمكن أن يسهم في توجيه فئة الشباب نحو السلوك الإيجابي والحد من بعض مظاهر الانحراف السلوكي.
الوظيفة الاجتماعية:
يشكل المسجد فضاءً للتواصل والتعارف بين أفراد المجتمع ويسهم في تعزيز العلاقات الاجتماعية وروح التضامن والتكافل ولا سيما من خلال المبادرات والأنشطة ذات الطابع الاجتماعي والخيري كمؤسسة المسجد فرع سبل الخيرات والتفاعل مع احتياجات الفئات المختلفة داخل المجتمع.
الوظيفة المرتبطة بالتماسك والأمن المجتمعي:
يكمن دور المسجد أيضا في إصلاح المجتمع من خلال الخطاب الديني المعتدل وبرامج التوعية والتوجيه أن يسهم في تعزيز قيم الوسطية والاعتدال ونبذ العنف والتطرف، إضافة إلى المساهمة في معالجة بعض الظواهر الاجتماعية من خلال التوعية والوقاية والإرشاد. ويظل هذا الدور مرتبطًا بمدى فاعلية البرامج والأنشطة التي تقدمها المؤسسة المسجدية ومدى تكاملها مع بقية المؤسسات التربوية والاجتماعية.
وعليه فإن دراسة دور المسجد في المجتمع تقتضي النظر إليه بوصفه مؤسسة متعددة الوظائف تتداخل فيها الأبعاد التعبدية والتعليمية والتربوية والاجتماعية. ولا تتحقق فاعلية هذه الوظائف بصورة تلقائية وإنما تتأثر بالسياق الاجتماعي والثقافي وبطبيعة البرامج المقدمة وبمستوى تأهيل القائمين عليها وبمدى التنسيق مع المؤسسات الأخرى ذات الصلة
كيف ترى الخطاب المسجدي ودوره؟
أرى أن الخطاب المسجدي أحد المكونات الأساسية في منظومة التوجيه الديني والتربوي داخل المجتمع الجزائري أكثر من أي وقت مضى، وذلك لما يضطلع به من دور في ترسيخ القيم الأخلاقية والدينية وتعزيز التماسك الاجتماعي والإسهام في حماية الهوية الوطنية. وتزداد فاعلية هذا الخطاب إلى مرجعية دينية وطنية واضحة تقوم على الوسطية والاعتدال وتحافظ على وحدة المجتمع وانسجامه مراعية خصوصيات الواقع الاجتماعي والثقافي بحيث يكمن ذلك في:
أولًا: التكامل بين الخطاب المسجدي والمرجعية الدينية الوطنية
التأصيل الشرعي: بحيث يستمد الخطاب المسجدي اليوم مشروعيته وقوته من ارتباطه بأصول الشريعة الإسلامية ومقاصدها، مراعيا أحوال الناس وخصوصيات الواقع الاجتماعي، بما يحقق التوازن بين الثوابت الشرعية ومتطلبات الحياة المعاصرة.
البعد الوطني والاجتماعي: لا يقتصر دور الخطاب المسجدي على الجانب الوعظي والتعبدي فحسب بل يمتد إلى ترسيخ قيم المواطنة الصالحة وتعزيز الانتماء الوطني واحترام مؤسسات الدولة ونبذ التعصب والانقسام بما يسهم في دعم وحدة المجتمع وتماسكه.
التوازن بين الأصالة والتجديد: يرتكز الخطاب المسجدي المعاصر في بلادي على القدرة على الجمع بين المحافظة على الثوابت الدينية والمرجعيات الفقهية والعقدية المستقرة وبين الانفتاح الواعي على القضايا المستجدة والتحولات الاجتماعية والفكرية بعيدًا عن الجمود من جهة أو الإفراط والتفريط من جهة أخرى.
ثانيًا: تفعيل دور الخطاب المسجدي واضح وجلي اليوم
بحيث يستمد من تأهيل الأئمة وتطوير كفاءاتهم: من خلال التكوين العلمي والمنهجي والمهارات الخطابية التي تمكنهم من أدوات التعامل مع القضايا الفكرية والاجتماعية المعاصرة بما يعزز قدرتهم على تقديم خطاب ديني متزن وفاعل.
تعزيز التحصين الفكري: إسهام الخطاب المسجدي في وقاية أفراد المجتمع ولا سيما الناشئة والشباب من الأفكار المتطرفة والهدامة من خلال نشر ثقافة الحوار والتسامح والاعتدال والوسطية وترسيخ قيم الاحترام والتعايش.
ترسيخ الالتزام بالثوابت والمرجعيات الوطنية: دعم وحدة المرجعية الدينية من خلال الاستناد إلى المذهب المالكي والمرجعية العلمية المعتمدة بما يحافظ على الانسجام الديني والمجتمعي ويحدّ من مظاهر التنازع والاضطراب في الخطاب الديني.
مواكبة قضايا المجتمع: يتفاعل الخطاب المسجدي مع القضايا التي تمس حياة المواطنين ويقدم معالجة دينية وعلمية متوازنة لها، من خلال الوعظ والإرشاد مما جعل المسجد فضاءً للإرشاد والتوعية وبناء الوعي بعيدا عن كونه مجرد منبر للوعظ التقليدي.
خلاصة لذلك ان التكامل بين الخطاب المسجدي والمرجعية الدينية الوطنية يمثل مدخلًا مهمًا لتحقيق خطاب ديني متزن يجمع بين التأصيل الشرعي والوعي بالواقع والاعتدال الفكري والانتماء الوطني. ومن ثمّ، فإن ما يشهده الخطاب المسجدي من تطوير إنما يقوم على تجديد واعٍ يحافظ على الثوابت ويستجيب لمتغيرات المجتمع بما يعزز دور المسجد في تحقيق الاستقرار الفكري والتماسك الاجتماعي.
كيف يمكن في نظرك ترقية هذه المهمة النبيلة والسامية، وهي الإمامة؟
رؤيتي كإمام المقترحة لترقية مهمة الإمامة في العصر الحالي إن الإمامة تعد من أجلِّ المهام الدينية والاجتماعية لما تضطلع به من مسؤولية في توجيه الناس وتعليمهم وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية وتعزيز السلم الاجتماعي والتماسك الأسري.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المجتمع لم يعد من الكافي أن يظل دور الإمام محصورًا في أداء الصلوات وإلقاء خطبة الجمعة بل أصبح من الضروري الارتقاء بهذه المهمة لتكون أكثر مواكبة لاحتياجات الناس وتحديات العصر مع الحفاظ على ثوابت الدين والمرجعية الدينية الوطنية وهذا ما تنتهجه الوزارة الوصية وفق البرامج المسطرة عبر مراكز تكوين الأئمة والدورات التكوينية المستمرة للارتقاء بمهمة الإمامة مرتكزة على:
أولًا: التأهيل العلمي والمهاري
التكوين المستمر: تطوير معارف الإمام من خلال برامج تكوينية دورية تشمل فقه النوازل والمعاملات المالية الحديثة والقضايا الأسرية والاجتماعية وغيرها من المستجدات.
تطوير مهارات الخطابة والاتصال: تدريب الأئمة على أساليب التواصل الحديثة وحسن إدارة الحوار واستخدام لغة واضحة ومؤثرة مع تقديم خطب جمعة موجزة وعميقة تلامس واقع المجتمع وتجيب عن انشغالاته.
الاستفادة من العلوم الإنسانية: تمكين الإمام من المعارف الأساسية في علم النفس والاجتماع والتربية بما يساعده على فهم قضايا الشباب والأسرة ومشكلات التفكك الأسري والإدمان وغيرها، مع إحالة الحالات المتخصصة إلى أهل الاختصاص.
ثانيًا: التحول الرقمي ومواكبة التكنولوجيا:
أصبح الفضاء الرقمي جزءًا أساسيًا من حياة الناس ولا سيما فئة الشباب الأمر الذي يستدعي حضورًا دعويًا وتوعويًا مسؤولًا في هذا الفضاء.
إنتاج محتوى ديني وتربوي هادف عبر المنصات الرقمية.
الاستفادة من المقاطع القصيرة والبودكاست والبرامج التفاعلية.
توظيف التطبيقات والمنصات الرقمية في تنظيم حلقات التعليم القرآني والأنشطة المسجدية.
تعزيز التواصل مع أفراد المجتمع عبر الوسائل الرقمية مع الالتزام بالضوابط الشرعية والمهنية.
ثالثًا: تفعيل الدور الاجتماعي والتنموي للمسجد
المسجد استعاد دوره باعتباره مؤسسة دينية وتربوية واجتماعية فاعلة
بتنظيم دروس ودورات تعليمية وتربوية لفائدة مختلف فئات المجتمع.
يشجع المطالعة والأنشطة الثقافية الهادفة.
يطلق مبادرات تطوعية وبيئية وصحية بالتنسيق مع الجهات المختصة.
يفعل دوره في الإصلاح الأسري والوساطة والصلح ضمن الأطر القانونية والتنظيمية.
يدعم الفئات الهشة من خلال آليات التضامن والتكافل عبر مؤسسة المسجد فرع سبل الخيرات بالتنسيق مع الهيئات والجمعيات المعتمدة.
رابعًا: ترقية مكانة الإمام المادية والاعتبارية
إن الارتقاء بأداء الإمام يرتبط أيضًا بتوفير الظروف التي تمكنه من أداء رسالته بكفاءة واستقرار.
تحسين الظروف المهنية والاجتماعية للإمام بما يتناسب مع حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه.
-بالعمل على توفير السكن الوظيفي والظروف الملائمة حيثما أمكن.
-تعزيز الاحترام والتقدير الاجتماعي لمكانة الإمام.
- توفير بيئة عمل تحفظ كرامته وتدعمه في أداء رسالته وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعمول بها.
خامسًا: الإمام شريك في بناء المجتمع
إن الإمام المعاصر أرى أنه قريبًا من الناس واعيًا بقضاياهم مستمعًا لانشغالاتهم ومساهمًا في معالجتها بالعلم والحكمة والتنسيق مع المختصين والهيئات المعنية، فهذا يعتبر نجاح حقيقي لمهمة الإمامة
ومن هنا سيدي الكريم يتضح إن الاستثمار في تكوين الإمام وتأهيله وتحسين ظروفه المهنية والاجتماعية هو في الحقيقة استثمار في أمن المجتمع واستقراره وفي بناء جيل أكثر وعيًا وتوازنًا وارتباطًا بقيمه الدينية والوطنية.
كلمة أخيرة بالمناسبة؟
في ختام هذه الاستضافة بمناسبة اليوم الوطني للإمام يسعدني أن أتقدم بجزيل الشكر وعظيم الامتنان إلى أسرة الجريدة وإليكم شخصيا استاذنا الفاضل علي جماح وإلى كافة القائمين عليها على إتاحة هذه المساحة الإعلامية الطيبة
كما أحيّي جهودكم في خدمة الإعلام الهادف وإبراز مختلف القضايا والمواضيع التي تهم المجتمع وتسليط الضوء على مكانة الإمام ودوره المحوري في خدمة الدين والوطن والمجتمع.
إن الاحتفاء باليوم الوطني للإمام هو مناسبة لتجديد التقدير والعرفان لجهود أئمتنا وأهل القطاع وما يقدمونه من رسالة سامية في التعليم والإرشاد والتوجيه ونشر قيم الاعتدال والوسطية وخدمة بيوت الله.
كما أكرر شكري وتقديري لكم متمنياً لجريدتكم مزيداً من النجاح والتألق ولجميع العاملين بها التوفيق والسداد في أداء رسالتهم الإعلامية النبيلة.
كل عام وأئمتنا بخير، وكل عام والجزائر بألف خير وأمن واستقرار.
حاوره علي جماح























مناقشة حول هذا المقال