في زمن لم تعد فيه التقلبات المناخية استثناءً، بل أصبحت واقعًا يفرض نفسه بوتيرة متسارعة، تقف الجزائر اليوم أمام واحدة من أشد موجات الحر التي عرفتها خلال السنوات الأخيرة.
درجات حرارة قياسية، وحرائق غابات، وضغط متزايد على الموارد المائية والطاقة، كلها مؤشرات تعكس حجم التحديات التي تفرضها التحولات المناخية على البلاد. وبين من يربط هذه الظواهر بالدورات الطبيعية للمناخ، ومن يعتبرها أحد أبرز تجليات الاحتباس الحراري العالمي، تبرز الحاجة إلى قراءة علمية دقيقة تفسر ما يحدث بعيدًا عن الانطباعات والتأويلات.
وفي هذا الإطار، يسلط خبير البيئة هشام عداد الضوء على الأسباب العلمية لموجات الحر، ويستعرض انعكاساتها البيئية والاقتصادية، كما يقدم رؤية متكاملة حول سبل التكيف مع واقع مناخي بات يتطلب قرارات استباقية وسياسات أكثر استدامة.
وفي هذا السياق، قدم الخبير البيئي هشام عداد قراءة علمية وتقنية لهذه الظاهرة، موضحاً أن موجات الحر لم تعد مجرد حالات جوية عابرة، بل أصبحت تتطلب فهماً علمياً دقيقاً واستراتيجيات عملية للتكيف معها والحد من آثارها.
موجات الحر ترتبط بعدة عوامل مناخية
وأوضح الخبير أن موجات الحر ترتبط بعدة عوامل مناخية، يأتي في مقدمتها تمركز المرتفعات الجوية شبه المدارية فوق شمال إفريقيا، وهو ما يؤدي إلى استقرار الكتل الهوائية ومنع تشكل السحب، وبالتالي زيادة كمية الإشعاع الشمسي التي تصل إلى سطح الأرض. كما تساهم الكتل الهوائية الصحراوية الحارة القادمة من الجنوب في رفع درجات الحرارة، خاصة عند امتدادها نحو المناطق الشمالية والساحلية.
وأشار إلى أن هذه العوامل الطبيعية أصبحت اليوم تتداخل مع عامل أكثر تأثيراً، يتمثل في الاحترار العالمي الناتج عن الارتفاع المستمر في تركيز غازات الدفيئة، مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز. فهذه الغازات تؤدي إلى احتجاز جزء أكبر من الإشعاع الحراري داخل الغلاف الجوي، ما يرفع متوسط درجة حرارة الأرض ويزيد من احتمال حدوث موجات حر أكثر شدة وأطول مدة.
وفيما يتعلق بمدى اعتبار موجات الحر مؤشراً على تغير مناخي دائم، أوضح هشام عداد أنه من الناحية العلمية لا يمكن اعتبار كل موجة حر دليلاً منفرداً على التغير المناخي، لأن مثل هذه الظواهر كانت موجودة منذ القدم، غير أن المؤشر الحقيقي يتمثل في التغير الذي طرأ على خصائصها الإحصائية عبر الزمن.
الجزائر تشهد ارتفاعاً تدريجياً في متوسط درجات الحرارة
وأضاف أن السجلات المناخية تؤكد أن الجزائر تشهد ارتفاعاً تدريجياً في متوسط درجات الحرارة، إلى جانب زيادة عدد الأيام التي تتجاوز فيها درجات الحرارة المعدلات المناخية، وارتفاع درجات الحرارة الليلية، فضلاً عن امتداد مدة موجات الحر مقارنة بما كان مسجلاً قبل عدة عقود.
وأكد أن هذه النتائج تتوافق مع النماذج المناخية الخاصة بمنطقة البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا، والتي تصنف هذه المنطقة ضمن أكثر مناطق العالم عرضة لارتفاع درجات الحرارة، وتراجع التساقطات، وازدياد فترات الجفاف خلال العقود المقبلة.
وتطرق الخبير إلى دور الغطاء النباتي في تنظيم المناخ المحلي، موضحاً أن الأشجار تمتص جزءاً من الإشعاع الشمسي، وتخفض درجة حرارة الهواء عبر عملية التبخر والنتح، كما تسهم في تحسين جودة الهواء والحد من الغبار. وعندما يتراجع الغطاء النباتي بسبب الحرائق أو إزالة الغابات أو التصحر، تنخفض قدرة البيئة على التبريد الطبيعي، فتزداد درجات الحرارة المحلية.
أما داخل المدن، فأشار إلى أن التوسع العمراني غير المدروس يؤدي إلى ما يعرف بظاهرة “الجزيرة الحرارية الحضرية”، حيث تمتص المباني والطرقات الخرسانية والأسطح الإسفلتية كميات كبيرة من الطاقة الشمسية نهاراً، ثم تعيد إطلاقها تدريجياً خلال الليل، وهو ما يفسر استمرار ارتفاع درجات الحرارة حتى بعد غروب الشمس.
وأضاف أن الكثافة العمرانية، وضعف التهوية الطبيعية، وارتفاع استهلاك الطاقة، والانبعاثات الناتجة عن وسائل النقل، كلها عوامل ترفع الحمل الحراري داخل المدن وتزيد من الإحساس بدرجات الحرارة المرتفعة.
الآثار البيئية والتقنية لموجات الحر
وحول الآثار البيئية والتقنية لموجات الحر، أوضح هشام عداد أنها تمس مختلف الأنظمة البيئية والاقتصادية، إذ تؤدي إلى زيادة استهلاك المياه نتيجة ارتفاع معدلات التبخر، وانخفاض مخزون السدود والموارد المائية الجوفية، وارتفاع مخاطر حرائق الغابات، وتدهور التنوع البيولوجي وهجرة بعض الأنواع النباتية والحيوانية، إضافة إلى انخفاض الإنتاج الزراعي بسبب الإجهاد الحراري ونقص المياه.
كما أشار إلى أن هذه الظاهرة تؤدي أيضاً إلى ارتفاع استهلاك الطاقة الكهربائية نتيجة الاعتماد المكثف على أجهزة التبريد، فضلاً عن زيادة احتمال تعطل بعض البنى التحتية بسبب تمدد المواد بفعل الحرارة المرتفعة.
إجراءات علمية وتقنية للتكيف مع موجات الحر
وفي حديثه عن الحلول الممكنة، أكد الخبير أن التكيف مع موجات الحر يتطلب اعتماد حزمة من الإجراءات العلمية والتقنية المتكاملة، تبدأ بتطوير أنظمة الإنذار المبكر وربطها بالتنبؤات الجوية عالية الدقة، وتوسيع شبكات الرصد المناخي ومحطات قياس درجات الحرارة والرطوبة.
كما شدد على أهمية تعزيز الإدارة المستدامة للموارد المائية عبر استخدام تقنيات الري الحديثة وإعادة استعمال المياه المعالجة، إلى جانب توسيع المساحات الخضراء داخل المدن وإنشاء أحزمة نباتية حول التجمعات السكنية.
ودعا أيضاً إلى استخدام مواد بناء عاكسة للإشعاع الشمسي، واعتماد الأسطح الباردة والأسطح الخضراء، وتحسين العزل الحراري للمباني من أجل تقليل استهلاك الطاقة، فضلاً عن تشجيع استخدام الطاقات المتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء خلال فترات الحر.
وأشار إلى ضرورة إعداد مخططات عمرانية تراعي التهوية الطبيعية واتجاه الرياح، وتحد من الكثافة الحرارية داخل المدن، مع تعزيز برامج الوقاية من حرائق الغابات بالاعتماد على أنظمة المراقبة والاستشعار عن بعد.
التكيف مع التغيرات المناخية مسؤولية جماعية
وفي جانب التوعية، أكد هشام عداد أن التكيف مع التغيرات المناخية يمثل مسؤولية جماعية، تبدأ من المدرسة ووسائل الإعلام والمجتمع المدني، من خلال نشر الثقافة العلمية والبيئية وتعزيز الوعي بالمخاطر المناخية وأساليب التكيف معها.
كما دعا المواطنين إلى تبني سلوكيات بيئية مستدامة، مثل ترشيد استهلاك الماء والطاقة، والمحافظة على الغطاء النباتي، والحد من التلوث، والمشاركة في حملات التشجير وحماية الموارد الطبيعية.
وختم الخبير البيئي حديثه بالتأكيد على أن مواجهة موجات الحر لم تعد خياراً، بل أصبحت ضرورة تفرضها التحولات المناخية المتسارعة، مشدداً على أهمية دعم البحث العلمي في مجالات المناخ والبيئة، وتطوير قواعد بيانات مناخية دقيقة تساعد صناع القرار على تبني سياسات فعالة قائمة على الأدلة العلمية، بما يعزز قدرة الجزائر على التكيف مع الظواهر المناخية المتطرفة وحماية مواردها الطبيعية للأجيال القادمة.
التغير المناخي يتطلب رؤية وطنية تقوم على الاستباق والتخطيط والاعتماد على المعرفة العلمية
تكشف موجات الحر التي تعيشها الجزائر اليوم أن التغير المناخي لم يعد سيناريوًّا مستقبليًّا تتحدث عنه الدراسات، بل واقعًا يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية، من الماء والغذاء والطاقة إلى صحة الإنسان واستقرار الأنظمة البيئية. وفي هذا السياق، يؤكد خبير البيئة هشام عداد أن التعامل مع هذه الظواهر لا ينبغي أن يقتصر على إدارة الأزمات عند وقوعها، بل يجب أن يتحول إلى رؤية وطنية تقوم على الاستباق والتخطيط والاعتماد على المعرفة العلمية في صناعة القرار. فكل شجرة تُزرع، وكل قطرة ماء تُحفظ، وكل مشروع يُصمم وفق معايير الاستدامة، يمثل خطوة عملية نحو بناء جزائر أكثر قدرة على الصمود أمام التحديات المناخية.
وبين تحديات الحاضر ورهانات المستقبل، يبقى الوعي البيئي والعمل الجماعي والاستثمار في العلم الركائز الحقيقية لصناعة مستقبل أكثر أمانًا للأجيال القادمة.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال